المحتوى الرئيسى

"الحرب الكبرى" بين أردوغان وأوجلان؟

06/10 05:43

رغيد الصلح

بعد أسبوع تقريباً تنتهي المهلة التي أعطاها، عبدالله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني في تركيا، إلى حكومة أنقرة للرد على مقترحاته . وتتلخص هذه المقترحات بالبدء بمفاوضات بين الحزب الكردستاني وحكومة أردوغان تتمحور حول أوضاع الأكراد في تركيا وحول إعطائهم الحقوق الثقافية والسياسية التي يطالبون بها . وخلافاً للبيانات السابقة التي كانت تصدر عن الزعيم الكردي المعتقل في تركيا، فإن البيان الأخير اتسم بنبرة قوية وجازمة إذ هدد الحكومة التركية بأن القوات التابعة له سوف تشن “حرباً كبيرة” ضد القوات التركية إذا لم يأته جواب إيجابي على عرضه . إذ يتخذ موقف الحزب الكردستاني هذا الطابع التصعيدي، فإنه يفسح المجال أمام ربطه بعدد من المتغيرات والتطورات الإقليمية حيث تنتشر الأقليات الكردية وتمارس بعض التأثير .

وأبرز هذه التغييرات هي في تركيا نفسها . فالإنذار الذي وجهه أوجلان قبل الانتخابات التركية العامة التي تبدأ الأحد المقبل . ورافق الحملات الانتخابية التي قام بها حزب العدالة والتنمية الحاكم وأحزاب المعارضة، وفي مقدمتها حزب الشعب الجمهوري وحزب الوطن الأم محاولات لكسب أصوات الأكراد خاصة بعد أن سمح للمرشحين بمخاطبة الناخبين باللغة التي يشاؤون أي باستخدام اللغة الكردية، لأول مرة في تاريخ الانتخابات، للقيام بالدعاية الانتخابية . ولكن على أهميتها، فإن الانتخابات تمثل محطة محدودة الأهمية، في الحراك الذي يقوم به حزب العمال الكردستاني الذي اعتمد على العمل العسكري لتحقيق أهدافه العامة .

العامل الأهم في تركيا والذي يقدر له أن يؤثر في أوضاع الأكراد فيها هو التوتر الذي شاب علاقات تركيا مع بعض دول الغرب بسبب سياستها الشرق أوسطية . أن أنقرة تحرص، بكل تأكيد، على حسن علاقاتها مع هذه الدول . ويضع أحمد داود أوغلو، وزير خارجية تركيا، هذا الحرص في إطار تاريخي وحضاري، إذ يقول في كتابه “العمق الاستراتيجي” إن تركيا تقف على مشارف خيار عظيم الأهمية، وإنها ستحظى بشرف عالمي رفيع إذا اختارت طريق التفاعل مع الحضارات الأخرى خاصة الأوروبية، أما إذا سلكت طريقاً سلبياً حيال هذه الحضارات، فإنها لن تتمكن من الاضطلاع بدور المرجعية السياسية والحضارية المرتجاة إلا أن الزعماء الأتراك يؤكدون، من ناحية أخرى، أن تأهيل بلادهم لهذا الدور يقتضي أن تعزز مكانتها بين دول الجوار خاصة العربي .

هذا الشق الأخير من سياسة أنقرة الذي يسبب إحراجات كبيرة ل”الإسرائيليين” يثير ردود فعل غير ودية في دول الأطلسي الرئيسية خاصة واشنطن وبرلين وباريس، ومن ثم فإنه يفضي إلى توترات، ولو مضبوطة، بين أنقرة من جهة وهذه العواصم من جهة أخرى . في إطار هذه التوترات أخذت تلمح مصادر إعلامية قريبة إلى الأوساط الحاكمة في هذه الدول مثل صحيفة ال”إيكونوميست” إلى “نزعة أردوغان الأوتوقراطية”، و”الفساد المتفاقم” في حكومته، والقمع غير الشديد الذي تمارسه هذه الحكومة ضد الإعلام (4/6/2011) .

هذه التوترات لا تكفي لتبديل موقف الحكومات الأطلسية تبديلاً كلياً تجاه الصراع الدائر بين حزبي أردوغان وأوجلان . فهذه الحكومات مشغولة اليوم بالمسألة الأهم ألا وهي هندسة الأوضاع العربية، وتحويل الربيع العربي إلى ربيع غربي . إلا أن هذه التوترات تفتح الباب أمام حزب العمال الكردستاني التركي لتطبيع العلاقات مع الدول الأطلسية، ولمطالبتها بإسقاط تهمة الإرهاب التي وجهت إليه إبان إقامة أوجلان في منطقة البقاع في لبنان، وتعاونه مع السلطات السورية . ما يعزز هذا الاحتمال وجود علاقات تنسيق وتعاون بين الدوائر المعنية في واشنطن وبين الفرع الإيراني لحزب العمال الكردستاني . ولقد تردد أن هذه العلاقة كانت أحد الأسباب المهمة التي أدت إلى تخفيف الضغط على حزب العمال الكردستاني التركي في شمال العراق والسماح له بالحفاظ على قواعده العسكرية التي أقامها هناك .

العامل الثاني الذي يتوقع أن يؤثر في أوضاع الأكراد في المنطقة هو الأوضاع في سوريا . فمنذ بدء حركات الاحتجاج الشعبية فيها، برز دور الأكراد السوريين في تحريك هذه الحركات وقيادتها بصورة ملموسة . وفي الوقت الذي سعى فيه قادة هذه التحركات إلى تأكيد طابعها “الوطني” و”السوري” غير الفئوي، فإنهم ركزوا بصورة ملحوظة على إبراز المساهمة الكردية في هذه التحركات . وقد أحسن الزعماء الأكراد السوريون الإفادة، بصورة ملحوظة، في تحويل الحركات الشعبية إلى فرصة لطرح المسألة الكردية ولتقديم مطالب الأكراد السوريين على مطالب فئوية أخرى .

هذا النجاح تُرجم مؤخراً في مبادرتين رسمية وغير رسمية . النجاح الأول تجسد في دعوة الرئيس السوري بشار الأسد الاحزاب الكردية إلى مائدة حوار وطني . أما النجاح على الصعيد الثاني غير الرسمي فقد ظهرت معالمه في مقررات مؤتمر المعارضين السوريين في أنطاليا الذي جاء في بيانه الختامي أن “الشعب السوري يتكون من قوميات عدة عربية وكردية وكلدو أشورية وشركس وأرمن” . وبالنظر إلى عدد من الاعتبارات الديمغرافية والتاريخية، فإنه يمكن اعتبار هذا النص نجاحاً للأكراد في سوريا بصورة خاصة .

بصرف النظر عن تطور الأوضاع في تركيا وعن النتائج المتوقعة للصراع الدائر في سوريا، فإنه من المرجح أن يخرج الأكراد من هذه التطورات بمكاسب مهمة، يمكن توظيفها في خدمة “المسألة الكردية” في سوريا وخارجها . فكيف يكون هذا الاستثمار؟ هل يوظف الأكراد في المجتمعات التي ينتمون إليها في تعزيز مبادئ الحرية الفردية والحقوق الثقافية للجماعات الإثنية والدينية؟ أم يوظفونه في سياق مشروع للانفصال عن الدول التي تضم أقليات كردية وإقامة دولة كردية مستقلة؟

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل