المحتوى الرئيسى

رضا حماد يكتب: سطوة رأس المال

06/10 15:11

رسبت الحكومة أمام أول اختبار حقيقي لتحقيق العدالة الاجتماعية، وركعت أمام سطوة رأس المال وضغوط رجال الأعمال وفئات المستثمرين دون أدنى مقاومة.

الاختبار الذي أتحدث عنه هو التراجع عن قرار فرض ضريبة نسبتها 10% ضمن ما يسمى بالضرائب على الأرباح الرأسمالية، التقهقر السريع أمام هجمات المستثمرين ومدفعية رأس المال المتكبر، للوهلة الأولى، بدا إقرار هذه الضريبة المنقوصة شيئاً مضحكاً، إذ أنها لا تعدو أن تكون نصف أو ربع ضريبة الأرباح الرأسمالية المتعارف عليها في كل دول العالم، لكنني مع قليل من التأمل وجدت أنها خطوة على الطريق، وأن دلالتها أهم من قيمة ما ستجنيه من أموال، أن مصر الثورة تسير بحق نحو دولة العدالة الاجتماعية وتفكيك المنظومة الفاسدة التي سيرت الحياة لصالح طبقة رجال الأعمال والفاسدين.

القصة ببساطة حتى لا نقع في تعقيدات الاقتصاديين، تقول أن مصر كانت واحدة من عدد قليل جداً من الدول لا تفرض أية ضرائب على الأرباح الرأسمالية بمعني أن السادة أصحاب رؤوس الأموال يتداولون في البورصة بالبيع والشراء على الأسهم والسندات ويحصلون على أرباح توزعها الشركات دون أن يدفعوا للدولة مليماً واحداً عن أرباح هذه التعاملات حتى لو كانت بالملايين، والمدهش في ذلك أن دولة النظام الساقط التي تفرض الضرائب على البائع السريح في الشارع والبقال والترزي والموظفين الغلابة كانت تدافع بشراسة عن إعفاء الأرباح الناتجة من التعامل في البورصة بحجة جذب الاستثمار وتحفيز المستثمرين على الاستثمار في البورصة وهي حجج نعلم جميعاً من كان يروجها، ونعلم أيضاً كم الثروات التي راكمها أبناء "الطبقة الممتازة" من المقامرة في البورصة وهم بالمناسبة ليسوا مصريين وحسب بل هناك عرب وأجانب من كل الجنسيات يستفيدون من هذه الإعفاءات.

جاءت الثورة وتفاءل الناس بإمكانية التخلص من مخلفات النظام الفاسد وآلياته قبل رجاله وترددت أنباء عن فرض هذه الضريبة تحمس لها وزراء في الحكومة على رأسهم الدكتور جودة عبد الخالق لكن جاء الإعلان عن الموازنة الأسبوع الماضي متضمناً تطبيق جزء بسيط من هذه الضريبة، فقد أبقى على الإعفاء من الأرباح الناتجة عن التداولات اليومية في البورصة، وفرض 10% فقط كضريبة على توزيعات الشركات وإعادة تقييم الأصول، أي أن السادة الكبار لن يدفعوا ضرائب إلا على ما يحصلون عليه من أرباح توزعها الشركات غالياً نهاية السنة المالية.

ورغم أن السادة المستثمرين لن يدفعوا هذه الضرائب الآن وأن قيمتها تبدو نقطة في بحر الأرباح وأن الدولة نفسها لن تجني الكثير من هذه الضريبة نتيجة ضآلة الأرباح التي توزعها الشركات على مساهميها، حيث أن مؤشرات التوزيعات على مدى السنوات الثلاث الماضية تقول بأن هذه الضريبة لن توفر أكثر من  1,5 إلى 2 مليار جنية للموازنة العامة، إلا أن مدفعية رأس المال وأصحاب الثروة بدأت تدك حصون الحكومة المتصدعة أساساً، وبدأت تنذر بانهيار البورصة ومن ورائه الاقتصاد حتى قبل أن تفتح البورصة للتداول وعزفت فضائيات وصحف رجال الأعمال سيمفونيات جنائزية على روح الاستثمار والمستثمرين.

والمدهش هو أن الهجوم على قرار بدا دون طموحات كل الباحثين على العدالة الاجتماعية، تبناه رئيس البورصة قبل جمعيات المستثمرين ورجال الأعمال، فقد انبري محمد عبد السلام رئيس البورصة للهجوم متنقلاً من فضائية لأخرى، ومشهراً فزاعة الاستثمار والمستثمرين وكأنه لا يعلم أن هذه الضريبة مطبقة في أغلب بورصات العالم، وأنها جزء ضئيل من ضريبة الأرباح الرأسمالية التي تشمل الأرباح الناتجة عن التداولات اليومية على الأسهم، والأهم أنها تصلح ما أفسده نظام مبارك وأبنائه ورجاله الفاسدين. 

وفات رئيس البورصة أن يقول أن الدول التي لا تطبق هذه الضريبة تحصيها أصابع اليد ومعظمها جزر مجهولة مثل "الكايمان" و"فيرجن" والبحر الكاريبي ،أن البرازيل تفرض 15% على الأرباح الرأسمالية، وبينما ترتفع هذه النسبة في فرنسا إلى 32.3% على المقيمين بينها 12.3 % تسمى ضريبة الضمان الاجتماعي، أما الهند فقد قررت اعتباراً من بداية عام 2008 فرض هذه الضريبة بنسبة 15% على الأرباح الرأسمالية للاستثمار قصير الأجل لأقل من سنة وإعفاء أسهم الاستثمار طويل المدى لضمان استقرار وإغلاق الباب أمام المضاربين والمقامرين.

باختصار لم تأخذ "غلوة" في أيدي جمعيات المستثمرين ورجال الأعمال فألغت الضريبة، وركعت دون أن تنل شرف الدفاع عن قرار اتخذته هي مترددة خائفة، ودون أن يجيب وزير المالية على سؤال بسيط جداً، هو كيف سيعوض إيرادات هذه الضريبة في الموازنة، هل سيقترض مجدداً أم سيقلص الإنفاق على احتياجات الغلابة من الصحة أو التعليم أو الدعم الاجتماعي؟!

لست ممن يعتقدون في نظرية المؤامرة ولا أفضل اعتمادها أسلوباً لتفسير الأحداث والأفعال، لكنني أعتقد بأن لعبة البورصة، غالباً ما تحركها قوى غامضة يمكنها أن تؤثر في مسار المؤشرات، وليس خافياً على أحد أن محفظة كبيرة يمكنها أن تتلاعب بالأسواق وتقود القطيع ليأخذوا مؤشرات الأسهم للهاوية دون أن يكون لذلك ارتباط حقيقي بأداء الشركات أو الحالة الاقتصادية الكلية لذلك ليس من الحكمة أن نجزع ونرتعش عندما تنخفض مؤشرات البورصة ونقيم الجنائز لان القيمة السوقية للأسهم فقدت كام مليار.

اعقد أن اندفاع المستثمرين إلى الهجوم على الضريبة والتلاعب في مؤشرات البورصة مصدره القلق من قرارات لاحقة، فالطبقة الممتازة أرادت أن تختبر صلابة الحكومة وقدرتها على تغيير معادلة اللعبة القديمة منذ أيام النظام الساقط، فهؤلاء المستثمرون يعلمون جيداً أن القرار محدود التأثير على أرباحهم بل إن الفترة الحالية ليست فترة توزيعات بالأساس، إلا حرب عض الأصابع وفرض النفوذ واجبة الآن، وقد نجحوا فيها بالضربة القاضية ودون خسائر تذكر.

كنت أتمنى ألا تعلن الحكومة عن هذه الضريبة من الأساس حتى لا تلغيها فتسقط في أول اختبار نحو تعديل ميزان العدل في المجتمع، لتأخذ الضرائب من حيتان البورصة كما تأخذها من الباعة والحرفيين الذين يكابدون شظف العيش ويقتطعون هذه الضرائب من قوت يومهم.

قبل الثورة فرض رأس المال نفوذه عن طريق الرشوة والشراكة مع الفاسدين من أهل الحكم، أما اليوم فلازالت سطوة رأس المال على حالها لكن وسائلها تبدلت فباتت تنشر الخوف والذعر وترهب الحكومة من كوارث قد تحل بالاقتصاد دفاعاً عن مصالحها باسم حماية الاستثمار ومواجهة الأزمة الاقتصادية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل