المحتوى الرئيسى

محاولات احتواء الثورات الشعبية العربية بقلم داود تلحمي

06/09 21:35

ومسؤولية اليسار والتيارات الوطنية الاستقلالية

بقلم داود تلحمي*

الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأميركي باراك أوباما يوم 19/5/2011 والذي ركّز فيه، بشكل أساسي، على الموقف الأميركي من الثورات والانتفاضات الشعبية في المنطقة العربية الجارية منذ أواخر العام الماضي، وعرّج فيه بشكل مقتضب على موضوع الصراع الفلسطيني والعربي- الإسرائيلي، كان موجهاً بدرجة رئيسية، من جهة، إلى الرأي العام الداخلي الأميركي وأصحاب المصالح الاقتصادية الكبرى في البلد، ومن جهة أخرى، إلى الأنظمة، الجديدة والقديمة، في المنطقة العربية والشرق أوسطية، والرأي العام فيها، وأخيراً إلى رأي عام عالمي أوسع، يتعاطف إلى حد كبير مع هذه الانتفاضات العربية.

فمن الجهة الأولى، بات الرئيس الأميركي في الآونة الأخيرة يتصرف، بشكل رئيسي، كمرشح لانتخابات تجديد ولايته الرئاسية، وهو الاستحقاق المفترض حلوله في الشهر ما قبل الأخير من العام القادم. وبالتالي، فكل ما يقوله أوباما تقريباً، وببلاغته الخطابية المشهود له بها، وبمعزل عن هوية وكفاءة الشخص الذي يحرّر خطاباته، وعن المناسبات والمنابر التي يتحدث فيها، كل ما يقوله الرئيس الأميركي محكومٌ، إلى حد كبير، بهذا الاعتبار، أي بتعزيز فرص إعادة انتخابه رئيساً في أواخر العام 2012.

اعتبارات انتخابية

وهذا ينطبق، بالدرجة الأولى، عما قاله في خطابه هذا عن الصراع الفلسطيني والعربي ـ الإسرائيلي. حيث لم يرد على لسانه، في المحصلة، أي شيء يمكن أن يزعج أي مسؤول إسرائيلي صهيوني لديه عقل عادي، وبالتالي أي شيء يمكن أن يقلق مجمل اللوبي الموالي لإسرائيل في الولايات المتحدة، والذي تُعتبر استمالته ضرورة ذات أولوية بالنسبة له لضمان إعادة انتخابه، نظراً لنفوذ هذا اللوبي المعروف، من جهة، ولكون معظم الأميركيين اليهود يصوتون عادة لصالح الحزب الديمقراطي، الذي ينتمي إليه أوباما، مرشح الحزب (شبه) المؤكد لهذه الانتخابات.

ومن المعروف أن حوالي 80 بالمئة من أصوات هؤلاء الأميركيين اليهود ذهبت في انتخابات العام 2008 لصالح أوباما، بالرغم من كل ما أشيع عنه أثناء الحملة الانتخابية من صداقات سابقة مع بعض الأوساط الفلسطينية والعربية في الولايات المتحدة، وما هو معروف من كون والده من أصل إفريقي مسلم. وكسياسي يتقن المهنة ودهاليزها، قام أوباما، عشية الانتخابات الرئاسية السابقة، بكل ما يجب من إعلانات تأييد وانحياز لإسرائيل ولمطالب حكوماتها لكي يضمن عدم نزوح أصوات أنصار إسرائيل، من اليهود أو غير اليهود، إلى خصمه الجمهوري، المعروف بشدة مناصرته لإسرائيل وعدائه للعرب وقضاياهم.

وأوباما يكرّر الآن المسلك ذاته. حيث بات من الواضح أنه لن يقوم بأي عمل، من الآن وحتى انتخابات أول يوم ثلاثاء في الشهر الحادي عشر من العام القادم، يمكن أن يعتبر مزعجاً لأنصار إسرائيل، أو حتى يبدو فيه أي ابتعاد، ولو كان محدوداً، عن مواقف التأييد المطلق لإسرائيل المتبعة من قبل كافة الإدارات الأميركية السابقة منذ العام 1948. وهو ما يمكن أن يفسّر استخدامه لإجراء النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي لتعطيل أي قرار يدين أو ينتقد إسرائيل، حتى ولو صوّت كافة الأعضاء الآخرين الـ14 في المجلس لصالح القرار، كما جرى مؤخراً، وفي العديد من المرات السابقة. كما يفسّر دعوته في خطابه إياه للمسؤولين الفلسطينيين بعدم الإقدام على طرح فكرة دخول فلسطين عضواً كاملاً في الجمعية العامة للأمم المتحدة في الخريف القادم. هذا، في الوقت الذي لم يطالب فيه إسرائيل في خطابه بأي شيء عملي ملموس، بما في ذلك بوقف أو التخفيف من أشكال القمع والقتل والتنكيل والحصارات والمصادرات والتوسعات الاستيطانية التي تمارسها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مكتفياً بإشارات عامة لحقوق فلسطينية نظرية في دولة مستقبلية في الأراضي المحتلة عام 1967، دون الحديث عن أية آليات لإنجاز هذه الحقوق والتقدم نحوها، وخاصة، وفي المقام الأول، وقف الدعم الأميركي للسياسات والممارسات الإسرائيلية التي تحول دون قيام هذه الدولة، لا بل تعمل على تقويض أي أسس لإمكانية قيامها في أي مستقبل قريب.

وليزيد الأمر وضوحاً، قام أوباما في خطابه اللاحق أمام مؤتمر اللوبي الأميركي الرئيسي الموالي لإسرائيل والمعروف بالأحرف الأولى لاسمه «إيباك»، يوم 22/5/2011، بإعادة التذكير بكل مواقفه وخطواته الأخيرة المناصرة والمؤيدة للسياسات الإسرائيلية، ونفى بأن يكون قد طالب في خطاب 19/5 بعودة إسرائيل إلى حدود 4/6/1967، وهو ما كان قد أثار بعض الانزعاج لدى رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو وأوساط إسرائيلية أخرى. حيث حرص أوباما في خطابه الجديد أن يذكّر بإشارته في الخطاب السابق إلى كون الحدود المفترضة بين دولة إسرائيل والدولة الفلسطينية الموعودة تتضمن إمكانية تبادل الأراضي بصيغة متفق عليها بين طرفي النزاع في إطار الحل، ومفسراً ذلك بأنه يتيح لإسرائيل إجراء تعديلات مهمة على الحدود تخدم مصالحها الأمنية وإبقاء المستوطنات الرئيسية تحت سيطرتها.

ولو كان هناك ميزان لقياس عدد مرات التصفيق ومدى حرارته طوال إلقاء أوباما لخطابه في مؤتمر «إيباك»، لبدا الرئيس الأميركي الحالي من أكثر ضيوف «إيباك»شعبيةً في تاريخ هذا التجمع الأميركي الأهم من بين مؤسسات التأييد لإسرائيل والأقرب إلى مواقف يمينها المتشدد.

حسابات أوباما

ولكن الموضوع الفلسطيني ـ الإسرائيلي لم يكن، كما أشرنا، الموضوع الرئيسي في خطاب يوم 19/5 المشار إليه أعلاه. بل ركّز الخطاب الذي ألقاه أوباما في وزارة الخارجية الأميركية، باختيار مقصود للمكان، على توضيح الموقف الأميركي من العواصف الشعبية الهائلة التي اجتاحت المنطقة العربية منذ أواخر العام المنصرم.

فقد تحدث أوباما عن تعاطفه وتعاطف إدارته مع هذه التحركات الشعبية في عدد من الدول العربية، ذكر بعضها بالاسم. لكن دولاً عربية أخرى يُمارس فيها القمع وتغيب فيها الحريات والحقوق الديمقراطية وحقوق الإنسان لم يرد ذكرها على لسانه، ومن بينها المملكة السعودية ، ناهيك عن إهماله الإشارة إلى تجاوزات إسرائيل الفظة والدموية لحقوق الإنسان وللقانون والقرارات الدولية، كما سبق وذكرنا، بما في ذلك إطلاق النار وقتل مواطنين مسالمين كانوا يتظاهرون على حدود فلسطين الانتدابية والجولان وداخل فلسطين المحتلة يوم 15/5، أي قبل إلقائه لخطابه، بمناسبة ذكرى نكبة الشعب الفلسطيني في العام 1948.

وهنا يتصرف أوباما أيضاً كسياسي في موقع المسؤولية الأولى في الولايات المتحدة وكمرشح للانتخابات، يحتاج، بالإضافة إلى دعم أنصار إسرائيل الكثر في الولايات المتحدة، من يهود ومسيحيين صهاينة، أو جمهور واسع متأثر بوسائل الإعلام الكبرى المناصرة تقليدياً لإسرائيل، إلى دعم أرباب المال والشركات الكبرى في البلد، وهي التي تلعب دوراً كبيراً في العمليات الانتخابية هناك، سواء من خلال المال الذي تقدمه، أو تحجبه، عن المرشحين للانتخابات، أو من خلال سيطرتها على وسائل الإعلام والدعاية الرئيسية المؤثرة في البلد.

والى جانب كل هؤلاء، كان لا بد من بعض الإرضاء (ولو لفظياً) للجمهور الأميركي العادي، الذي يطيب له سماع الكلام عن «القيم الأميركية»، والمقصود عادةً قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، والتي هي في قاموس المسؤولين الأميركيين، في واقع الحال، مجرد كلمات للاستهلاك وللتغطية على حقيقة آليات عمل النظام السياسي الأميركي، النظام القائم أساساً على خدمة مصالح كبار الأثرياء وأصحاب النفوذ والمال والشركات الكبرى. فهم الناخبون الكبار الفعليون في البلد، وهم أولياء النعمة بالنسبة لكل المرشحين، أو لغالبيتهم الساحقة، لمواقع المسؤولية السياسية والتشريعية، في ظل نظام التمويل الانتخابي المتبع في الولايات المتحدة.

وهنا ينبغي ألا ننسى أن معظم الأنظمة الاستبدادية والفاسدة في منطقتنا العربية، وفي مناطق أخرى من العالم، بقيت لفترة طويلة تلقى دعماً واسعاً وتغطية غير محدودة من الإدارات الأميركية المتعاقبة، الديمقراطية والجمهورية على حد سواء، وكذلك دعم حلفائها الأوروبيين، طالما تصرفت هذه الأنظمة بما يخدم ويتوافق مع المصالح الإستراتيجية والاقتصادية للولايات المتحدة، والدول الرأسمالية الغربية عموماً، خاصة في ما يتعلق بالنفط، وكذلك بالموقف من إسرائيل كحليف وركيزة محلية أولى وكـ«ذخر ثمين» لحماية هذه المصالح في المنطقة.

احتواء الثورات العربية

ولذلك بدت الإدارة الأميركية الحالية مرتبكة ومترددة حيال تطورات الثورتين التونسية والمصرية في بداياتهما، وكذلك الأمر بالنسبة للدول الأوروبية الغربية الرئيسية. إلى حد أن وزيرة خارجية فرنسا آنذاك، ميشيل أليوـ ماري، عرضت على نظام بن علي في تونس، في الأيام الأولى للثورة الشعبية في البلد، دعماً مباشراً بأدوات وخبرات القمع الفرنسية، وهو عرضٌ اضطرها لاحقاً، بعد سقوط نظام بن علي، إلى الاستقالة من منصبها، لتكون بذلك كبش فداء نيابة عن مجمل الحكم الفرنسي، الذي كانت تعبّر في ذلك الوقت عن سياساته.

وهكذا فإن اتساع نطاق التحركين الشعبيين في تونس ثم مصر بتسارع مدهش، وترنح النظامين فيهما نتيجة هذا الاتساع، دفعا الإدارة الأميركية وحكومات أوروبا الغربية الحليفة إلى تغيير رهاناتها على الأنظمة السابقة لتفادي خسارة المستقبل، وفق التعبير الذي جاء بشكل واضح في مقال نشره رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، الديمقراطي المقرّب من الرئيس أوباما، والمرشح السابق للرئاسة في العام 2004، جون كيري، نُشر في صحيفة «نيويورك تايمز» النافذة في عدد يوم 31/1/2011 تحت عنوان بليغ:«علينا أن نتحالف مع مصر القادمة». وشيء شبيه فعله لاحقاً رئيس فرنسا نيكولا ساركوزي، عندما سارع إلى التعويض عن كارثة "هفوة" وزيرة خارجيته السابقة مع تونس، من خلال إبداء الدعم الفرنسي المبكر للمعارضة الليبية، واستعراض حماسه المفرط للتدخل العسكري إلى جانبها ضد نظام العقيد القذافي. حيث سعى ويسعى ساركوزي، كما وزملاؤه الآخرون بعده في الإتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، إلى حماية مصالح بلادهم واحتكاراتها وشركاتها الكبرى في «ليبيا القادمة»، وفق التعبير الذي استعمله جون كيري بشأن مصر.

***

يمكن تلخيص خطاب أوباما يوم الخميس 19/5 على هذا الصعيد، وبمعزل عن قناعاته الشخصية السابقة على توليه مسؤولية الرئاسة، بأنه في الواقع محاولة لاحتواء الثورات والانتفاضات العربية بحيث لا تذهب بعيداً عن خيمة المصالح الأميركية، والرأسمالية الغربية عموماً. وكانت هناك إشارات واضحة في خطاب أوباما هذا إلى أهمية استمرار اندماج مصر وتونس في عملية "العولمة" الرأسمالية، التي هي في واقع الحال، والى حد كبير، أحد أسباب تأزم الأوضاع الداخلية في البلدين، وخاصة في مصر، وأحد مصادر الإفقار المتزايد لقطاعات واسعة من شعبي البلدين، بعد فسح المجال لبيع القطاع العام ومقدرات وإمكانيات البلدين لأصحاب الثروات ورؤوس الأموال الخارجية، ولامتداداتهم المحلية، بما في ذلك المجموعات الفاسدة المتحالفة أو المندمجة مع قمة السلطة في البلدين، كما بات الآن معروفاً ومطروحاً للتحقيق وأمام المحاكم.

وكما قال المفكر التقدمي الأميركي (اليهودي المنشأ) نعوم تشومسكي، في مقابلة مع محطة «الديمقراطية الآن» التلفزيونية والإذاعية الأميركية المستنيرة، فإن «الولايات المتحدة وحلفاءها سيفعلون أي شيء من أجل منع الديمقراطية في العالم العربي»، وفق العنوان الذي اشتقه موقع المحطة على شبكة الإنترنت من المقابلة، المنشور نصها بتاريخ 11/5/2011. ذلك لأنه، وفق كلام تشومسكي، «في مجمل المنطقة، تنظر أغلبية ساحقة من السكان إلى الولايات المتحدة كمصدر التهديد الرئيسي لمصالحها»... ولأنه، «ببساطة، لا تريد الولايات المتحدة وحلفاؤها حكومات (عربية) تستجيب لإرادة الشعوب. لأنه في حال حدث ذلك، لن تفقد الولايات المتحدة سيطرتها على المنطقة فحسب، بل سيتم طردها منها، وهو ما لا يمكن أن تقبل به طبعاً»!!

فأوباما الطامح لإعادة تجديد ولايته حريص على تأكيد دوره، في قمة السلطة السياسية الأميركية، في خدمة الحكام الفعليين للبلد، أرباب المال وأصحاب الاحتكارات والشركات الأميركية الكبرى، التي يهمها تماماً ألا تخرج المنطقة العربية، منطقة النفط الرئيسية في العالم وإحدى مناطق الغاز الطبيعي الهامة، من نطاق نفوذ هذه الإحتكارات والشركات، وسيطرة الدولة أو الدول التي تعبر عن مصالحها.

وهو ما كان تشومسكي قد سبق وأشار إليه في مقال نُشر في صحيفة «ذي غارديان» البريطانية، يوم 4/2/2011، تحت عنوان «ما يُقلق الولايات المتحدة ليس الإسلام الراديكالي، وإنما الاستقلال»، ويقصد استقلال الدول العربية عن الولايات المتحدة وحلفائها ومؤسساتها المالية والاقتصادية. أي أن الولايات المتحدة لا تخشى ما تسميه «الإسلاميين المتطرفين» ودورهم في بلدان المنطقة، كما يبدو من خلال تصريحات بعض المتحدثين باسمها أو المناصرين لها، بقدر ما تخشى استقلال هذه المنطقة عن النفوذ الأميركي، وانتزاع شعوبها لهذا الاستقلال الفعلي. وهو استقلال لم يتحقق خلال القرن المنصرم إلا بصورة شكلية. وفي معظم الحالات، حلّ النفوذ الأميركي محل النفوذ البريطاني والفرنسي الاستعماري القديم، بما في ذلك في منطقة الخليج الإستراتيجية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل