المحتوى الرئيسى

الشريعة الإسلامية

06/11 18:47

بقلم: الشيخ أحمد أحمد جاد

 الصورة غير متاحة

 الشيخ أحمد جاد

الحمد لله، وبعد.. فإنه بعد الثورة الشعبية المباركة في 25 يناير كان الحديث بين أغلبية تتمنى وتتطلع إلى تطبيق شرع الله تعالى، وقلة تجعل من الإسلام فزاعة، زاعمة أنها تخشى من الإسلاميين والعودة إلى العصور الوسطى..! وتريد أن تنقض الاستفتاء وتزعم الديمقراطية..!! ومنهم من يرفض الدولة الدينية..! ومنهم من يرفض دولة الخلافة ومنهم من يطالب بعودة النظام العلماني المستبد الذي أفسد البلاد والعباد.. وهؤلاء لهم الصوت العالي في الإعلام، وهم وإن كانوا أهل فكر، لكن يعرف الرجال بالحق ولا يعرف الحق بالرجال.

 

لقد ظلت شريعة الله تحكم قرونًا، ثم غابت قرونًا.. وبعدت الشقة، وتغير الناس بسبب الاستعمار بأنواعه الذي ظل جاثمًا على هذه الأمة في صور مختلفة، وتأثرت النخبة بالثقافة الغربية، واحتلوا المراكز العالية وكان لهم التوجيه.. وجاءت النظم الفاسدة التي تتصارع على رضا وخدمة المستعمر، وفسد التعليم، وتأثر بالفلسفات المختلفة التي تشكك في الدين، حتى إن خريج الجامعة يتخرج مشوهًا، لا يعرف عن إسلامه شيئًا إلا من رحم.. وفي هذه الفترة المظلمة أخذت الدولة بالنظام الشرقي تارة وبالغربي تارة أخرى.. ونما الفساد وترعرع.. وحدث الركام الكبير من الفساد.. ولا أمل في الإصلاح إلا بالعودة إلى النظام الرباني الذي ارتضاه خالق البشر للبشر.. فلا صلاح لهذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

 

لكن متى تطبق الشريعة الإسلامية بعد هذه الركام؟ أقول: لا بدَّ من التخلي عن هذا الركام.. ثم التحلي بالأخلاق الفاضلة وشرع الله تعالى.

 

الشريعة الإسلامية لا تُفرض: لا يمكن إلزام الناس بشيء يجهلونه ولا يعلمونه، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون"، وحين علموا ما فيها من خير وقوة ومنعة أصبح الذين يحاربونه يحاربون معه.. فالشريعة لا تُفرض فرضًا، وإلا كان التحايل عليها وكان النفاق الذي يظهر الإسلام ويطعنه من الخلف.. فهذا نوح عليه السلام كان على بينة واضحة وحجة ظاهرة ونبوة ورحمة لم يفهمها قومه، فخفيت عليهم ولم يهتدوا إليها.. ولا يملك نوح أن يلزمهم بها أو يضطرهم إليها، أو يجبرهم عليها، فهو يقرر مبدأ الاختيار في العقيدة والاقتناع والتدبر، لا القهر والسلطان والاستعلاء والإلزام، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28)﴾ (هود).

 

فعميت عليكم: أي خفيت عليكم فلم تهتدوا إليها ولا عرفتم قدرها بل كذبتم بها وأعرضتم عنها..فكيف نلزمكم بها ونفرضها عليكم؟!.

 

لا بدَّ من التدرج والتمهيد وتهيئة النفوس مع وجود القدوة؛ حتى يدخل الإيمان القلب ويستجيبوا لله وللرسول إذا دعاهم لما يحييهم.. فيسألون كما سأل صحابة الرسول عليه الصلاة والسلام: ماذا يريد الله منا حتى نعمل ونتعلم ونرضيه؟ فقد سألوا عن خمس عشرة مسألة نزل بها القرآن.. ماذا أحل الله لهم؟ وماذا ينفقون؟ وعن الشهر الحرام قتال فيه؟.. وكانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فضائل الأعمال.. وعن كل ما يقربهم إلى الله.. وإذا ارتكب أحدهم خطيئة يذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذهب ماعز ليقول للرسول صلى الله عليه وسلم: "إني قد ظلمت نفسي وزنيت، وإني أريد أن تطهرني" وكما قالت الغامدية: "يا رسول الله  قد زنيت فطهرني" راجع الإمام مسلم: 1695 و"أبو داود": 4419 وكلاهما في الحدود.

 

سنة التدرج:

 لم يُفرض الإسلام دفعة واحدة، وإنما كان التدرج لتيسير الفهم والتربية والقبول والتسليم، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ﴾ (الفرقان: من الآية 32)، فقد نزل القرآن مفرقًَا منجمًا في 23 سنة حسب الوقائع والحوادث وما يُحتاج إليه من الأحكام لتقوي الأفئدة وليكون أقرب إلى الحفظ والفهم، وذلك من أعظم التثبيت: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ (الإسراء:من الآية 106).

 

وقد سلك النبي صلى الله عليه وسلم طريق التدرج بإعداد الرجال أولاً ثم الأسرة ثم المجتمع ثم الدولة والخلافة من بعده.. وكانت بيعة العقبة الأولى على العقيدة والوحدانية والأخلاق وترك المعاصي.. ثم كانت بيعة العقبة الثانية على حماية النبي عليه الصلاة والسلام وعلى حرب الأحمر والأسود من الناس في الدفاع عنه صلى الله عليه وسلم وعن دعوته.

 

التدرج في تحريم الخمر في القرآن:

 كانت الخمر عادة متغلغلة عند العرب، فأراد الشارع الحكيم أن يتخلص المسلمون منها ومن رواسب الجاهلية، ولكنه لم يحرمها دفعة واحدة وإنما خطوة خطوة فنزلت الآية 67 من سورة النحل تفرق بين الخمر والرزق الحسن ثم نزلت آية البقرة: 219 بأن الخمر فيها إثم كبير أكبر من نفعها، ثم نزلت آية النساء: 43 بعدم قربهم الصلاة وهم سكارى. ثم شرب بعضهم حتى ثمل وضرب بعضهم بعضًا، فنزل التحريم القاطع والبيان الشافي: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾ (المائدة: من الآية 91)؛ فقالوا انتهينا ربنا انتهينا، فمن كانت في فمه جرعة منها مجَّها، ومن كان في يده كأس حطمها، وكسرت دنان الخمر، حتى سالت في طرقات المدينة.. وتقول عائشة رضي الله عنها: "أول ما نزل من القرآن سور المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا.. الحديث رواه البخاري في فضائل القرآن: 4993.. والحديث أشار إلى الحكمة الإلهية في ترتيب التنزيل، وكان أول ما نزل من القرآن الدعوة إلى التوحيد والتبشير للمؤمن المطيع بالجنة، وللكافر العاصي بالنار، فلما اطمأنت النفوس نزلت الأحكام.. وقد كانوا يألفون الخمر والنفوس طبعت على النفرة من ترك المألوف. راجع شرح حديث البخاري آنفًا.

 

التدرج في عرض فرائض الإسلام: فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذًا إلى اليمن فقال: "ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم.." البخاري في الزكاة : 1395 ومسلم في الإيمان: 19.. وأما الصلاة فقد شرعت في أول الأمر صلاتين، صلاة في الغداة وصلاة في العشي فلما ألف الناس ذلك شرعها الله خمس صلوات في اليوم والليلة.

 

وفي الحديث الطويل، سأل هرقل أبا سفيان بن حرب أسئلة منها: من يتبع الرسول عليه الصلاة والسلام؟ فقال أبو سفيان: هم الضعفاء.. وإنهم يزيدون.. فقال هرقل: وكذلك أمر الإيمان حتى يتم.

 

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل