المحتوى الرئيسى

إعلام تعبوى بنكهة ثورية

06/11 08:13

فى الندوة التى عقدها المجلس الأعلى للقوات المسلحة، يوم الأربعاء الماضى بعنوان «الإعلام.. الريادة والتحدى»، قال اللواء «إسماعيل عتمان» إن المجلس قام بإجراء تحليل مضمون لما نشرته الصحف ووسائل الإعلام خلال شهر مايو الماضى، كشفت نتيجته عن أن 25٪ من مضمون الرسائل الإعلامية، خلال ذلك الشهر، كان يتعلق بالفساد، و8٪ منه كان يتعلق بالاعتصامات، و22٪ بأحداث الثورة و15٪ بالفتنة الطائفية و7٪ بالانفلات الأمنى و12٪ بالاقتصاد، بينما اقتصر الاهتمام بالرؤى المستقبلية على 11٪ فقط من مضمون مجمل هذه الرسائل الإعلامية.

ولا معنى لهذه الأرقام، إلا أن الإعلام المصرى لا يزال غارقاً لأذنيه فى وحل الماضى، لأسباب قد يكون من بينها أن الذين يخططون له ويديرونه لا يملكون أى رؤية للمستقبل، وفاقد الشىء لا يعطيه، وقد يكون من بينها أنه إعلام نشأ وتربى بين مدرستين: مدرسة التعبئة، التى تسعى لحشد الناس حول سياسة حكومة قائمة أو شخص رئيس جالس، ومدرسة الإثارة التى تتبع قانون: ليس خبراً أن تقول إن كلباً عض رجلاً.. الخبر أن تقول إن رجلاً عض كلباً. وهما مدرستان لا صلة لهما بأصول مهنة الإعلام أو تقاليده المهنية، أو مدونته الأخلاقية أو رسالته الاجتماعية.

وعلى الرغم من أن «تحرير الإعلام» كان أحد المطالب التى اشتد الإلحاح عليها خلال الأعوام العشرين الماضية، وتبناها شباب التحرير، إلا أن أحدا لم يتخذ حتى الآن خطوة جدية وثورية فى هذا السبيل، وتصور البعض أن تغيير رؤساء تحرير الصحف القومية، وبعض المسؤولين عن قطاعات التليفزيون، هو كل المراد من رب العباد، مع أن المشكلة لم تكن - بالدرجة الأولى - فى هؤلاء، ولكنها كانت - ولا تزال - تكمن فى القوانين والتنظيمات والرؤية التى تدار بها هذه المؤسسات جميعها، والتى لو ظلت على ما هى عليه فسوف تنتج بالقطع مستبدين جددا، وفاسدين جددا، وإعلام تعبئة وتسلية بنكهة ثورية، كما هو الحال الآن.

تحرير الإعلام يتطلب قبل كل شىء إرادة سياسية، لكى يكون لمصر إعلام حرّ، يقوم على أسس مهنية، ويديره مهنيون أكفاء، يسعون لتحقيق مصالح عامة للشعب والوطن، لا مصالح شخصية لأنفسهم أو لمن يعملون لحسابهم، يتعبون فى البحث عن الحقيقة، وينشرونها كاملة غير منقوصة، ويديرون الحوار بين كل التيارات والاتجاهات الفكرية والسياسية فى المجتمع بشكل محايد تماماً، لا ينحازون لرأى ولا يتحاملون على فكر، ويفصلون بين رؤاهم الفكرية الخاصة وبين عملهم المهنى، وبين ما هو سياسى وما هو إعلامى، لا يسعون إلى شعبوية زائفة للتقرب من العوام على حساب الحقيقة وأصول المهنة، بل يسعون لبناء رأى عام ناضج يعرف الحقائق ويختار موقفه بناء عليها.. مهنيون حقيقيون، ليسوا تعبويين ممن أدمنوا نفاق كل صاحب سلطة أو نفوذ أو مال، أو مهبجين جماهيريين ممن يخلطون بين ميدان التحرير واستديو التليفزيون.

ولابد أن تترجم هذه الإرادة السياسية فى خطوات عملية، تبدأ بإعادة النظر فى أوضاع الإمبراطورية الإعلامية التى تملكها الدولة، وهى تشمل عشرات القنوات الفضائية والأرضية التليفزيونية وشركات الإنتاج التليفزيونى والسينمائى فضلاً عن المحطات الإذاعية، وثمانى مؤسسات صحفية قومية تصدر عنها عشرات الصحف والمجلات.. انطلاقاً من رؤية واضحة، ولا لبس فيها هى أن البلاد الديمقراطية لا تعرف بدعة أجهزة الإعلام التى تملكها الحكومة إلاّ فى أضيق نطاق، وأن الأساس فى الإعلام أن يكون مستقلاً عن ضغوط الحكومات وعن ضغوط رأس المال فى الوقت نفسه، فضلاً عن أنها إمبراطورية مثقلة بالفوضى الإدارية والمالية والبطالة المقنعة والفساد.

وإعادة النظر فى هذه الإمبراطورية تتطلب خطة زمنية متدرجة تهدف إلى تصفيتها خلال فترة زمنية محددة، دون المساس بالحقوق المكتسبة للعاملين بها، وتتطلب تنظيمات إدارية واقتصادية وقانونية، تكفل لها - خلال فترة الانتقال - الفصل بين الملكية من جانب، وبين الإدارة والتوجيه من جانب آخر، وبما يضمن لها ممارسة عملها المهنى، وتتطلب تنظيماً اقتصادياً وقانونياً، يكفل - خلال فترة الانتقال - الفصل بين الملكية من جانب، وبين الإدارة والتوجيه من جانب آخر، بما يضمن لها ممارسة عملها المهنى باستقلال وحرية ومسؤولية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل