المحتوى الرئيسى

> وما تعريف النخبة إن لم تكن في قلبها يا أستاذ هويدي؟

06/09 16:28

كتب - فيروز كراوية

باحثة ومطربة

علي مدار عدة مقالات متتالية تحمل عناوين مختلفة ولكنها تنتهي إلي استنتاج واحد دائما يكتب الأستاذ فهمي هويدي في جريدة الشروق من أسابيع.. أما الاستنتاج فهو أن "النخبة" الهامشية التي لا تؤثر في الشعب وتنفصل عن أمانيه وتطلعاته وقراراته قد انفردت بالإعلام المدلس (علي حد تعبير الأستاذ فهمي) والذي تمتلك قنواته رءوس أموال عليها علامات استفهام كثيرة، بينما "الشعب" الذي يمتلك الحكمة والقرار يتحرك في اتجاه مطالبه دون إيعاز من أحد ولا انتظار لآراء وتوجيهات نخبوية.

وانصبت نار غضب الأستاذ هويدي علي كل من يطالب بمراجعة مسار الخطوات التي اتفق عليها في السابق بخصوص الانتخابات البرلمانية ثم انتخاب لجنة تأسيسية لوضع الدستور عبر أعضاء البرلمان ثم الانتخابات الرئاسية. وانصبت أيضا علي تقديرات الإعلام لأعداد المتظاهرين في جمعة 27 مايو وغيرها من الموضوعات التي تنتهي إلي تكريس فصام وحرب وهمية بين "نخبة" و"شعب".

والحقيقة أن تلك المعركة المصطنعة تنطلق من تعريف ضيق وشديد المحدودية، بل لا يحمل أي أفق ديمقراطي لمفهوم النخبة الاجتماعية. ويصح أن نسأل عدة أسئلة لأنفسنا لنقف علي مدي هذه المحدودية في التعريف ولعل الأستاذ فهمي يشاركنا السؤال: هل النخبة هي مجموع من يكتبون ويظهرون في المنابر الإعلامية المختلفة من حملة الشهادات العليا تحديدا في مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة؟ هل هي من يؤلفون الكتب أو لديهم القدرة علي الخطابة والحديث للجمهور؟ هل هي المتنفذون ماليا وعبر مناصبهم في القطاع الحكومي والخاص؟ وفي هذه الحالة: لماذا يخرج الأستاذ نفسه متنصلا من الانتماء للنخبة وهو الكاتب المحترف صاحب الأطروحات السياسية والثقافية المتعددة والحائز لمنبر إعلامي يومي ومقروئية عالية؟ وإن كانت النخبة في نظره هي مجموعة ذات طبيعة استعلائية ترتب نفسها وصيا علي المجتمع وهي لا تملك فيه تأثيرا ولا تقع في قلبه أو عقله موقعا مقدرا، لأنها علي ما فهمت من الأستاذ فهمي دأبت علي تجاهل رأي وأولويات المجتمع وصنعت عالمها الضيق الذي يخدم مصالحها فقط ولا ينحاز للجماهير بالمرة، فماذا يقول الأستاذ فهمي عن مجموعات ناضلت وتناضل منذ سنين في النقابات العمالية ضد نظام مبارك وتنظم الإضرابات والاعتصامات في زمان القمع لتبقي شعلة الحركة العمالية متقدة رغم الريح العاتية؟ وماذا يقول عن كل من تحركوا من سنوات لفتح ملف التعذيب المحظور، من ناشطين شباب لمنظمات مجتمع مدني لصحفيين وإعلاميين، كانوا جميعا يضعون أرواحهم علي الكفوف والآن يفعلون ذلك ثانية في ملف المحاكمات العسكرية وفحوص العذرية حتي طرح علنا علي مائدة الإعلام وفي مقالات الأستاذ فهمي؟ وماذا يقول عن طلاب مصر في الجامعات الذين يشرقون علي الوطن بوعي نابه ليرفضوا عمداء فاسدين ويعتصمون حتي يشارفوا علي الموت ولا يأبهون لحرب إعلامية شرسة بمشاركة الشرطة العسكرية؟ وماذا يقول في أطباء شباب وكبار يخرجون علي مجلس نقابة من الملفقين ويجابهون وزارة الصحة التي استخدمت كل الأساليب المنحطة (ولعل هذا كان يمكن أن يكون مثالا أوفق علي التدليس الإعلامي) لردعهم وتأليب المجتمع عليهم، ويستمرون في إضرابهم في محاولة لفرض إصلاح النظام الصحي علي أولويات حكومة لا تري من أولوياتها إلا إبقاء الوضع علي ما هو عليه، ماذا نقول يا أستاذ فهمي في قضاة يرون من واجبهم الإفصاح عن رأيهم في المحاكمات العسكرية والشئون الدستورية في لحظة مفصلية من تاريخ مصر حتي لو ينالهم من المهانة ما لم يلاقوا في تاريخهم؟

ولعل من هؤلاء من نزل للتحرير يوم 27 مايو ومنهم من لم ينزل، ولعل منهم من يري أن إقرار المبادئ فوق الدستورية قبل الانتخابات البرلمانية حلا وسطا يرضي جميع الأطراف ولا "يلتف" حول الديمقراطية ولا يجرح شعور الإخوان المسلمين، فكيف يمكن أن نصنف هؤلاء يا سيدي؟ من منهم ستضعه في "النخبة المدلسة" ومن ستضعه في "الشعب"؟!!

يبدو أننا جميعا يا أستاذ فهمي في حاجة للتدبر في كيفية تشكل النخب في المناخ الديمقراطي، وكيف تتجدد بحيوية شديدة ووفقا لتوجهات مجموعات الضغط ومجموعات المصالح، وتبعا للتوافق المجتمعي وفعالية مشاركة كل الأطياف التي كانت مهمشة أو مسحوقة تحت وطأة المستبد، وكذلك كيف تؤثر وتتأثر بطبيعة الجدل الاجتماعي لينتخب المجتمع نخبته التي تنجح في استشراف وترتيب أولوياته وتنخرط في النضال من أجلها كتابة أو إعلاما أو نشاطية في المجال العام.

وربما يصبح من اللازم بعد أن نحرر مفهوم النخبة من قفصه الضيق أن نجتهد في فهم العلاقة العضوية بين مصادر تمويل "النخبة" ومصادر تمويل "الشعب"، إذ يبدو الخط الفاصل السميك الذي رسمه الأستاذ هويدي غير مرئي إلا في التنظيرات الخيالية، فبينما كل رأسمال ينفق وفق أجندة ومصالح، فالشعب أيضا ينتخب نخبته وفق مصالح، وربما تتلاقي المصالح أو تتعارض، ولكن تبقي الضمانة الوحيدة هي ذلك التضافر بين النخب في الديمقراطيات وبين جماهيرها حيث تختفي التراتبية المهووسة بالمكانة ويحل محلها آليات فرز اجتماعي قائمة علي المصلحة العامة والمنفعة المتحققة لمجموعات اجتماعية بعينها.

لعل منطق الوصاية لا يزال ساكناً عقول من يذمون الوصاية، ولعل التدليس الإعلامي قد طال بعضًا منه الجزيرة مباشر والجزيرة والعربية والحياة اللندنية الذين لا يأتيهم الباطل من خلفهم ولا من أمامهم، ولعل النخب الجديدة تطرد كل من استقروا طويلا علي المقاعد حتي اعتادوا لغة الاتهامات والتخوين المجاني وأحيانا تحت لافتات تحمل اسم "الشعب".

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل