المحتوى الرئيسى

الثورات الشعبية في آسيا الوسطى... هل يمكن أن تحدث ؟ بقلم:علاء فاروق

06/09 21:19

بقلم/ علاء فاروق

اندلعت في المنطقة العربية مشروعات ثورية قلبت كل الموازين، وأعلنت مدوية "انتهى عصر التنبؤات فنحن في عصر المفاجآت"، وأصبحت الموازين في المنطقة مختلفة، وبدأ كل حاكم ومسؤول فيها بالخوف على تكرار هذه السيناريوهات على أرضه، فبعضهم شرع في إجراء إصلاحات فورية لاسترضاء شعبه، وآخرون حصنوا أنفسهم بتعديلات دستورية تضمن بقاءهم واستمرارهم، لكن النتيجة الحقيقية لمثل هذه الثورات هو لفت الانتباه إلى طبقات الشعب، وخاصة الكادحة منها.

بدأت هذه المشروعات الثورية على أرض تونس التي لم يكن أحد أبدًا يتوقع أن تخرج من هذا الشعب تظاهرات لبعض الآلاف، فضلاً أن تخرج منه ثورة تطيح بحاكمه، لكن كما قلنا انتهى عصر التوقعات، وبدأ عصر المفاجآت على أيدي شعب تونس الذي عانى سنوات من الفساد الإدراي، وكبت الحرية، وانتهاك الحقوق، ما جعله يثور إثر حرق شاب نفسه ليعبر عن احتجاجه ورفضه لبعض الانتهاكات الشرطية، ومن هنا انطلقت الشرارة، وأحرقت النظام الحاكم وأجبرته وعائلته ونظامه وحتى حزبه على الرحيل.

ولم تهدأ هذه الثورة حتى فاجأتنا ثورة أخوية لها على أرض مصر الكنانة التي عرف شعبها– للأسف- بأنه سلبي، ولا ولن يثور أبدًا على حاكمه وإن ظلمه وقتله، لتأتي المفاجأة لتؤكد القاعدة المفروضة "نهاية عصر التنبؤات"، بأن تخرج الآلاف الشعبوية في مظاهرات حاشدة في يوم أسموه "يوم الغضب"؛ لتطالب أيضًا بمحاكمة الرئيس ونظامه، ثم رحيله وعائلته خارج البلاد، إلى غيرها من المطالب التي نجحت الثورة– التي ما زالت قائمة في شوارع مصر- في تحقيق العديد منها على المستوى الشعبي والسياسي وأبرزها تنحية الرئيس عن منصبه، وهي الآن في انتظار استكمال تحقيق باقي مطالبها ، وهو محاكمة النظام ورجاله، والتحول إلى ديمقراطية حقيقية في ظل دولة مدنية.

آسيا الوسطى والثورات

آسيا الوسطى منطقة تنعم ببعض الاستقرار الظاهري خاصة بعد استقلالها عن الاتحاد السوفيتي في بداية التسعينات، ما جعلها تفضل السكوت والصمت حتى يستمر هذا الهدوء.

ومن المعروف أن ما تعانيه بعض بلدان آسيا الوسطى لا يقل– إن لم يكن يزيد- عما تعانيه المنطقة العربية من فساد واستبداد، وكبت للحريات المدنية، وانتهاك لحقوق الإنسان، فالمشهد السلطوي الحاكم متكرر في المنطقتين، وتتلخص أوجه الشبه في:

1. الأنظمة الحاكمة في المنطقتين أكثرها مستبد وظالم، ولا يحترم حقوق الإنسان.

2. الأنظمة في المنطقتين دأبتا على تزوير الإرادة الشعبية عن طريق تزوير الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وحتى المحلية، حتى أصبحت كل مؤسساتها على غير رغبة وإرادة الشعب، وإنما على هوى السلطات الحاكمة التي تستخدم هذه المؤسسات لتحقيق مآربها الشخصية والسلطوية.

3. ملفات التوريث للأبناء والأقارب مطروحة في المنطقتين، فالرئيس الطاجيكي يستمد قوته من منطقة كولاب بجنوب البلاد، كما أن ابنه رستم و ابنته آزاده وصهره يسيطرون على العديد من مناصب سياسية واقتصادية هامة في البلد. وفي تركمانستان تسيطر عشيرة "تيكي" التركمانية التي ينحدر منها الرئيس قربان بردي محمدييف وكذلك الرئيس السابق نيازوف، تسيطر على مقاليد الحكم، أما في أوزبكستان يحكم الرئيس كريموف المنحدر من أوزبك "سمرقند" بحزم وشدة، فيما تتمتع ابنته جلناره كريموف بصلاحيات واسعة النطاق كمرشحة محتملة لخلافته. وأما في كازاخستان وأذربيجان فتسيطر أسرتا نزارباييف وعلييف على مقاليد الحكم طيلة العقدين الماضيين.

4. كذلك تفريغ الأحزاب من مضمونها وتخريبها من الداخل حتى أصبحت المعارضة صورية ولا صوت لها، ومن ثم عدم السماح بتكوين أحزاب جديدة إلا بعد الموافقة على سياسة الدولة ودعمها، حتى وصل الأمر ببعض هذه الاحزاب أن تعلن تأييدها، ودعمها للرئيس الحاكم المرشح في الانتخابات رغم ترشح رئيس الحزب لنفس المنصب.

5. الاستيلاء على كل مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية لتسير كلها في فلك الثناء والتبجيل للسلطة وحاكمها، وتأليه قراراته وتحركاته.

6. محاربة الحركات الإسلامية، والتنكر الدائم لها، وتخويف الناس منها، ووصفها المستمر بالتشدد والإرهاب.

ما سبق، يطرح عدة تساؤلات هنا، إذا كانت البيئتان متشابهتين في أمور كثيرة، هل يمكن انتقال مثل هذه الثورات إلى منطقة آسيا الوسطى؟ وهل هي قادرة فعلاً على حشد مثل هذه التظاهرات الشعبية التي تطالب فيها بسقوط رءوس الفساد والاستبداد؟

في محاولة للإجابة عن هذه الأسئلة وما يشابهها عن إمكانية انتقال عدوى الثورات الحالية من المنطقة العربية بعض بلدان آسيا الوسطى، أو إلى المنطقة بكاملها.

رصيد الثورات الشعبية

هذه البلدان معروفة بتاريخ من الثورات التي غيرت فعلاً فيه أنظمة وجاءت بآخرين، وما حدث في قرغيزيا مؤخرًا ليس ببعيد.

والثورات الشعبية ليست غريبة عن دول آسيا الوسطى،كما يقول الباحث مطيع الله تائب، بل إن لها رصيدا ملحوظا خلال العقدين الأخيرين قبيل الانهيار السوفييتي والسنوات التي تلت ذلك الحدث.

ففي المستقبل القريب، شهدت جمهورية قرغيزستان ثورتين شعبيتين عامي 2005 و 2010 أجبرتا كلا من الرئيس عسكر أكاييف وكرمان بك باكييف على الفرار من البلد، بعد أن ضاق الناس ذرعا بالظلم والاستبداد والفساد المستشري في عهديهما.

ومن قبل وفي أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات من القرن الماضي، عاشت شعوب المنطقة حالة من ثورات شعبية، حينما هبت رياح البروسترويكا الغورباتشوفية على هذه الجمهوريات قادمة من موسكو، غير أن شيئا ذا بال لم يحدث في المشهد السياسي في معظم تلك الدول، حيث بقيت القيادات الشيوعية القديمة مسيطرة على زمام الأمور بعد أن خلعوا أقنعتهم الحمراء ولبسوا أخرى ملونة بألوان القومية وشعارات ديمقراطية.

وخلافا لبقية دول المنطقة، شهدت كل من طاجيكستان وأذربيجان ثورات شعبية ومظاهرات دموية أدت إلى إسقاط الحكم الشيوعي.

ففي عام 1992 استطاعت المظاهرات الشعبية في طاجيكستان أن تزيح الشيوعيين عن الحكم وتم تشكيل حكومة وطنية مؤقتة لم تستمر طويلا، حيث استعاد الشيوعيون وبمساعدة روسية وأوزبكية عسكرية من استعادة السيطرة على الحكم، ودخلت البلد في أتون حرب أهلية دموية استمرت خمس سنوات وانتهت باتفاقية سلام عام 1997.

وفي أذربيجان التي شهدت مظاهرات دموية في يناير 1990 ضد الحكم السوفييتي واستطاع القوميون الأذر بسط سيطرتهم عبر انتخابات حرة، رجع الشيوعيون بثوب جديد عبر انقلاب عسكري عام 1993 ودخلت الجمهورية تحت سيطرة رجل الاستخبارات السوفييتي السابق حيدر علييف الذي حكم البلد حتى عام 2003 ثم خلفه ابنه إلهام علييف لاستكمال مسيرة الجمهورية الوراثية في هذه البلد الغني بالنفط.

ورغم وجود رصيد من الثورات الشعبية في المنطقة خلال العقدين الماضيين، خصوصا تلك التي حصلت في قرغيزستان مؤخرا، إلا أن توقعات المتابعين ما زالت سلبية تجاه انتشار ظاهرة الثورات الشعبية في تلك الجمهوريات في الوقت الراهن.

لماذا لا تحدث ثورة؟

لكن للأسف فإن الأنظمة في هذه المنطقة نجحت وبامتياز في القضاء على شيء يسمى معارضة حقيقية تستند إلى الشارع، وتستمد منه شرعيته، نعم هناك معارضة، وبعضها معترف به مثل حزب النهضة الإسلامية في طاجيكستان، لكن ما زالت الحكومة تمارس ضغوطًا وتفريغًا لهذا الحزب بدأت بالتضييق عليه في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، حتى قلصت عدد مقاعده، وقامت مؤخرًا بغلق المسجد الخاص بالحزب، وكذلك اعتقال رئيس تحرير صحيفة هذا الحزب، بمعنى أن هناك معارضة، لكنها مهمشة ومحاربة بشكل كبير.

أضف إلى ذلك حالة الإحباط التي تصاحب بعض رجال هذه الثورات، خاصة بعدما تنجح ثورتهم، وتأتي بحزب آخر، وشخص آخر للسلطة، وما هي إلا شهور ويعرفون أنهم خرجوا من حكم مستبد إلى آخر فاسد، وهذا ما حدث في قرغيزيا إثر ثورة 2005 التي أطاحت بالرئيس آكاييف، الذي وصفته بالفساد والاستبداد، وقامت بطرده خارج البلاد ليتولى السلطة باكييف، وهو واحد من رجالات المعارضة، وخلال حكمه لم ير المواطن القرغيزي فرقًا بين الرئيسين، بل مارس باكييف سياسة التهميش والقمع للمعارضة، وانتشر في عصره الفساد الإداري، ونهب الثروات، وتوظيف أقاربه وعائلته في أعلى المناصب، وانتهى عصره بثورة بعد 5 سنوات من حكمه؛ لتأتي بحكومة معارضة ربما تنجح في تضميد جراح ثوار 2005.

أقصد من هذا الكلام أن الإرادة للقيام بثورة في هذه المنطقة تسبقها عقبات كثيرة تتلخص في صعوبة حشد الأعداد المليونية الكبيرة للخروج للشارع، أو الإضراب؛ للخوف الشديد الذي يسيطر على المواطن هناك، كذلك عدم النضج السياسي للكثير من هذه الحركات المعارضة، نظرًا للتضييق عليها في ممارسة العمل العام، والاحتكاك بالمواطنين، وكذلك التعتيم الإعلامي الكبير الذي تمارسه سلطات آسيا الوسطى تجاه شعوبها، فمن العجب أن تسمع أن نسبة كبيرة من المواطنين هناك مثلاً لا يعرفون أن فلسطين محتلة، أو لا يعرفون أن هناك ثورة في تونس ومصر، وهذا ما يجعل هناك صعوبة تواصل مع هذه الفئة الكبيرة سواء من المعارضة، أو من الإعلام الحر الذي يعرض الحقائق، فالقنوات هناك تنقل تحركات الرئيس وجولاته وإنجازاته حتى يحفظها المواطن، وإن خرجت بعيدًا عن هذا، فإلى الأفلام والمسلسلات التي تعمل على نشر الانحراف الأخلاقي والاجتماعي، ما عمل على حالة "تغييب" للعقل والفكر.

كذلك غياب وسائل التكنولوجيا الحديثة، وأهمها الإنترنت، أو صعوبة الحصول عليه، والمراقبة الشديدة من أجهزة الدولة على استخدام هذه التكنولوجيا، ما يجعل إمكانية قيام ثورة عن طريق هذه التكنولوجيا عبر بوابات التواصل "تويتر والفيس بوك" صعبة جدًا؛ للخوف الذي يسيطر على مستخدميها.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل