المحتوى الرئيسى

الشرطة من الشعب (1)

06/11 08:13

عم محمد وعم عبده اثنان من الشاويشية كنا نعرف ميعادهما كل ليلة ونحن صغار ساهرون للمذاكرة فى الشتاء وللونس فى البلكونات فى الصيف وقزقزة لب البطيخ المحمص.. كل ليلة فى الواحدة والنصف صباحاً كنا نسمع رنين أجراس البسكليتة من بعيد.. ثم يقترب الصوت حتى يمرا أسفل منزلنا فى شبرا.. وكان نداؤهما التقليدى (مين هناك؟!!) يشعرنا بالأمان والسكينة..

وكانا يسيران سوياً يراقبان أبواب المنازل ويهزان أقفال الدكاكين وينظران لأعلى يراقبان المواسير التى ربما يتسلقها حرامى غلبان من بتوع زمان، الذى كان يركب الخطر من أجل سرقة الغسيل أو الفراخ، فقد كانت تلك السنون هادئة وديعة والجريمة كانت متواضعة.. ومع انتظام «شاويشية نصف الليل» كنا نعرف من يمرون فى شوارعنا بالاسم ونلقى عليهم التحية من النوافذ والبلكونات، ومع اشتداد القمع السياسى فى الستينيات بدأت كراهية الشعب للشرطة وملحقاتها بشكل عام..

وحدث الجفاء الشديد، وبعد هدوء القمع فى عهد السادات تراوحت العلاقة بين الرضا أحياناً والجفاء أحياناً، وحتى منتصف عهد مبارك تقريباً ومع تجاوزات الشرطة منذ استعمال قانون الطوارئ استعمالاً شخصياً وعلى المزاج أحياناً وللمجاملة والانتقام والمصالح الشخصية أحياناً أخرى، بدأت الهوة تتسع، وكان لغرور وغطرسة بعض الضباط فى التعامل فى الشارع مع الجمهور حتى فى مشاكل المرور الأثر الأعظم فى الكراهية،

وقد رأيت بنفسى ضابطاً يضع بواب العمارة فى البوكس ويربطه بالكلابشات ويسبه بأفظع الألفاظ أمام زوجته وأطفاله لأنه لم يسرع بإحضار الأسانسير للباشا الذى كان يركب عربة دون لوحة أرقام، وتعجبت أيامها وكتبت عن هذا الخبل وكيف يمكن أن يستغل أى إرهابى هذه الميزة المغتصبة من القانون ويضرب الزجاج «فيمييه» أى «لون أسود» ويسير بلا «نمر» ويحمل سلاحاً وقنابل و«قشطة» على رجال تنفيذ القانون..

 وأيضاً تجاوزات أخرى كانت تجرى فى الأقسام من ضرب وتعليق وإهانات.. كل هذا حدث بالفعل، ولكن إذا كان رجال الشرطة فى مصر بلغ عددهم المليون فلن يكون المليون متجاوزين وأشراراً ومتغطرسين ومرتشين بالتأكيد.. وأنا أزعم أن الإدارة دائماً هى الأصل، وهى القادرة على صنع ملامح وجه رجالها ونظافة أيديهم واتساع إبتساماتهم وأدب كلماتهم كما هى قادرة على العكس تماماً.

ومن وزراء الداخلية السابقين من كان نموذجاً مشرفاً مثل اللواء «أحمد رشدى» مثلاً، وربما غيره كان لهم وعليهم، ومن العقل والمنطق والمصلحة أن نتصالح مع الشرطة لا أن نشق جسد الشعب المصرى بسكين جاهلة وغبية ونضع الأهالى فى ناحية والحكومة فى ناحية والجيش فى ناحية والشرطة فى ناحية، هذا غير باقى الشقوق والطعنات التى استفحل حالها فى الشهور الأخيرة وتفرقنا على رأى الفنان «محمد صبحى» الذى رأيته يتحدث، وهو حزين ومصدوم، عما يسمى الائتلاف والوفاق القومى ويتساءل: متى احتاج الشعب المصرى لمؤتمرات ليتوافق ويأتلف؟

 الجيش هم رجال وشباب مصريون والشرطة رجال وشباب مصريون وفى كل عائلة فرد أو أكثر.. ابن أو أخ أو خال أو عم أو حتى جار وصديق وزميل طفولة.. وتاريخ الشرطة فى الوطنية والتضحية والثورة ليس بقليل لكنه منسى مثل أى تاريخ مشرف للمصريين فى ثورة 1919 كان بعض من رجال الشرطة يشاركون رجال الشرطة الإنجليز قمع الثوار والقبض عليهم وكان القليل جداً منهم من يطلق النار على شباب المتظاهرين وكان أيضاً منهم شهداء وأبطال لا يقلون عن أبطال الثورة..

فى قضية «دير مواس» عندما هاجم الصعايدة القطار الذى كان يقل ضباطاً وجنوداً إنجليزاً، وكان من بينهم مفتش مصلحة سجون ورتب كبيرة، قتل فى هذه الحادثة ثمانية، وتم إعدام عدد من المتهمين وسجن مأمور مركز دير مواس وملاحظ البوليس وجلد عدد منهم بتهمة تسهيل ومساعدة المتظاهرين فى قتل الجنود الإنجليز.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل