المحتوى الرئيسى

كروم جدي الذي اكل الدهر عليه وشرب بقلم فتحي احمد

06/09 20:39

كروم جدي الذي أكل الدهر عليه وشرب

بقلم فتحي احمد

حينما تتنفس السنون وعلى رأس كل سنة حيث كان جدي المغفور له بأذن الله يستيقظ كل يوم ويرفع اذان الفجر ويصلي ويرتدي ما صنعت له جدتي من الثياب ويتسلح بفأسه ومعوله ويحث الخطى الى بضع من الدونومات التي ورثها عن والده كان ينحني لله ويلتمس منه خير ذلك اليوم يتفقد أرضه المحفوفة بشتى أنواع اللوزيات كان يحضن تراب ارضه ويعشق المكوث بين أفنان الأشجار ساعات طويلة وكان عمر شجيراته مربوطا بعمره عايشت ذاك الرجل العجوز وانا في ريعان طفولتي المبكرة وقد بلغ من العمر عتيا كان مدرسة في التواضع وحب الارض والتقوى ففي صباح كل يوم قيض كان يطلق ساقيه للريح ليجني ثمار اشجاره التي انزفت وقته وجهده وأسالت عرقه من جبينه وقد امتزج عرقه بحبيبات تراب الارض فكأن لمحصوله الذي كان يجنيه طعما اخر . في وسط ارضه يتربع بيتا مشيدا بالطين والحجارة كان يأويه وجدتي والتسعة ابناء جل ايام السنة على مقربة من العريشة زرع جدي شجرة خوخ حيث استخدمها واسرته ليستظلوا تحت ظلها فضلا عن انه كان يلتحف النجوم ويفترش التراب ليلا بجوار جذعها المثقل بالثمر في احد اركان ارضه كان ثمة مساحه منها مخصصا لاشجار العنب وقد اطلق على احدى شجرات العنب اسم الشيخ اسماعيل التي خصص ثمارها لامام مسجد قريتنا حبا فيه واما على جنبات الارض كان هنالك اسرة قريبة له على صعيد العائلة كان ابناء الاسرة ينتظرون جدي وهو خارج من حقله حيث كان مدججا ببعض حبات الخوخ والمشمش فكان لثوبه الابيض المرصع بخيوط فضية لامعة وقعا طيبا لحفنة من الصبية الذين كانوا ينتظرون عودته في ساعات الاصيل حيث كان هو ايضا على موعد معهم لكي يسد رمقهم بحبيبات الخوخ والدراق لقد ترك فيهم الحب والاحترام له وهم اليوم في العقد الخامس من العمر ما فتئوا يتذكرون كرم ذاك العجوز وحنانه وشهامته .

سبحان الله مغير الاحوال وجاعل الليل والنهار ومبدل الفصول وجاعل لكل شيء سببا تحول الكون وتبدل بقدرة الله لقد كانت ارض جدي متعة للناظرين ومفرجة هم المحزونين حيث الماء والخضراء فاليوم لا اشاهد سوى بضع من الشجيرات التالفه المصفره ولم يبقى من اشجاره شيئا فكانت البركة ضاربة جذورها في اعماق الارض فانتزعت من الارض بعدما ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت ايدينا .

في احدى المدن الفلسطينية المشهورة في زراعة الفقوس يندب مزارعوها احوالهم وكيف تبدل الزمان وجار عليهم هنالك في سهول تلك المدينة الوادعة الواقعة على تخوم القدس التقيت كهلا في عقده السابع حيث كان جالسا تحت ظل شجرة اللوز (نطور مقثاه ) لقد بدت على اسارير وجهه ارهاصات التعب والارهاق مصحوبة بموجات الم على ماضي تولى وقد شرع الرجل في سرد قصة والده المتوفى الذي كان يفلح ارضه قبل زهاء اربعين عاما قال لي كان والدي يجني من ثمار الفقوس مئات الكيلوات كانت اسرتنا المكونة من الاب والام والاخوة الثلاثة وزوجاتنا ننطلق كل يومين الى حقلنا هذا حيث اشار باصبعه اليه نبتلع الارض كانت الفرحة تغمرنا ونحن نشاهد بأم اعيننا خيرات هذه الارض كنا لا نمل ونعمل جميعا كخلية النحل لحصد ما من الله علينا اما اليوم فانت تشاهد بعينيك ماذا اصابنا ؟

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل