المحتوى الرئيسى

الكمين الفرنسي بقلم:معتصم حمادة

06/11 20:05

معتصم حمادة

الاقتراح الفرنسي بعقد مؤتمر دولي جديد، في باريس، نهاية الشهر الحالي، أو مطلع الشهر القادم، مثير للاهتمام. وقد حدد وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه أن مهمة هذا المؤتمر هي استئناف المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي.

جوبيه يقول إن الوضع في الشرق الأوسط، وتعطل المفاوضات، أصبح أمراً لا يطاق ولا بد من تحرك دولي لإحياء العملية التفاوضية. كما يضيف أن مشروع باريس يستند إلى خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما، في الخارجية الأميركية، والذي دعا فيه إلى استئناف المفاوضات على مراحل. الأولى لبحث قضايا الحدود والأمن؛ (بما في ذلك بالطبع مصير المستوطنات) وفي المراحل اللاحقة بحث قضيتي القدس واللاجئين، واعتماد خطوط 1967 نقطة انطلاق لرسم الحدود، مع تبادل متفق عليه للأراضي. ويؤكد جوبيه أن الاقتراح الفرنسي عرض على أعضاء اللجنة الرباعية، وأنه نال موافقتها، كما أنه ينال موافقة الاتحاد الأوروبي. ولا يخفي جوبيه تخوفه من الوصول إلى أيلول، حيث ينوي الفلسطينيون عرض قضيتهم على الأمم المتحدة، دون اتفاق دولي مسبق، بما يعقد الأمر أكثر فأكثر في المنطقة. وفي تفسيره للاقتراح الفرنسي، يدعو جوبيه إلى بحث قضيتي القدس واللاجئين، بعد عام على الوصول إلى اتفاق حول الحدود واللاجئين، في محاولة لطمأنة الجانب الفلسطيني، بأن هاتين القضيتين لن تؤجلا إلى زمن غير محدد، خاصة وأن نتنياهو يرفض بحث قضية القدس، ويعتبرها "العاصمة الأبدية لدولة إسرائيل" ويعتبر الانسحاب الإسرائيلي من الجزء المحتل منها، "تقسيماً" لهذه المدينة.

* * *

إنه لأمر جيد أن يتحرك الاتحاد الأوروبي ليأخذ مكانه في المشهد الشرق أوسطي، من خلال القضية الفلسطينية (بعد أن دخل المشهد من خلال الباب الليبي). وإنه لأمر جيد أن تحاول أوروبا، عبر الدور الفرنسي، أن لا تبقي القضية الفلسطينية، ورعايتها، حكراً على الجانب الأميركي. ومثل هذا الدور الأوروبي، كان، على الدوام مطلباً فلسطينياً، وكثيراُ ما نادت القوى الفلسطينية على اختلاف اتجاهاتها، على أوروبا لأخذ دورها السياسي في المنطقة، خاصة وأنها تلعب دور المساهم الأول في دعم السلطة الفلسطينية مالياً. وكثيراً ما طولبت أوروبا أن ترفع مستوى تدخلها الأوروبي، إلى مستوى تدخلها المالي.

وإذا كان المشروع الفرنسي، كما قال جوبيه، قد نال الموافقة الأوروبية، فإن عناصر المشروع، كما شرحها في جولته في مناطق "السلطة"، وفي إسرائيل، تحتاج إلى نقاش، وإلى توضيح.

جوبيه يدعو إلى مؤتمر دولي، ويعتبر، في الوقت نفسه، خطاب أوباما، مرجعاً لهذا المؤتمر، وأن ما جاء فيه من أفكار واقتراحات هي ما سوف يبحثه هذا المؤتمر. بينما كان من الأفضل لجوبيه، ولأوروبا، أن تكون الشرعية الدولية هي مرجعية المؤتمر، وقراراتها هي الأساس لانعقاده، ووضع آلية لتنفيذها، هي وظيفته. عندها يمكن القول إن أوروبا قدمت مشروعها الخاص بها، أما أن يتبنى مؤتمر باريس خطاب أوباما أساساً له، فإن ذلك يتيح لمن يريد أن يقول أن فرنسا تحاول أن تلعب دور الوكيل للراعي الأميركي يمهد له الطريق ويزيل الألغام من طريقه، بعد أن فشل في ذلك مبعوث واشنطن السيناتور جورج ميتشل.

جوبيه يدعو إلى بحث قضيتي الحدود والأمن، وبعد سنة تبحث قضيتا القدس واللاجئين. أي أن جوبيه يدعو إلى دولة ذات حدود "مؤقتة"، لأنه يسلخ القدس من ملف الحدود، علماً أنها جزء لا يتجزأ من الأرض الفلسطينية المحتلة، ولا يمكن بحث الحدود الفلسطينية وإبقاء قضية القدس معلقة. فضلاً عن ذلك فإن جوبيه لا يمكن أن يضمن للفلسطينيين أن تنصاع إسرائيل وترضى ببحث قضية القدس بعدما تكون (كافتراض) قد توصلت إلى اتفاق رسم حدود الدولة الفلسطينية، وبعد أن يكون لغم "البقاء" في الغور قد أزيل من الطريق. وهكذا يبدو اقتراح جوبيه (الذي يتبنى خطاب أوباما) خطوة كبيرة إلى الوراء.

في السياق نفسه، فإن تعليق قضية اللاجئين، وسلخها عن العملية التفاوضية، والوعد بإعادة بحثها بعد عام، أمر لن يثير قلق اللاجئين فقط، ولا يشكل خرقاً و تجاوزاً للبرنامج الوطني وللإجماع الفلسطيني فحسب، بل وكذلك تمهيداً للاستجابة لموقف نتنياهو القائل بأن حل قضية اللاجئين يكون خارج إسرائيل، وتمهيداً للقول إن "حل الدولتين" منح الفلسطينيين –كل الفلسطينيين- وطناً قومياً، كما منح اليهود، هم أيضاً وطناً قومياً، وبالتالي فإن عودة اللاجئين تكون إلى دولتهم.

فضلاً عن هذا كله، فإن جوبيه لم يرسم سقفاً زمنياً للعملية التفاوضية التي يدعو لاستئنافها، خاصة إذا ما تذكرنا أننا نعيش تداعيات عملية تفاوضية عمرها حوالي عشرين عاماً، وصلت بنا إلى الطريق المسدود، ولا نعتقد أن القضية الفلسطينية مدعوة لأن تنتظر على طاولة المفاوضات، وبناء للدعوة الفرنسية، عقداً جديداً من الزمن.

كما أن جوبيه لم يتطرق إلى اللغم الذي فجر المفاوضات في جولتها الأخيرة، أي قضية الاستيطان. ولنا أن نتخيل الوضع الذي سنكون عليه، حين تستأنف المفاوضات، وتندفع عجلة توسيع المستوطنات، في الوقت نفسه، بأقصى سرعة، في خطوات عملية لرسم "الحدود"، كأمر واقع، مما يفرغ العملية التفاوضية من مضمونها، ويلغي جدواها.

* * *

تلك هي ملاحظات أولية وأساسية حول الاقتراح الفرنسي.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل