المحتوى الرئيسى

د. الغزالي ود. غازي.. كما عرفتهما

06/09 11:42

بقلم: رجب الدمنهوري حين يُبتلى عالم أو مفكر بالمرض أو ينتقل إلى الرفيق الأعلى تلح على الذهن أسئلة كثيرة عن البديل الذي يمكن أن يحل محله أو يسد ثغرته، وإذا كانت بعض التخصصات زاخرة بالكوادر، ويمكن لها أن تعوض غياب أحد الرموز، فإن هناك مجالات تعاني فقرًا في روادها، وصنَّاع فقهها.   الخبير في الاقتصاد الإسلامي والأكاديمي الدكتور عبد الحميد الغزالي الذي رحل عن دنيانا الفانية قبل أيام إلى دار الخلد والبقاء، نسأل الله له الرحمة والمغفرة الواسعة، هذا الرجل من المتخصصين القلائل الذين بفقدهم يتركون مكانهم شاغرًا، وبغيابه يكون الاقتصاد الإسلامي بمؤسساته ومعاهده قد خسر قيمة علمية سامقة، أمضت جلَّ حياتها في إرساء قواعد وتطبيقات المصرفية الإسلامية.   لو أراد الدكتور الغزالي- رحمه الله- أن يكون من أهل الحظوة لدى الحكام لاحتل مقدمة الصفوف، ولكان من المقربين، ولعاش مثل كثيرين من أبناء جيله منعمًا مترفًا مكرمًا، ولأصبح واحدًا من أبرز لجنة اللا سياسات، تفتح له صالات كبار الزوار في سفره وإيابه، إلا أنه اختار الطريق الشاق، طريق الدعوة والإصلاح، طريق التغيير والمبادئ، طريق التصدي للفساد وكلِّ أشكال الانحراف، الطريق المفروش بالأشواك والعقبات، فتعرَّض للمضايقات والابتلاءات، وبدلاً من أن يحظى بالتكريم والتقدير لعلمه وخبرته وإسهاماته في مجال الاقتصاد الإسلامي، زَجَّ به النظام المخلوع في غياهب السجون، وكل جريرته أنه كان شخصًا إيجابيًّا حريصًا على بناء وطنه ونهضته، ورغم ما لقاه من عنت وظلم ظلَّ رحمه الله ثابتًا وصابرًا ومجاهدًا في عرينه العلمي والدعوي حتى توفاه الله.   كثيرون من العلماء الأجلاء الذين لهم فضل علينا يظلون محل اهتمامنا في حياتهم ومماتهم، ولأن للدكتور الغزالي صاحب فضل كبير عليَّ شخصيًّا، فقد كنتُ أتابع أخباره، وخاصة في الفترة الأخيرة من عارفيه وبعض الأصدقاء بعد أن ألمَّ به المرض، وكنت كلما رأيت صورةً له وقد بدا وجهه شاحبًا أشعر بالألم والأسى، وأدعو له بالشفاء، إلى أن جاء الخبر الصاعقة، واسترد الله عاريته، حينها شعرت بالصدمة لفقدانه أولاً وهو الرجل الذي تتلمذت على فكره وأدبياته، وثانيًا لكونه باحثًا وأكاديميًّا نادرًا في تخصص قليل أهله.   ما زلت أذكر يوم أن حصلت على الثانوية العامة من مدرسة عمر مكرم الثانوية بدمنهور والتحقت بكلية الإعلام جامعة القاهرة عام 1985م، وكنت وقتها أتلمس الطريق وأبحث عن مرشد يأخذ بيدي إلى جادة الصواب، في ظلِّ صخب القاهرة الثقافي، وضوضائها الفكرية، فكانت ندوات د. عبد الحميد الغزالي ومحاضراته- رحمه الله- نبراس هداية ورشد، وفصلاً مهما من فصول تشكيل الوعي والبناء المعرفي لي ولكثير من أقراني، فما أن حضرت له ندوة حتى تأثرت به، وشعرت بإخلاصه، ولمست تواضعه ودماثة خلقه، وكانت كليتا الإعلام والاقتصاد في مبنى واحد؛ حيث كان الفقيد أستاذًا بالأخيرة، قبل انتقال كلية الإعلام إلى مبناها المستقل بجوار كلية دار العلوم، ومن هنا صرت من المتابعين له، وبدأت أشتري بعض مؤلفاته التي حَمَلت بين دفتيها قيمة مضافة.   - تعلمت منه رحمه الله أن للاقتصاد الإسلامي قواعد وأصول، وأن بناء الإنسان الصالح من أهم مقومات نجاح الاقتصاد في أداء رسالته، إذ لا تكفي فقط أن تكون هناك قواعد اقتصادية إسلامية حاكمة، وإنما لا بد أن يقوم على تطبيقها الرجل القوى الأمين أي المخلص والمختص.   - تعلمت منه ومن كتبه أن الاستعمار لم يأت إلينا بالحضارة، وأنه كان في حقيقته استخرابًا، وأن الحلول المستوردة لم تفِ بالغرض منها، ولم تفلح في حلِّ مشكلاتنا، وأنه ليس هناك من سبيل إلا الحل الإسلامي.   - تعلمت منه أننا طبقنا الاشتراكية في حقبة الستينيات فلم نجن منها شيئًا، وكنا مستهلكي شعارات، وطبقنا الرأسمالية في مرحلة تالية فكنا مستهلكي سلع، ثم طبقنا نظامًا مختلطًا شائهًا لا هوية له، فأنتج زواجًا فاسدًا بين الرأسمالية المتوحشة والسلطة المستبدة، ومن هنا فالسبيل الوحيد للخروج من وهدتنا الاقتصادية ونفقها المظلم هو الاعتماد على الذات، وإنتاج نظام نابع من ثقافتنا وهويتنا الإسلامية.   دروس كثيرة تعلمتها من الراحل الدكتور عبد الحميد الغزالي، لا سيما أنه كان يتناول موضوع الاقتصاد في إطار رؤية إسلامية نهضوية شاملة، ومعه الأستاذ الراحل الدكتور بدر الدين غازي- رحمهما الله- في أواخر الثمانينيات؛ حيث كانت إرهاصات التضييق على النشاط الطلابي قد بدأت، وكانت إدارة الجامعة لا تسمح باستضافة علماء ومفكرين من خارجها، وعندئذ كان الراحلان الجليلان د. غازي ود. الغزالي من فرسان الدعوة في جامعة القاهرة، لا يخشيان في الحقِّ لومة لائم، ولا يعبآن بما قد يضيرهما من السلطان وأعوانه وكتبة تقاريره، وكان لا يكاد يمر يوم أو بضعة أيام حتى يكون لأحدهما ندوة هنا أو محاضرة هناك، هذه كلمة حقٍّ للتاريخ، رحم الله العالمين الجليلين، وأحسن مثوبتهما، وخلد ذكراهما الطيبة، وألهم ذويهما ومحبيهما الصبر والسلوان، و"إنا لله وإنا إليه راجعون". ------------------ * صحفي مصري مقيم في الخليج

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل