المحتوى الرئيسى

الفاجومي

06/11 02:55

لعب رجاء النقاش دوراً‮ ‬مهماً‮ ‬في التعريف بظاهرة إمام ـ نجم،‮ ‬وفي انتشارها من العاصمة إلي الأقاليم،‮ ‬ومنها إلي خارج الحدود،‮ ‬حين اقتنع بفكرة أن النظام الوطني التقدمي الذي كان يقوده عبدالناصر،‮ ‬وليس من مصلحته أن يعادي ظاهرة فنية جديدة تحظي بقبول شعبي واسع لاسيما وسط النخبة المثقفة،‮ ‬وأن هذه الظاهرة بما تملكه من مواهب متميزة في الشعر والغناء والتلحين،‮ ‬ينبغي أن تأخذ ما تستحقه من اهتمام ووجود علي الساحة الفنية والإعلامية،‮ ‬فحصل رجاء النقاش علي موافقة وزير الإعلام‮ - ‬آنذاك السيد‮ »‬محمد فائق‮« ‬لإعداد برنامج إذاعي أسبوعي للثنائي إمام ونجم في محطة صوت العرب،‮ ‬كما تم استضافتهما في عدد من البرامج التليفزيونية،‮ ‬قدم إحداها رجاء النقاش بنفسه،‮ ‬وأفرد رجاء النقاش صفحتين لهما في مجلة‮ »‬الكواكب‮« ‬التي كان يرأس تحريرها،‮ ‬لنشر أخبارهما،‮ ‬وتقديم قصائد نجم الجديدة للساحتين الثقافية والفنية،‮ ‬التي سرعان ما انتشرت في المنتديات الثقافية وساحات الجامعات المصرية،‮ ‬حيث تشكلت بعد نكسة يونيو الأليمة لجان شعبية من المصريين لمساندة فصائل الثورة الفلسطينية،‮ ‬التي كانت تحتفظ بمكاتب رسمية تمثلها في القاهرة،‮ ‬وتم تشكيل لجان أنصار الثورة الفلسطينية من نشطاء من الطلبة المصريين كان من بين قيادتهم أحمد عبدالله رزة وأحمد بهاء شعبان وسهام صبري وحسام سعد الدين ومجدي أحمد حسين وماجد إدريس وغيرهم،‮ ‬وانتشرت تلك اللجان في معظم الجامعات المصرية بهدف أن تدعم مصر تلك المنظمات الفدائية،‮ ‬التي كانت تقوم بعمليات نضالية داخل الأراضي المحتلة،‮ ‬وكانت تلك واحدة من أهم الظواهر الإيجابية بعد هزيمة‮ ‬1967،‮ ‬كوسيلة لتشجيع الشعب الفلسطيني علي أن يتولي قضيته بنفسه،‮ ‬بما يثير حماس الشعوب العربية،‮ ‬للضغط علي الأنظمة الحاكمة،‮ ‬كي تساند هذا النضال،‮ ‬وفي أنشطة اللجان الطلابية لمناصرة الثورة الفلسطينية،‮ ‬كان حضور نجم وإمام هو العامل المشترك بينها‮.‬

كان منزل رجاء النقاش محطة لعشرات من الشعراء والأدباء والفنانين العرب،‮ ‬وكلما زار أحد منهم القاهرة دعا رجاء نجم وإمام،‮ ‬وكانت تلك واحدة من المصادر المهمة لتعريف العالم العربي بتلك الظاهرة الفنية الفريدة،‮ ‬في وقت كان الإرسال التليفزيوني محصوراً‮ ‬في المحطات الأرضية،‮ ‬ولم تكن ثورة الاتصالات قد بدأت بعد،‮ ‬ويحمل فيلم‮ »‬الفاجومي‮« ‬لمؤلفه ومخرجه عصام الشماع بعضاً‮ ‬من هذا التاريخ،‮ ‬والفاجومي هي كلمة عربية فصيحة،‮ ‬تعني‮ »‬الأفجم‮« ‬وهو الشخص الذي يتدافع الكلام من فمه مختلطاً‮ ‬بالرذاذ،‮ ‬وهي تستخدم في العامية المصرية اصطلاحاً‮ ‬بمعني الشخص الذي يعبر عن نفسه من دون أن يعطي بالا لأي توازنات أو مواءمات أو مجاملات،‮ ‬ودون حسابات للربح والخسارة،‮ ‬أو خشية من صاحب مقام أو مصانعة لصاحب قوة أو خوف من صاحب سلطة،‮ ‬وهو اسم أطلقه أحمد فؤاد نجم علي النماذج البشرية التي كان يعيش معها أو يلقاها من أبناء الشعب البسطاء فأطلقوه هم عليه‮.‬

حرص عصام الشماع علي أن يبدأ الفيلم بتنبيه أن أحداثه تدور عن‮ »‬مذكرات أحمد فؤاد نجم‮«‬،‮ ‬بما يعني أنها ليست هي المذكرات بتفاصيلها التي صدرت في ثلاثة أجزاء تحمل العنوان نفسه‮ »‬الفاجومي‮«‬،‮ ‬بل بها مزج من خيال،‮ ‬وهو ما يبرر لعبة تبديل الأسماء للشخصيات الرئيسية في الفيلم،‮ ‬حيث أصبح أحمد فؤاد نجم هو أدهم فؤاد،‮ ‬وصار الشيخ إمام عيسي هو همام موسي،‮ ‬فيما بقيت أسماء قادة حركة الطلبة في سبعينيات القرن الماضي،‮ ‬كما هي دون تغيير ليجنب المشاهد الاستغراق في عقد مقارنة بين أحداث الفيلم وبين الأشخاص الحقيقيين،‮ ‬للاهتمام بما ينطوي عليه من محاولة للربط بين رحلة العيش المشترك بين إمام ونجم وبين رحلة مصر الوطن وما عاشه من هزائم وانتصارات علي امتداد نحو نصف قرن،‮ ‬بالجمع بين فنون السينما التسجيلية والدرامية،‮ ‬يحسب للفيلم جسارته في الإقدام علي مثل هذه التجربة التي تؤرخ لواحد من أهم شعراء العامية وهو لايزال علي قيد الحياة،‮ ‬أمد الله في عمره،‮ ‬ولمصادمتها للشائع من السينما السائدة الخالية من أي مضمون أو فن،‮ ‬والتي اعتادت الذيوع رغم خوائها‮.‬

قدم المخرج والمؤلف عصام الشماع في الفيلم نخبة من الممثلين المتميزين،‮ ‬كان من بينهم بطل الفيلم خالد الصاوي الذي سيطر تماماً‮ ‬علي معالم الروح العامة لشخصية أحمد فؤاد نجم،‮ ‬لولا بعد المبالغات التي طبع عليها خالد أداءه المسرحي،‮ ‬وقدم الفنان الموهوب والحساس صلاح عبدالله،‮ ‬دور الشيخ إمام بحرفية بالغة الثراء والتنوع،‮ ‬وبراعة في الانتقال الناعم من التوتر والقلق والهواجس التي تنتاب الفنان الكفيف،‮ ‬إلي لحظات الأنس والفرح الخاطف والفرفشة،‮ ‬ساعده علي ذلك صوته الشجي الذي أضفي عليه أغنيات الشيخ إمام جمالا وعذوبة،‮ ‬تماثلت مع الصوت الجميل للمطرب أحمد سعد الذي‮ ‬غني بصدق أغنيات نجم ـ إمام وبصوت شجي ينتقل بمهارة وخفة من لحظات الفرح إلي لحظات الحزن بحميمية ونعومة تخطف الأسماع‮.‬

وكانت الفنانة جيهان فاضل هي المفاجأة الحقيقية في هذا الفيلم التي قدمت فيه شخصية أم آمال جارة المغني والشاعر في حارة خوش قدم بحي الحسين،‮ ‬حيث تذهلك صاحبة الوجه الملائكي وهي تجسد ببراعة شخصية المرأة الشعبية اللعوب،‮ ‬التي تتحرك بتألق في مساحات شعورية متعددة من النهم الجنسي،‮ ‬إلي الشره الاستهلاكي وصولاً‮ ‬إلي جدعنة أولاد البلد،‮ ‬حين تضلل الشرطة عن مكان الشاعر والمغني لكي لا يقبض عليهما‮.‬

قدم الفيلم رؤية واقعية للدور الذي لعبه اليساريون داخل السجون وخارجها في احتضان تجربة نجم ـ إمام،‮ ‬وترويجها والدفاع عنها،‮ ‬والكشف عن بواطن جمالها وتفردها،‮ ‬لكن فضيلته الأولي تبقي أنه يعرف الأجيال الجديدة بجزء من ذاكرة هذا الوطن،‮ ‬ويلقي الضوء علي فصل من ماضيه المبهر الناصع،‮ ‬لعلها لو قرأته قراءة صائبة،‮ ‬لازدادت قناعة أن تجارب الماضي تنطوي علي ثراء وتنوع،‮ ‬بعد الكشف عنها والتعرف عليها إثراء للحاضر والمستقبل‮.‬

 

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل