المحتوى الرئيسى

مسلسل التنازلات عن "الثوابت" من البحر إلى النهر مثالا بقلم:بقلم: منير عدوان

06/10 19:29

بقلم: منير عدوان

منذ أن ابتليت الأمة قبل نحو تسعة عقود والنكبات تتنزل على رأسها تترى، فكان أولها قاصمة الظهر عام أربعة وعشرين وتسعمائة وألف بإلغاء الخلافة وزوال سلطان الإسلام من ديار المسلمين، وما تبعه من استيلاء الغرب على ما تبقى من دار الإسلام، ثم ما لحقه بعدها من وقوع فلسطين في قبضة يهود بتمكين من الغرب ودعم، فكانت تلك قاصمة أخرى تعرضت لها الأمة ولما تفق منها بعد.

وتحت وطأة هذه الظروف انبرى بعض أبناء هذه الأمة يؤسسون أحزابا ويؤطرون أطرا وينظمون منظمات ويضعون المواثيق على غير أساس من الإسلام متين، فجمعت هذه المنظمات والحركات والأحزاب شتيتا من أفكار وفدت إلينا من ثقافات مغايرة بعضها نهل من الاشتراكية، وأخرى استقت من الرأسمالية فنتج من ذلك نواتج تجسدت في حركات رفعت شعار العلمانية، وتنظيمات تبنت الماركسية، وأطر دعت إلى القومية وغيرها ممن اكتفى بالوطنية الضيقة إطارا جامعا، ومنها ما كان مزيجا من ذلك كله، فكان مثلها في ذلك كقول الشاعر:

كالعيس في البيداء يقتلها الظما والماء فوق ظهورها محمول

وفي ظلمة من الليل حالكة من دياجير ذلك الزمان الكئيب تنادت تلك الحركات والتنظيمات والأطر -تتقدمها وتدعمها أنظمة حكم مهترئة أفرزها الاستعمار البغيض- إلى تحرير فلسطين من البحر إلى النهر، وهل من المسلمين من لا يريد ذلك أو يسعى إليه؟ فكان أن تم استغلال عواطف الناس لحشدهم وتأطيرهم وتوجيههم بشكل مبرمج ومدروس استعدادا لتدجينهم عبر مسلسل من الإحباطات التي سوف يجرعونها للأمة شيئا فشيئا حتى يتم لهم ما يريدون من انتزاع التنازلات المبدئية وصولا إلى الاعتراف بالكيان الغاصب وتطبيع العلاقات معه.

مرت السنون وتوالت الأيام وفي غضون ذلك قامت إسرائيل عام 1948م ثم احتلت الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967م، فكانت النكسة بعد النكبة، وكان الإحباط الكبير لجماهير هذه الأمة التي كانت تنتظر ساعة إلقاء اليهود في البحر، ومع ذلك بقيت هنالك أصوات تنادي باسترجاع كامل التراب الفلسطيني كما صرحوا أيامها أو من البحر إلى النهر كما قال آخرون، وكانت الأمة حينها كلما تجرعت من قدح الإحباطات كأسا أمعن القائمون على القضية في التنازلات، وما انفك هذا المسلسل التنازلي قائما حتى كف المقاومون عن المطالبة بما بين البحر والنهر، واكتفوا من ذلك باسترجاع الضفة وغزة، وحسبهم في هذا ما يبررونه من المناخ الدولي الذي لا يتلاءم وطبيعة المرحلة وبرنامج التحرير المرحلي، وما إلى ذلك من كلام لا يسمن ولا يغني من جوع.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل استمر مسلسل التنازلات وتواصل التفريط بالتخلي عن شعار طرد اليهود أو إزالة كيانهم السياسي، ووصل الأمر إلى حد تغيير المواثيق التي سطروها بدماء آلاف من الشهداء، ثم انتهى الأمر أو كاد بتوقيع اتفاقية أوسلو حيث الاعتراف بالغاصب تم، وكذا العيش معه جنبا إلى جنب.

وقد انتقلت عدوى التنازلات إلى الفصائل الفلسطينية، فلم يعد أحد يسمع بإزالة هذا الكيان من جذوره حتى عند بعض الجهات الإسلامية، ولا سيما حماس التي مورس عليها ضغط عالمي ورسمي عربي وإسلامي من أجل إخضاعها وتدجينها كما فعل بمن سبقها، وقد استغلت تلك الدول الماكرة حصار غزة والتضييق على أهل فلسطين طوال السنوات الخمس الماضية، ويبدو أن نتائج الضغط والعصر قد آتت أكلها عبر تصريحات وتلميحات وتسريبات أخذت تتكشف شيئا فشيئا عن الموقف الحقيقي لقيادتهم السياسية المطالبة بدويلة فلسطينية بحدود عام 1967م ضاربة بعرض الحائط ما كانت تسطره في ميثاقها من مقولة "من البحر إلى النهر".

وتأتي المصالحة أو ما يسمونه كذلك، لتكشف المزيد عن اتجاه الحركة السياسي من خلال تأكيد المكتب السياسي على تصريح رئيسه بإمهال السلطة سنة إضافية في موضوع المفاوضات، وهو ما يحمل في طياته نذور خلافات أخذت تطفو على السطح مؤخرا بشكل جلي قد تعصف بالحركة إلى ما لا تحمد عقباه.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل