المحتوى الرئيسى

جمعة عشائر؟

06/11 11:04

حازم صاغية

دفعَتْنا الحداثةُ، التي مسَّتْنا مسّاً، إلى أن نستنكر «العشائرية»، فإذا قيل لواحدنا: «أنت عشائري»، ثم في طور لاحق: «أنت طائفي»، اعتبر السامع الموصوف أنه مذموم.

وكان الأشد إحساساً بالإهانة فينا أولئك الذين حافظوا على العشائري والطائفي فيهم، غير أنهم بالغوا في كبته «حداثياً». وهي عملية ذهبت فيها بعيداً الأحزاب «التقدمية»، لا سيما حزب البعث. فمنذ اندماج «حزب البعث العربي» و»الحزب العربي الاشتراكي» أوائل الخمسينات، وتحولهما «حزب البعث العربي الاشتراكي»، غادرَ صفوف الحزب أحد مؤسسيه، جلال السيد، ملاك الأراضي في دير الزور الذي اعتبر أن تلك «الاشتراكية» المستجدة والغربية إساءة إلى العشيرة العربية وروحها.

لكن سياسة البعث بعد وصوله إلى السلطتين في العراق وفي سورية، كانت انتقائية مع العشائر. فحيث كانت الأخيرة تنتصب عائقاً في وجه السلطة المركزية وامتدادها، كانت تُعامَل كراسب رجعي ومتخلف يقف في طريق التحديث والاشتراكية. إلا أنها حيث كانت تُذعن لتلك السلطة، فيكتفي شيوخها بفتات عوائدها، كانت تُقدم تعبيراً عن «الأصالة» العربية العابرة للتاريخ. والبعث، بتكوينه الإيديولوجي البالغ الانتقائية، يتسع للشيئين معاً.

ولم يُعدم الأمر بعض «المنطق»: فقد تلازم الشق «التقدمي» و»الحديث» مع فترات قوة السلطة وميلها إلى اختراق المجتمع عميقاً وإلى إعادة صنعه من الداخل، فيما تلازم استخدام «الأصالة»، وهي مفهوم بعثي راسخ على رغم خلفيته الدموية – العنصرية، مع فترات انكفاء السلطة تحت وطأة العقوبات والحصارات الخارجية. في هذه الحالة، كان إنعاش العشائر وتسليمها أقساطاً من القوة السياسية والاقتصادية يذهبان بعيداً.

قصارى القول إن عشرات السنين البعثية لم تُضعف البنية العشائرية فعلياً. وهذا ما تبدى في أوضح أشكاله في العراق كما خلفته السنوات المديدة لحكم صدام حسين. ذاك أنه مع سقوط الطاغية التكريتي، بدا كما لو أن البلد لا يملك إلا طوائفه وعشائره. فحين أريدَ الحد من جرائم الطائفية، ممثلةً أساساً بـ»القاعدة»، لم يكن هناك إلا العشائر، ممثلةً بـ»الصحوات»، تُستحضَر في مواجهتها. ولا بأس بالإشارة إلى خدمة أخرى أسداها التواصل الاجتماعي وأدواته للعشائر، تماماً كما أسدى عديد الخدمات للتقدم وتغيير الواقع. فتلك التي كانت قد تبعثرت في مناطق ومدن، وأحياناً في بلدان تفصل الحدود بينها، وجدت هي أيضاً في «الفايسبوك» وسواه ما يجمع بين أطراف كان يغريها التحول إلى العائلة النواة.

وإذ تسمي الانتفاضة السورية يوم جمعتها الأخير بـ»جمعة العشائر»، تكون تقدم تنازلاً كبيراً لذاك الحلف الذي جمع رواسب تاريخنا إلى أفعال السلطات «التقدمية» و»الحديثة» وإلى العوارض الجانبية للتطورات التقنية. يزيد في بشاعة تلك التسميات، ويظهر سوء دلالاتها، تعثر الإقلاع في المدينتين السوريتين الكبيرتين، العاصمة دمشق و»عاصمة الشمال» حلب، وكون مدن الشريط الغربي التي انتفضت ليست منبتة الصلة بـ»العشائر» المحيطة بها والمقيمة فيها.

وقد يقال، بتسليم كثيراً ما سمعناه في حقب سابقة وعلى أيدي حركات وأحزاب آفلة، إن هذا هو تاريخنا وواقعنا، وإننا نحن هكذا!. وربما بدا ذلك على قدر بعيد من الصحة. بيد أن صحته لا تحول دون ضرورة التنبه إلى خطره على الانتفاضة وإلى تحجيمه طموحات الطامحين في أن يكون هناك مستقبل آخر.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل