المحتوى الرئيسى

لا تكن أسير (اللحظة)

06/11 08:13

الصحافة لا تُغنى عن الأدب، كما أن الأدب لا يُغنى عن الصحافة. ذلك أن الصحافة تعتنى (باللحظة)، فيما الأدب يعتنى (بالحياة). ومن الطبيعى أن تستأثر (اللحظة) الراهنة بمعظم اهتمامك، خصوصا إذا صاحبها ألم جارح، أو شوق جامح، أو ترقّب شديد. لذلك يهتم الناس بقراءة الصحف فى أوقات الأزمات أكثر بكثير مما يفكرون فى قراءة الأدب. لكن حينما تنتهى ( اللحظة) يتراجع اهتمامك بها وتتجاوزها إلى (لحظة أخرى)، فيما يبقى الأدب عصيّا على التراجع والنسيان.

■ ■ ■

وفى مثل هذه الأيام الصعبة التى تمر بها مصر حاليا، تملؤنى قراءة الصحف بالقلق، فيما تفعمنى قراءة الأدب بالأمل والتفاؤل والفهم العميق للحياة. ذلك أننى أحاول أن أعلو فوق اللحظة. وأُذكّر نفسى باستمرار، كلما دهمتنى أخبار مزعجة كالفتنة الطائفية وتفاقم البلطجة، بأن مصر قبل الثورة كانت جسدا عجوزا مريضا متهالكا، حتى وإن كانت لا تعانى آلاما حادة. أما اليوم، بعد أن تخلصت من الحكم الديكتاتورى، فإنها وإن كانت تعانى الآن من آلام عديدة، فإن جسدها العفىّ الصحيح، الذى انتزع سرطانه، سوف يتغلب على المرض بعد فترة تطول أو تقصر! سيذهب الألم وتبقى المُعافاة.

■ ■ ■

وإذا سألتنى عن سر يقينى بأن مشاكل مصر ستنتهى، لقلت لك بلا تردد إن ذلك ما علمنيه الأدب. القانون الطبيعى للعالم يهدف إلى الوصول إلى نقطة التوازن. الزلزال يُدمّر ثم ينتهى، البركان يثور ثم يتوقف، الألم يفور ثم يسكن. بلد كبير كمصر لن يظل منفلتا إلى الأبد. البلطجية سيلزمون جحورهم غداً أو بعد غد. والنمو الاقتصادى المُتوقع ستصاحبه بإذن الله عدالة اجتماعية تُعيد الأمور إلى نصابها. فبلطجية اليوم هم أطفال شوارع الأمس، أرجوكم لا تنسوا ذلك.

وقس على هذا كل الأمور التى تزعجك الآن: تأخر محاكمة مبارك ورموز النظام! غموض استرداد النقود المنهوبة! رواتب المستشارين الفلكية! بقاء المحليات والقيادات فى أماكنها! قبل عام من الآن كل ذلك سينتهى، والعام لا قيمة له فى أعمار الشعوب. كلمة السر هنا أنه لن يوجد فى مصر ديكتاتور قادم لمدة ثلاثين عاما على الأقل. فالكل سيتذكر رأس الذئب الطائر.

■ ■ ■

تفاءل. فإن التفاؤل نضج وحكمة. ومهما تكدس المرور فإنك فى النهاية ستعود إلى بيتك. هل تذكر الآن ساعاتك السوداء التى قضيتها قبيل الامتحانات!. هل تذكر عذاب قلق ظهور نتيجة الثانوية العامة! ألم تشغلك يوما آلام إصبعك المتورمة حتى تخيلت أن الحياة دون أصبع متورمة جنّة!. آلام مصر الآن (لحظة) صعبة، سرعان ما ستنتهى.

اخرج من أسر اللحظة وتذكر مآل الأمور. لا تنغمس فى اللحظة. الحياة أرحب بكثير من أى لحظة عشتها. والسدود العالية التى تراها النملة فى سعيها، والتى ما هى إلا أرجل الصبية الصغار، يراها النسر فى عليائه مجرد نقاط صغيرة لا تكاد تُذكر. فأيهما تفضل يا صديقى: أن تكون نسراً أم نملة!؟

aymanguindy@yahoo.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل