المحتوى الرئيسى

نلعب بالنار!

06/09 08:09

عندما يكون على الحكومة أن تتكلم فى الاقتصاد، فليس من الجائز لها أن تغازل الناس على حساب الحقيقة، لا لشىء إلا لأنها أول من يعرف عواقب مثل هذا الغزل على الجميع! الاقتصاد يعنى فى النهاية، بالنسبة لأى مواطن، شيئاً محدداً هو «أكل العيش» ولانزال نقول فى حالات كهذه، عبارة شهيرة هى: عض قلبى.. ولا تعض رغيفى! وإذا كان اقتصاد أى بلد يقوم على الاستثمار الداخلى، والخارجى معه سواء بسواء، فإن المستثمر ابن البلد الذى نسميه «المستثمر الوطنى» يظل «أسيراً» فى كل حالاته، وتظل كلمة أسير هنا مقصودة بمعناها الحرفى «captive»، وهو معنى يشار به إلى الجندى حين يؤخذ فى الحروب من جانب العدو! فماذا يعنى «الأسر» فى حالة المستثمر الوطنى؟!.. يعنى ببساطة أن الحكومة حين تقرر زيادة الضرائب على أرباحه التجارية ـ مثلاً ـ من 20٪ إلى 25٪، فإنه لا يملك إلا أن يمتثل، إذ لا بديل آخر أمامه، ولا نتصور، والحال هكذا، أن يأخذ المستثمر مصنعه ويذهب به إلى ألمانيا، على سبيل المثال، فى مواجهة رفع الضرائب عليه، وعلى أقرانه.. لا نتصور، ولا نتخيل، ولن يحدث، وبالتالى، فليس أمام المستثمر حتى ولو تضاعفت ضرائبه إلا الامتثال! ولكن.. على الحكومة فى الوقت ذاته أن تدرك ـ وهى تدرك طبعاً ـ أن المعادلة الاقتصادية عموماً، تضم عناصر أخرى، بخلاف الضرائب، وهذه العناصر ليس أولها معدل البطالة الذى يقذف بمليون عاطل تقريباً فى كل عام، بخلاف 3 ملايين آخرين ينتقلون معنا من كل عام إلى الذى يليه، وليس أوسط المعادلة، عجز الموازنة، ولا آخرها معدل التضخم الذى يعنى فى حياة المواطن شيئاً واحداً هو ارتفاع الأسعار! هذه كلها، مع عناصر غيرها، تمثل عناصر متعددة للمعادلة الاقتصادية الإجمالية، وهى معادلة مطلوب من الحكومة أن تجعلها تتوازن، ولن يأتى توازنها بزيادة الضرائب التى لا يملك المستثمر الوطنى حيالها، كما قلنا، إلا الامتثال، بمعنى الطاعة الكاملة رغم أنفه.. أما المستثمر الأجنبى، الذى يمثل مجيئه إلينا الطريق الوحيد إلى توازن عناصر المعادلة إياها، فلن يأتى، ولن يفكر فى المجىء أصلاً، إلا إذا أحس بأن نسبة الضريبة المقررة عليه، وعلى غيره، نسبة مستقرة فى وجداننا تماماً، كأنها «دستور» اقتصادى لا يتزعزع اليقين فيه مطلقاً. فالمستثمر الأجنبى قد يهمه الدستور السياسى الذى يحكم البلد، وهو يهمه فعلاً، ولكن يهمه أكثر، الدستور الاقتصادى، ومدى رسوخه فى يقين الحكومة! وإذا كان المستثمر الوطنى أسيراً فى حالاته كلها، فالمستثمر الأجنبى، فى المقابل، طليق تماماً، وهو يظل كالطائر الذى يحلق فى السماء، ثم يحط فى الأرض التى يشعر بالأمان فيها، ولا شىء على الإطلاق سوف يجبره على الهبوط فى أرض ليس فيها أمان يعرفه، ويريده، ويسعى إليه. إذا كان رفع نسبة الضريبة، كما قيل مؤخراً، سوف يجلب لنا عائداً يبلغ 3 مليارات جنيه، مثلاً، فنحن فى الأصل فى حاجة إلى مائة مليار على مدى سنوات عدة، لتتوازن المعادلة الاقتصادية، وهذه المائة مليار لا سبيل إليها إلا عن طريق المستثمر الخارجى، وهذا المستثمر الخارجى لن يأتى إذا كان لا يعرف كم سوف يدفع كضرائب، ولا يعرف، فى الوقت نفسه، ما إذا كانت نسبة الضرائب المقررة عليه سوف تستقر، أم أنها معرضة للتغيير فى كل لحظة! نحن، إذن، نسعى لجمع 3 مليارات، ولا ندرى أن ذلك سوف يؤدى إلى تطفيش مائة مليار، ونعرف أن رفع سعر الدولار عدة قروش، مثلاً يمكن أن يوفر لنا أضعاف المليارات الثلاثة، من دعم مهدر على غير مستحقيه، ثم، وهذا هو الأهم، يساعد على مجىء المائة مليار من الاستثمار الخارجى. اللعب فى الضريبة بهذه الطريقة لعب بالنار!.. وإذا كان هناك من يقول إننا سوف نرفع ضرائبنا كما نحب، وأن من يريد المجىء من المستثمرين، فأهلاً وسهلاً، ومَن لا يريد فهو حر.. فهذا كلام أقل ما يوصف به أنه كلام غير مسؤول بالمرة! ولابد من الاعتراف، هنا، بأن أفكاراً، كهذه، لم يكن من الممكن أن تظهر هكذا، لولا أن الدكتور رضوان، وزير المالية، كان قد دعا، خلال أيام مضت، إلى حوار موسع، أنصت فيه لمختلف الآراء، وكان، وهو يستمع إليها، يريد أن يصل إلى حل ينقذ الشباب المتعطل، لا أن يظل يعاند، ويواصل ما يفعله ويترك للآخرين حرية النباح، كما كان يفعل النظام السابق!  

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل