المحتوى الرئيسى

> الأعلي صوتا والأكثر حشدا.. وبينهما مصر!

06/09 21:09

كتب: محمد القدوسي

"هنا ترقد زوجتي، دعها ترقد، إنها الآن في سلام، وأنا كذلك". هذه العبارة يقال إن الشاعر البريطاني "جون درايدن" كتبها علي قبر زوجته، وهو كلام فيه نظر، لأن "درايدن" الذي مات في 12 من مايو 1700 مات قبل زوجته بـ14 عاما، ولأن "مدام درايدن" دخلت التاريخ وغادرته من دون أن نسمع صوتها "ملعلعا" وهي "تجرس" زوجها علي نحو ما اشتهرت به "مدام سقراط" مثلا. لهذا فإنني لا أعتقد أن "درايدن" كان يرغب في إقصاء زوجته إلي هذه الدرجة، بقدر ما أعتقد أن الجدل الذي يدور في مصر الآن، بين "الأعلي صوتا" و"الأكثر حشدا"، والذي يبدو إقصائيا أحيانا، ونزقا غالبا، هو جدل صحي أيضا بقدر ما فيه من عفوية، ومن اتقاد يعيد الحماسة لشرايين أوشكت علي التصلب، لطول ما مارسنا السياسة بأدوات المناورة والمجاملة، في إطار هامش الحرية ـ مع أن الحرية كلها متن لا فيها هوامش ولا لها حدود ـ والحرص علي عدم تجاوز السقف السياسي ونظيره الاجتماعي، وغيرهما من الأسقف التي كنا نسمع عنها، لدرجة بدا معها أن الحل هو اللجوء للأسقف الجاهزة، لأنها "بتستحمل التجاوز" فضلا عن أنها "المودة" في هذه الأيام!

حدة الجدل ونزوعه نحو الاستقطاب الحاد هي ـ في تقديري المتواضع ـ مرحلة ضرورية، تستدعي "القلق" لا "الخوف" لأنها بطبيعتها مرحلة مؤقتة، تنتهي مع إدراك أن الديمقراطية "ثقافة" وليست "وسيلة". وساعتها سيتغير سلوك الأعلي صوتا، والأكثر حشدا.

"الأعلي صوتا" سيتوقف عن الحديث باسم الشعب، علي النحو الذي أدمنه لمجرد أنه يملك زاوية صحفية، أو شاشة يطل منها. وسيدرك أن هناك فرقا بين الملايين التي تملأ جنبات الوادي خضرة وعملا وصعلكة وعبادة وحياة، وبين العشرات ـ أو المئات ـ الذين يتابعونه ويتابعهم علي الفيس بوك. وأن هؤلاء الذين يشكلون عددا من رقمين في المتوسط ـ أحيانا من رقم واحد، ومن أربعة أرقام علي الأكثر ـ والذين يهتمون بالتعليق علي ما يكتبه وما يقوله، ليسوا أكثر من "عينة" تنتمي إلي "شريحة" هي جزء من "قطاع".. إلخ. مما يعني أن "التواضع" واجب، وأن "الأدب" عند الحديث باسم الشعب فضلوه علي "العلم".

علي الجانب الآخر فإن "الأكثر حشدا" سيفهم أن "الديمقراطية" لا تعني "ديكتاتورية الأغلبية" ببساطة لأن الديمقراطية والديكتاتورية نقيضان من حيث الجوهر، لهذا أسقط التاريخ كل الديكتاتوريات، من ديكتاتورية الحاكم المطلق إلي ديكتاتورية العرق (النازية والفاشية) إلي ديكتاتورية البروليتاريا. الديمقراطية لا تعرف الحديث عن "الكل" لأنها مبنية علي الجدل بين "الأغلبية" و"الأقلية". وهي تعني حق الأغلبية في "الحكم" علي نحو لا ينفي حق الأقلية في "المشاركة". الديمقراطية هي "حكومة الشعب" فعلا لا اصطلاحا، بمعني أنها لا تهدر صوتا واحدا، ولا تستثني مواطنا من المشاركة. ومن هنا تأتي أهمية ذلك الفصل في كتاب "ثقافة الديمقراطية" الذي يتحدث عن الفرق بين وسائل المشاركة المختلفة، وأن معظمها لا يؤدي ـ مباشرة ـ إلي اتخاذ قرار والمضي في إجراءات، فمن الديمقراطية أن أكتب مقالا، لعل هناك من يواصل قراءته، وإن لم يقرأه منذ البداية أو لم يكمله فهو حر، ولعل هناك من يتفق معي علي ما فيه، وإن اختلف أو اتفق في حدود الإطار العام أو بعض ما فيه فهو حر.. وهكذا: يمكن الاتفاق كما يمكن الاختلاف، من دون أن يكون هناك أي التزام لا علي المتفق ولا علي المختلف، إلا ذلك الالتزام الخفي بالتواصل، الذي ينضجه الجدل المجتمعي علي نار هادئة، والذي يجعل المختلفين أكثر قدرة علي الائتلاف، علي الأقل بحكم أنهم عرفوا تفاصيل ما يختلفون عليه، واطلعوا علي معطيات موقف الطرف الآخر.

لنتكلم إذا، محاولين ألا يرتفع صوتنا إلي الحد الذي يجعلنا نعجز عن الانتباه لرغبة الآخرين في الكلام. لنتكلم فالسكوت ليس من ذهب، خاصة في مراحل التحول، وحسب خبرة التاريخ فإن ذكاء الشعب ـ في معظمه لا في كله ـ قادر علي فرز ولفظ من يحاولون احتكار الحديث باسمه، سواء بزعم أنهم الأعلي صوتا، أو بزعم أنهم الأكثر حشدا.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل