المحتوى الرئيسى

المخصيون والفحول بقلم:ياسين السعدي

06/11 22:05

هدير الضمير

المخصيون والفحول!!

ياسين السعدي

المخصي اسم مفعول، وهو من تُجرى له عملية الإخصاء. ويتم ذلك بوضع الخصيتين بين أداة تشبه فكي الكماشة والضغط عليهما حتى يتم إتلافهما بقطع الحبل الذي ينقل السائل المنوي من قضيب الذكر، سواء الإنسان أو الحيوان.

وهي من الفعل الماضي الثلاثي (خصى) بالألف المقصورة مثل الفعل مشى. يقول المنجد: (خصاه خصياً: صيَّره خصياً. والخَصِيّ جمعها خِِصْيَة وخِِصْيان، وهو الذي سُلبت خصيتاه ونُزِعتا، والخَصية عضو في الجسم يُعرف بالبيضة). والمعروف أن الخَصية هي مكان إفراز وتخزين السائل المنوي عند الذكر من الإنسان والحيوان.

وكانت عملية الإخصاء تتم للذكور من الرجال الذين لهم اختلاط في عالم النساء في قصور الحكام وفي بلاط السلاطين، لتعطيل القدرة على الممارسة الجنسية.

وهكذا كان يتم إخصاء العبيد، غالباً، من باب التحرز، ولكي يحافظوا على قواهم البدنية من أجل الخدمة بقوة ونشاط، وفي هذه الحالة لا يتناسلون ولا يكون لهم ذرية.

ومن أشهر المخصيين في التاريخ العربي، كافور الإخشيدي، الذي وفد عليه المتنبي في مصر وهو يأمل أن يلقى عنده الترحيب والتقدير الذي كان يحظى به عند سيف الدولة الحَمْداني قبل أن يشعر بالجفوة في بلاطه. وعندما رأى ما صدم روحه المتوثبة للحرية وطموحه العاشق للكرامة، قال فيه:

من علّم الأسودَ المخصيَّ مكرمةً ***** أَقومُهُ البيضُ أمْ آباؤه الصيدُ؟!

وفي المقابل، فإن من يكون عنده إحساس بالكرامة ويأنف المذلة ويأبى الضيم الذي يلحق به أو بوطنه ومجتمعه فهو فحل، أي غير مخصي وغير قابل للإخصاء الذي يقوم به السلاطين للعبيد الذين يباعون في أسواق النخاسة، أو يبيعون أنفسهم من أجل المراتب والرواتب. وفي الأدب العربي نعرف الشاعر الجاهلي علقمة بن عَبدة بن ناشرة بن قيس، من بني تميم؛ المعروف باسم علقمة الفحل المعاصر للشاعر امرئ القيس، وله معه مساجلات في الشعر.

ملاحظتان

عندما كنت طفلاً، كنا نشاهد ذلك الرجل في قريتنا (عربونة) إلى الشمال الشرقي من جنين، التي لجأنا إليها بعد النكبة، والذي كان يقوم بتركيب الحذوات لقوائم الخيول وللحمير، أَجَلَّكُمُ الله، وكان يقوم أحياناً بعملية الإخصاء للخيول الفحول وتحويلها إلى خيول مخصية، ومن خيول أصيلة كانت تُعَدُّ للسباق والزينة والمفاخرة باقتنائها، إلى (قُدُش) وإعدادها للخدمة في الحرث والنقل وجر العربات، وغير ذلك من وسائل الاستعمال.

وقد يغلب اللقب على الاسم أحيانا ولا يتحرج صاحبه منه. فعندما افتتحت مطبعتي التجارية سنة 1997م، جاءني رجل من أهلنا في الداخل، يريد أن يطبع بطاقات الدعوة لعرس ولده. وعندما بدأت بكتابة الاسم، كما كان يمليه عليَّ، ذكر اسم العائلة: (أبو خصوة)، فتوقفت عن الكتابة ونظرت إليه نظرة استغراب واستفهام: هل يليق أن يذكر ذلك في البطاقة؟ فرد عليَّ قائلاً: اكتب كما أقول لك، فلا أحد يعرفنا بغير هذا الاسم، ولن يحضر عرسنا إلا قلة قليلة من الأقربين؛ إذا لم نذكر اسمنا الذي يعرفنا به الناس، وكتبتها (بناء على طلبه).

الاخصاء المعاصر

وتطور مفهوم الإخصاء من سلب الخصيتين وإتلافهما إلى عكس النظرية القديمة، وخصوصاً عند الرجال المقربين من القصور والسلاطين؛ وذلك بحشو جيوبهم بالأموال التي ينهبها القادة والزعماء، وإغراق المقربين في بحور الفساد والممارسات التي تذهب بهيبتهم، وتقتل فيهم روح العزة والكرامة، وتطويعهم لخدمة السلطان وتنفيذ مخططاته، مهما كانت ظالمة خاطئة.

هؤلاء هم المخصيون المعاصرون في رأينا المتواضع، لأنهم في الحقيقة لا يستطيعون ممارسة الرجولة ودور الفحولة في مجتمعهم الذي يعاني مرارة الظلم وحياة الإذلال والقهر والاستغلال، بل إن هؤلاء، الذين يسمون بالمقربين، يمارسون كل المآسي والمخازي تلبية لأوامر النظام، أي نظام، ولا يجرئون على عمل يعارض توجهات السلطة ولا يستجيب لتوجيهات السلطان.

إنهم مخصيون بما أتخمهم القائد والزعيم الذي يستبد برأيه، ويستعبد شعبه ويمارس أقسى أنواع الاضطهاد والقتل والاعتقال التعسفي، بل والتعذيب الرهيب الذي تقشعر لرؤيته أكثر القلوب قسوة لهول ما تراه وما يقوم به النظام الظالم.

المخصيون هم الذين يطلق عليهم حماة الديار زوراً، لأن السلطان قد حولهم إلى مخصيين لخدمة أهدافه وحماية نظامه وتنفيذ أوامره؛ مهما كانت ظالمة آثمة. فهل يمكن أن نسمي أمثال هؤلاء المخصيين بالفحول الذين تربوا على العزة والكرامة والسبق في ميادين العطاء؟

من الواضح اليوم إن سياسة الاخصاء القديمة لم تعد تناسب العصر، ولم تعد تفيد السلطان في توجهاته وتوجيهاته، ولذلك صار السلاطين والحكامُ المستبدون يخصون مواليهم وتابعيهم عن طريق جيوبهم بحقنها بالمال الذي يفسد الرجال، ويقتلون فحولتهم بمنح الامتيازات، وإغراقهم بما يفسد ضمائرهم من وسائل الإغراء والإغواء؛ بحيث يدمنون أساليب الخنوع والركوع والطاعة العمياء.

من يدقق جيداً في الحياة العربية يلاحظ هذه الظاهرة جيداً، ويستطيع أن يقارن كيف صار للخصيان مكانة متقدمة في المجتمع، وصار لهم قيادة وريادة وعلو شأن بين الناس، بينما هم مجرد أدوات رخيصة بيد السيد الذي يسخرها لتنفيذ ما يريد ويسيرها كيفما يريد.

المخصيون أو الخصيان، تشاهدهم عبر الشاشات التلفزيونية يثرثرون في القضايا العامة ويتشدقون في الأمور المصيرية للأمة، بينما لا يملك الواحد منهم زمام أموره الشخصية؛ لأنه مجرد ديكور اقتضته طبيعة العصر من أمور شكلية توحي بأن النظام ديموقراطي واستشاري ويأخذ برأي الشعب، بينما الشعب آخر من يعلم بما يطبخ الزعيم العظيم والقائد الملهم.

المخصيون هم الذين ينفذون أوامر القائد من غير تقدير للعواقب، ومن دون حساب لما يترتب على تنفيذ الأوامر التي تلقى إليه من السيد المتربع على صدور المواطنين بظله الثقيل، وظلمه الذي يصل حد الإبادة الجماعية إذا عبروا عن إحساسهم بالظلم وهتفوا في وجوه الظالمين، فيسلط عليهم عبيده المخصيين الذين يقومون بممارسة أفعال لا يمكن أن ينفذها إلا من فقد الرجولة والفحولة.

أما الفحول من الرجال، فهم الذين يقفون في وجه السلطان الظالم، ويوقفون مظالمه ولا يوافقون على ما ليس في خدمة شعبهم وأمتهم، فيتمردون ويرفضون ما ليس في سبيل الله والوطن والمواطنين ولوا دفعوا حياتهم ثمنا لمواقفهم وفحولتهم، كما شاهدنا ونشاهد الفحول العربية الأصيلة التي تخرج من (قطيع) السلطان لتلتحق ب (جموع) الفحول من الخيول الأصيلة.

الفحول العربية اليوم هم سلالة ذلك الأعرابي الذي وقف في وجه عمر بن الخطاب عندما ظن أن الخليفة استأثر على الرعية بأخذه أكثر من حقه من القماش الذي قسمه بين المسلمين، فصاح في وجه عمر: لا سمعاً ولا طاعة. وعندما عرف الحقيقة وبان له صدق السلطان ونزاهته وعدله في تقاسم (الثروة الوطنية)، أعلن تأييده قائلاَ: الآن سمعاً وطاعة.

أما المخصيون فهم الذين يرون الحسن ما حسنه السلطان، ويرون قبيحاً ما قبحه القائد، وينقادون لما يمليه عليهم ويأتمرون بما يصدر إليهم، ولو كان ضد أقرب الناس إليهم. فهؤلاء هم الذين يصنفون بالمخصيين، لأنهم فقدوا فحولتهم بحقنهم ب (مصل) من المال الحرام، وتم لجمهم بما يوضع في حلوقهم، وتم تدجينهم بوضعهم في مواقع لم يكونوا يحلمون بها، فلم يعودوا قادرين على إبداء المعارضة لما يقوم به السلطان من أعمال؛ مهما كانت مسيئة للوطن ومهينة للمواطن، لأنهم صاروا عبيداً مخصيين في بلاط السلاطين.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل