المحتوى الرئيسى

التنمية البشرية المستدامة ضرورة تاريخية ..بقلم:د.جاسم الفارس

06/08 22:27

التنمية البشرية المستدامة ضرورة تاريخية- قراءة في كتاب: ( جدلية نهج التنمية البشرية المستدامة، منابع التكوين وموانع التمكين) للدكتور باسل البستاني د.جاسم الفارس على الرغم من تباين مكونات أحداث التطور الاقتصادي في العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، إلا أنها ترافقت في اتجاهاتها وترابطت في مساراتها، وتخللتها مفترقات بالغة التأثير في طبيعة المسارات والاتجاهات. وفي تفاعل المسارات والمفترقات تحددت التحولات الهيكلية في الاقتصاد الدولي. لقد رصد الدكتور باسل البستاني في كتابه (جدلية نهج التنمية البشرية المستدامة...) أهم تلك المسارات والمفترقات في رؤية فكرية ناضجة، ليحدد مكانة مشروعه الحضاري الذي تضمنه الكتاب الذي يعد إعادة إنتاج معرفي لمشروع التنمية البشرية الذي طرحته الأمم المتحدة عبر برنامجها الإنمائي من خلال إستراتيجية قراءة جديدة للمشروع. أما المسارات التي يرصدها البستاني فهي: 1. التحولات الهيكلية. 2. الأطر التنظيمية. 3. المرتكزات المؤسسية. 4. التدفقات المالية الدولية. في حين كانت المفترقات على النحو الآتي: 1. الثورة النفطية. 2. أزمة المديونية الدولية. 3. برنامج الإصلاح الاقتصادي. 4. انهيار المنظومة الاشتراكية. • - استاذ الإقتصاد الإسلامي – جامعة الموصل – العراق • البريد الألكتروني – jasim_alfaris52@yahoo.com فعلى صعيد التحولات الهيكلية يرى البستاني، أنها تشكل تغيرات جذرية في البناء الإقتصادي والإجتماعي في مسيرة التطور، وأن السمة البارزة في هذه التحولات وقوعها في صميم عملية التطور الإقتصادي والإجتماعي، لقد عبّرت عن هذه التحولات جملة من المؤشرات الأساسية، تمثلت في نسبة مشاركة القطاعات الاقتصادية الرئيسة، وهي الناتج المحلي الإجمالي والتوزيع النسبي للقوى العاملة على القطاعات الاقتصادية المختلفة: (الزراعة والصناعة والتجارة والخدمات)، وكذلك التطور الحضري، وبناء على ذلك يرى البستاني أن هذه التحولات الهيكلية هي في النهاية ظاهرة ترقى إلى مستوى الحتمية .( ص 24) أما في ميدان الأطر التنظيمية، فقد شهد العالم خلال المدة (1945 – 1990) ثلاثة أنظمة متباينة في الأهداف و الوسائل: الرأسمالي والإشتراكي والنامي. تقدمها النظام الرأسمالي بما يمتلك من قدرات ديناميكية احتوائية هائلة أكدت موقعه الأقوى، في حين كان النظام الاشتراكي نظاماً مستقلاً آثر الانكفاء كي يتفرغ للبناء الداخلي، حفاظاً على إنجازاته النابعة من محدودية ذاتية إمكانياته، أما الدول النامية فقد بقيت معتمدة على هذين النظامين في طبيعة أنظمتها ووجودها، حائرة تمزقها الفرقة التي يغذيها تباين فلسفة أنظمتها وتراجع قدراتها (ص16- 27). أما في ميدان المرتكزات المؤسسية، فقد تحددت التحولات بعد الحرب العالمية الثانية على مستويين: الأول شمولي تمثل في منظومة الأمم المتحدة، و الثاني اقتصادي تخصصي ويتضمن صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي ثم الاتفاقية العامة للتجارة والتعرفة (ألغات). أما على صعيد التدفقات المالية الدولية، فقد ارتفعت قيمة إجمالي التدفقات المالية الطويلة الأمد إلى الدول النامية خلال المدة (1971-1991)، من (19.5) مليار دولار إلى (205.3) مليار دولار في إطار جملة من التحولات المحسوسة في حركة الاقتصاد العالمي، على صعيد مساعدات التنمية الرسمية، وانحسار التمويل الإئتماني المصرفي من المصارف الدولية المتعددة الجنسية خاصة، وبروز الاستثمار الأجنبي المباشر بوصفه مصدراً حيوياً في التدفقات، ليشكل قوة دافعة للاندماج المالي الدولي بزيادة الشركات المتعددة الجنسية، وتعاظم ضغوط حاجة الدول النامية المدينة – خاصة – إلى موارد مالية لدعم مجهودها التنموي. أما المفترقات التي رافقت ولادة نهج التنمية البشرية المستدامة، فهي الثورة النفطية التي وقعت في تشرين الأول 1973م، إذ تمكنت من تحويل مصدر القرار النفطي في الأسعار والإنتاج، من القاعدة الإقتصادية إلى البعد السياسي ، وواقعياً اتخذت تلك الثورة صورة تدفقات سلعية ومالية بين الدول المنتجة والدول المستهلكة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي والمصارف التجارية الدولية بوصفهم الوسطاء بين المنتجين والمستهلكين. وتعد أزمة المديونية الدولية مفترقاً ثانياً في مسيرة الإقتصاد الدولي، فقد كان لهذه الأزمة الأثر الكبير في تطويق قدرات التنمية، نظراً إلى فداحة عبء خدمة الدين القائم، الذي بات يستحوذ على الجزء الأعظم من الفوائض المالية والمدخرات التي كان يمكن استثمارها بكفاءة. (ص 33) أما مفترق برامج الإصلاح الاقتصادي، فقد جاءت ردة فعل على التغييرات الإقتصادية التي حصلت على الصعيد الدولي منذ بداية السبعينيات ،الأمر الذي ولّد في بداية الثمانينيات توجهاً جديداً هيمن على إستراتيجية التنمية الدولية، تمثل في مذهب اقتصادي بات يعرف باسم (توافق واشنطن)، الذي صار الإطار الفلسفي لبرامج الإصلاح الإقتصادي التي أُعتمدت في بداية الثمانينيات. إن توافق واشنطن صار قيداً على حركة التنمية في البلدان النامية، من خلال تواطؤ نادي لندن وباريس -صنّاع المعاناة الاقتصادية والإجتماعية- من خلال إعادة جدولة الديون مع صناع التوافق، ليُحكما الطوق على حركة المدين، واختزال قدراته التنموية.(ص 33) لم تفلح أسس الإصلاح التي هي الإستقرار والتكييف الهيكلي في إحداث تحولات تنمويه حقيقية في البلدان النامية، بل انتهت كل تلك الجهود إلى الفشل وضياع الموارد بسبب إصرار صندوق النقد الدولي على الكيل بمكيالين، ففي الوقت الذي يطالب الدول النامية بالتقشف، فإنه يغض النظر عن الإسراف في إنفاق الدول الصناعية. أما المفترق الأخير فهو انهيار المنظومة الإشتراكية، الذي يمثل أهم أحداث النصف الثاني من القرن الماضي، لقد ترتب على هذا الانهيار جملة من النتائج الآيديولوجية والسياسية والاقتصادية والعسكرية، التي في حصيلتها تغيرت صورة العالم إلى عالم آخر مغاير، فقد تحول الصراع من صراع آيديولوجي ذي امتداد اقتصادي، إلى صراع اقتصادي بأبعاد آيديولوجية، الأمر الذي فتح المجال واسعاً أمام النظام الرأسمالي، ليزيد من تعظيم موارده البشرية والمادية والمالية من دون خوف أو تهديد، مهيمناً على مقدرات غالبية البشر، ليرسم صورة العصر، القطبية الأحادية، مسقطاً البديل المتوفر لدى غالبية دول العالم في تطورها المجتمعي والحضاري، فارضاً نظامه الاقتصادي والسياسي من دون أن ينتبه إلى الفجوة الكبيرة التي أحدثتها هذه الهيمنة، بين التطور المادي والافتقار إلى القيم الإنسانية والأخلاقية .(ص 35) لقد أحدث انهيار الاتحاد السوفياتي كذلك انكشافاً هائلاً تعرضت له الدول النامية افقدها موقعها التساومي الذي كان لها بين القطبين اللذين تصارعا، ليدخلها نفق الهامشية المريرة بفعل زيادة الفجوة بين الشمال والجنوب، بانضمام دول أوربا الشرقية إلى السوق الأوربية المشتركة، وانشغالها بتطوير اقتصادها والاندماج في الاقتصاد الرأسمالي. لقد كان عقد الثمانينيات عقد إعلان موت التنمية في غالبية الدول النامية، فقد تجاوزت معدلات النمو السكاني معدلات النمو في دخل الفرد، ولم تعد اقتصاديات تلك الدول قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من القوى العاملة في قطاعات منتجة. (ص 35) وتعاظمت مستويات البطالة المكشوفة والمستترة وتحولها -من ثم- من كونها ظاهرة مرحلية إلى أخرى دائمية، فزاد اختلال موازين الحياة بفعل زيادة الفقر وما يرافقه من انهيارات اجتماعية. إن خاتمة عقد الثمانينيات أعلنت أن تحولاً تاريخياً في مسيرة التنمية، بات ضرورة حضارية بكل أبعادها الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والأخلاقية، وهو ما يشغل د.باسل البستاني في كتابه هذا. إن (جدلية نهج التنمية ...)، يعد مشروعا حضاريا بعمق اقتصادي، فهو أكبر من أن يكون برنامجا اقتصاديا وتنمويا لمرحلة زمنية معينة، أو لبلد ما، وأكبر من أن يكون قراءة لتقارير الأمم المتحدة كما تصوره بعض القرارات الصحفية الاعتيادية . إنه مشروع واضحة مفاهيمه ومنهجه وفلسفته وأهدافه ووسائله، وهو نتاج وعي عميق بمعطيات تاريخ التنمية بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وهو نتاج معاناة إنسانية وأخلاقية نبيلة تولدت من معايشة المؤلف لمراكز القرار الاقتصادي في البنك الدولي، وغيرها من مراكز القرار الاقتصادي العربي والأجنبي، لكونه مستشارا اقتصاديا مرموقا، والمشروع نتاج حلم بالتغيير وبناء أوطان تحترم الإنسان، وتعده القيمة العليا في الحياة. إن نهج التنمية البشرية المستدامة، يقدم نصاً معرفيا اقتصاديا تفاعل مع معطى معرفي اقتصادي، تجلت نصوصه في تقارير التنمية البشرية المستدامة، التي أصدرها البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، متفاعلا معها في إعادة إنتاج معرفي للمشروع في رؤية إعادة قراءة النص الأصلي، لينتج نصا جديدا لا يتجاوز الأصل، ولا ينطوي داخله. لقد مثلت شبكة المفاهيم التي تناولها الكتاب تعبيرا عن دقة العلاقة بين نص المؤلف ونص البرنامج الإنمائي من خلال دقة تحديده للمقاصد الرئيسة للمشروع التنموي، ومن حيث مماثلته للنص الأصلي، وتعاونه معه في إنتاج مشروعه الجديد، الذي قام على إستراتيجية مهمة في إعادة إنتاج نصه الجديد باعتماده تحليل المفاهيم التي تعد الفضاء المعرفي الأكثر سعة في تحديد خصائص المشاريع الحضارية، ومقاربتها مع الفكر الإسلامي والفكر العربي في مقارنة واعية تكشف عن أبعاد التشابه والاختلاف لتعميق التواصل الكفوء والخلاق بين المشروعين الحضاريين العربي والغربي. وبغية الوقوف عند أبعاد هذا المشروع سنتناولها على النحو الآتي : أولا : البعد الفلسفي: إذا كانت الفلسفة هي صناعة الأدلة ودقة استنباطها وعمق تحليل الظواهر الاجتماعية والانسانية والكونية والأخلاقية، فإن نهج التنمية البشرية المستدامة يقف على عتبة فلسفية قوية، وينطوي على جوهرها الخلاق. يتشكل البعد الفلسفي للمشروع في الرؤية النقدية التي يُقيِّم بها د. البستاني معطيات نظرية النمو في صيرورتها وسيرورتها التاريخية، من خلال رصد دقيق لتلك السيرورة عبر العقود الخمسة الماضية، دون إغفال الإشارة إلى طبيعة نظرية النمو التقليدية (الكلاسيكية)، وعلى الرغم من أن رواد النظرية الأوائل لم يغفلوا البعد الاجتماعي البشري في النمو، فإن مجيء نظرية المنفعة الحدية في أواخر القرن التاسع عشر، أحدث تحولا نوعيا مهما في التوجه النظري الاقتصادي، شمل الاسم والمضمون، فلم يعد الاقتصاد السياسي الذي صاغته النظرية الكلاسيكية وأدواته التحليلية، حاضرا في العقل الاقتصادي، بل تحول إلى (اقتصاد) يركز على سلوك الفرد والمنشأة في بيئة تجريدية لوجوده. (صفحة 41) يرى البستاني أن هذه النظرية أفرغت (علم الاقتصاد) من محتواه الاجتماعي، وأدى هذا العلم -ولاسيما بعد أن تبنت المدرسة الكلاسيكية الجديدة اتجاهاته التحليلية- إلى موجة من الانتقادات العنيفة من الاشتراكيين والعديد من علماء الاجتماع والمفكرين، التي ظلت تتسع وتتنوع لتسفر عن اتجاهات فكرية وتيارات اقتصادية جديدة. إن المدرسة الكلاسيكية الجديدة هي امتداد للنظرية الكلاسيكية تمكنت من الهيمنة على علم الاقتصاد فكرا وتحليلا طيلة ثلاثة عقود، بدءا من الستينيات إلى نهاية الثمانينيات، أساسها الفلسفي هو اعتماد حرية السوق وتحديد دور الدولة الاقتصادي، وهو التيار الذي قاده هايك ومن بعده فريد مان، في محاولة لإزاحة الفكر الكينزي من ساحة التأثير الاقتصادي. إن تعاظم المشاكل الاجتماعية والاقتصادية لمعظم سكان العالم، وثبوت قصور الأطر النظرية وسياساتها الاقتصادية والاجتماعية، كما تمثلت في نظريات النمو الاقتصادي الجديدة الخاصة، كل ذلك فرض ولادة اتجاهات اقتصادية جديدة أدركت أهمية البشر في قضايا النمو والتنمية، ومن هنا ابتدأ المخاض لولادة التنمية البشرية المستدامة في محاولة بإعادة التوازن والانسجام بين النظرية وامتدادها الواقعي (صفحة 41). لقد بلورت هذه المدرسة رؤيتها في نظرية النمو على أساس أن النمو يشكل شرطا ضروريا وكافيا لتحقيق التقدم الاقتصادي، وإن الدخل هو المؤشر الرئيس لقياس الرفاهية، ولا فرق بين النمو والتنمية، فهما مفهوم واحد. وقد قامت السياسة الاقتصادية والاجتماعية لهذا الأنموذج على أساسين: الأول – ضرورة تشجيع الاستثمار الوطني والخارجي. الثاني – تأكيد ضرورة التقشف، ولاسيما للفئات الأقل حظا من السكان بهدف تعزيز النمو الاقتصادي، مستندين في هذه الرؤية على قناعة مفادها، أن تعاظم النمو الاقتصادي سيخلق حتما منافع كبيرة لاحقا تعود بالخير على السكان. غير أن الجمع بين النمو الاقتصادي و الإنصاف في توزيع عوائده، لا يمكن أن يحصلا في آن واحد، بل في نمط تتابعي، يجب تحقيق النمو أولا، ثم يأتي بعده التمتع بمنافعه. إن هذا الأنموذج لم يحقق العدالة والإنصاف في إدارة النشاط الاقتصادي والاجتماعي فتعاظمت المشاكل الاجتماعية والاقتصادية في النظام الرأسمالي مثل غيره، الأمر الذي مهد لانتقادات عديدة لهذا الأنموذج يرصدها البستاني في النقاط الآتية : 1- إهماله الجانب الاجتماعي. 2- عدّه العامل البشري وسيلة وحسب. 3- عدم قدرته على إدامة النمو الاقتصادي. 4- تدميره للبيئة بأسلوبه غير العقلاني في استعمال موارد الطبيعة (صفحة 42). 5- انحسار العدالة والإنصاف في توزيع المنافع ما دامت الأولوية لتحقيق النمو. لقد كانت التكلفة الاجتماعية والأخلاقية لهذا الأنموذج باهظة جدا، الأمر الذي فرض البحث عن البديل الأفضل، فكانت (نظرية التنمية التقليدية) التي برزت بعد الحرب العالمية الثانية بفعل استغلال العديد من الدول النامية وتطلعها إلى تحقيق النهضة الاقتصادية والاجتماعية لدعم مشروعها التحرري. وكانت مدرسة أمريكا أللاتينيه ممثلة باللجنة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية، أول من قدم مفهوما دوليا لتنمية, معتمدة نظرية هارود- دوما ولويس، ثم ميردال وهيرشمان مصدرا أولا لها, ثم اعتمدت نظرية الاعتماد على الذات بوصفها تجربة مهمة لدول أمريكا اللاتينية في التنمية . لقد أكدت هذه النظرية على جملة من الأهداف يستعرضها البستاني على النحو الآتي : 1- ضرورة اعتماد توزيع منافع التقدم الاقتصادي لصورة أكثر عدالة. 2- حضور فرص عمل للقوى البشرية المتزايدة. 3- توفير الحاجات الأساسية للسكان (ص43). لقد تم التأكيد في هذه النظرية على دور الدولة الريادي في تحقيق أهداف التنمية المطلوبة، التي خلقت مزيجا من السياسة الاقتصادية والاجتماعية والحداثة. وعلى الرغم من سيادتها طيلة عقدي الخمسينيات والستينيات وما اكتسبته من زخم بشمولية أبعادها وسعيها إلى تحقيق التوازن بين الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، إلا أن مسيرتها -كما يؤكد د. البستاني- قد وصلت إلى طريق موصدة, فكان حصادها في موطن انطلاقها مرّا, تمثل في وقوع إختلالات هائلة اقتصاديا واجتماعيا, جسدتها الأعباء المالية المتعاظمة والديون المتراكمة و البطالة والفقر, فقدت معها زخمها وقدرتها على تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية رصينة, لتنتهي كليا مع الأزمة الاقتصادية في الثمانينيات (ص43-44). في مواصلة نقده لنظرية النمو التقليدية يرى البستاني أن المشكلة الأساسية التي احتوتها تلك النظرية هي أنها أخضعت كل رأس المال إلى رأس المال المادي، فكان البعد البشري فيها ضحية عقلانيتها, والبشر فيها وسيلة إنتاج متجانسة كسلعة متوفرة عنصرا إنتاجيا. غير أن بداية التسعينيات بدأت تشهد ولادة نظريات جديدة في النمو الاقتصادي تؤكد على توجه موقع التنمية البشرية وأهميتها في أن القوة الدافعة للتقدم الاقتصادي هي البشر, فأعطت هذه النظريات الأهمية القصوى لنوعية البشر في تحقيق النمو, مؤكدة عكس النظرية التقليدية على أن العامل الذي يزيد الإنتاجية ليس خارجيا، بل (داخلياً)، وهو عامل مرتبط بسلوك البشر المسؤولين عن تراكم إنتاجية عوامل الإنتاج والتقنية. لقد تجسد هذا التصور الجديد في توسيع قاعدة مشاركة العمل البشري بتأكيد أهمية دور رأس ماله الذاتي بوصفه عاملا متلازما منع النمو. وعلى الرغم من تأكيد هذه النظريات على العامل البشري ونوعيته, إلا أن د. البستاني يأخذ عليها أن جوهر رؤيتها ومنطلقها بقي قائما. فـ "العامل البشري ممثلا بالقوى العاملة ما زال يعتبر وسيلة دون غاية، أي عنصر إنتاج تحكمه عوائده وفقا لحاجة السوق، وهذا ظرف في نتيجته النهائية أبقى نظرية تنمية الموارد البشرية قاصرة عن بلوغ هدف التنمية البشرية المتمثل بتحقق التوازن بين دور البشر كوسيلة , وفي الوقت ذاته غاية في عملية التنمية" (ص46-47). أما فكرة الاستدامة فقد ارتبطت بقضية حماية البيئة أول مرة, إذ برزت في إستراتيجية الحماية الدولية التي أقرها الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة عام (1980)، وقد بين النقاط المهمة التي نصت عليها تلك الوثيقة، تأكيد أن تدمير البيئة أصبح فعلا، لم يعد مقتصرا على الدول الصناعية، وإنما تعداه إلى الدول النامية ولاسيما في تلك التي يترافق فيها الفقر مع النمو السكاني، وقد توسع استعمال المفهوم عام (1987) من قبل اللجنة الدولية للبيئة والتنمية بصدور تقرير برند لاند الموسوم بـ (مستقبلنا المشترك)، جاعلا من قضية التنمية المستدامة قضية دولية تشكل هدفا بدول العالم قاطبة، وقد عرّف ذلك التقرير التنمية المستدامة بأنها (تنمية تتضمن حاجات الجيل الحاضر دون تطويق قدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها). وبهذا التقرير يكون الافتراق مع النظرية الكلاسيكية الجديدة قد بلغ مداه، ذلك أن هذه النظرية ترفض أي شكل من أشكال الحاجات الأساسية وترفض كذلك وجود أي احتمالية بوجود محددات للنمو الاقتصادي ( صفحة 47). وبصدور تقرير التنمية البشرية الدولية الأول سنة 1990، عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، وعقد مؤتمر (قمة الأرض) في ريودي جانيرو سنة 1992، ثم بالتوقيع على ميثاق الأرض الذي تضمن وثيقة المبادئ المتعلقة بالإدارة السليمة بالبيئة، يكون مفهوم التنمية قد نال زخما ودعما كبيرين على مستوى النظرية والممارسة، ليصبح هاجسا دوليا يعتني بطرق استعمال الموارد والبيئة من أجل العدالة والإنصاف لصالح الفرد والمجتمع (صفحة 47). فضلا عن الرؤية النقدية التي طرحها د.البستاني وهو يعالج كليات نظريات النمو والتنمية التقليدية وما بعدها، فهو يرصد المواقف النقدية الأخرى من هذه النظريات تلك المواقف التي أسهمت في الكشف عن العديد من المحددات والجوانب السلبية في بنائها، لقد تجلت تلك المواقف في العديد من الأبعاد على النحو الآتي : 1- البعد الاجتماعي (العدالة والتوزيع) وكيفية التعامل معه بعامة، والعامل البشري بخاصة. 2- عدم قدرة تلك النظريات على إدامة عملية النمو والتنمية في جانبها البشري، وفي كيفية استغلالها لموارد الطبيعة على الصعيد التطبيقي. إن محدودية نظريات النمو والتنمية في تحقيق غاياتها، بلورت الرؤى النقدية التي بدأت تظهر تترا منذ بداية السبعينيات وهي: نادي روما والنظام الاقتصادي الدولي الجديد، والاعتماد على الذات وتيار الرفاهية وتقرير ويلي برانت وحركة السلام الأخضر، وتيار الحاجات الأساسية وحركة الإصلاح الاقتصادي والحركة الاقتصادية النسوية. إن الترابط بين هذه الاتجاهات والحركات والتيارات التنموية هو تأكيدها على التنمية البشرية غير أن نهاية الثمانينيات وما رافقها من تطورات وأحداث شكلت مأزقا تاريخيا كبيرا، الأمر الذي فرض تأمل البحث في الخروج من المأزق التاريخي الذي انزلقت إليه البشرية، لقد كانت المعاناة البشرية كبيرة من جراء تطويره لإمكانياتها في البناء والأداء، ولطاقاتها في الخلق والإغناء، فكان لابد من البديل. وكذلك القصور الفكري السائد وسياساته التي أفقدته العقلانية فرض التوجه للبحث عن بديل كذلك، الأمر الذي أصبح معه مفهوم التنمية البشرية ضرورة تاريخية وعلمية تخطت معطيات نظريات النمو التقليدية والجديدة، مؤكدا على أن المشاكل الاجتماعية قد يخلقها نمط النمو ذاته، وأن معالجة هذه المشاكل تكون أكثر فاعلية وأقل تكلفة إذا رافقت النمو الاقتصادي ولم تكن لاحقة له، فالعامل الإنساني ليس وسيلة حسب بل هو غاية، وهذا هو الأهم. وبغية أن لا تضيع جهود التنمية البشرية المستدامة، يرى د. البستاني أن الهدف المركزي هو ضرورة خلق بيئة اقتصادية واجتماعية وسياسية تمكن الناس من توسيع قدراتهم، ومن استعمالها بصورة مفيدة، الأمر الذي يترتب عليه توجه جديد للإستراتيجية والسياسية التنموية، يستهدف احتواء الجانبين الاقتصادي والاجتماعي في بوتقة واحدة متوازنة. مع بداية التسعينيات بدأت مرحلة تاريخية جديدة في مسيرة التنمية وتحول نوعي كذلك، فقد بدأ اللقاء الضروري بين تأكيد النمو وتوزيع الدخل وتحقيق التنمية الاجتماعية ثم حماية البيئة. إنه ولادة نهج التنمية البشرية المستدامة الذي يرى د.البستاني أن البشر هم وسيلته وغايته في رؤية أخلاقية ومعرفية وفلسفية تحدد الأساس الفلسفي لمشروعه الحضاري الجديد. ثانيا: البعد المعرفي للنهج والمفهوم: ترسيخاً للرؤية الفلسفية للدكتور البستاني، وبغية تأصيلها يرى في هذا المضمار أن عالمية مطالب الحياة المتجسدة بالحق في الحياة لكافة البشر، لا يقبل التجزئة أو التمييز أو التفاوت، فالبشر كلهم سواء في التمتع بالرفاهية والبقاء، ولا فرق بين موقع أو انتماء، وانه بناء منسجم يحتوي على متطلبات التنمية البشرية مع حيوية استدامتها، وتلك هي (القيمة العليا) لنهج التنمية البشرية المستدامة (صفحة 57). يتجلى مبدأ العالمية هذا في كون التنمية فعالية بشرية عالمية، لا تقتصر على بلد ما إنما هي جهد مشترك بين بلدان العالم، وأنها مثل العلم الذي ما أن يولد في بيئة حتى ينتشر مثل دوائر الماء في بحيرة العالم، ولا يقتصر مبدأ العالمية على (الآن فقط)، إنما يتجاوزها إلى المستقبل وليس في إطار استعمال الموارد وتخصيصها فحسب، بل في الحفاظ على البيئة كذلك. فالبيئة هي ملك العالم، حتى وإن كانت ضمن حدود السيادة. وفي مبدأ العالمية تكمن القيمة الأخلاقية كذلك من حيث الحرص على الإنسان وضمان حاجاته الأساسية الآن ومستقبلا. إن منهج التنمية المستدامة مفهوم ثنائي الأبعاد يلتقي فيه الإنسان العقلاني والاقتصادي: ففي البعد الإنساني العقلاني تتحدد أبعاد العدالة في توزيع الموارد، وفي بعده الاقتصادي تتحدد ضرورات النمو والاستدامة، وفي كلا البعدين تتوسع قدرات البشر عن طريق الاستثمار في الناس، والاستعمال الكامل لهذه القدرات من خلال إطار التمكين (ص 58). إن اتحاد التنمية مع التنمية المستدامة، أنتج (نهج التنمية البشرية المستدامة)، لتعلن عن نفسها تنمية تحقق النمو الاقتصادي، وتحقق توزيع ثماره بعدالة وإنصاف، وتعيد توليد البيئة بدلا من أن تدمرها، تنميةً تمكن الناس ولا تهمشهم، توسع إمكانيات الفقراء واختياراتهم، إنها تنمية تنتصر للناس والطبيعة والمستقبل. في هذا الإطار تأتي قراءة البستاني لمفهوم التنمية البشرية المستدامة وآلياته، وبيان طبيعة العلاقة بين التنمية الوطنية والدولية وتفسير العلاقة بينهما لتهيئة مستلزمات الاجتهاد في المعالجة والانتقال إلى إبداع القرار التنموي المناسب الكفوء الفعال. فهو يؤكد دائما على حقيقة أن تطور آليات التنمية كما هي في التقارير الدولية والوطنية، وآلياتها وأدلتها ومقاييسها، إنما هي وسائل لتعميق التحليل وزيادة كفاءة المقارنات، أما القناعة الحقيقية عند د. البستاني فهي تقوم على أن مفهوم التنمية البشرية يتضمن أبعادا تفوق في نطاقها إمكانية مقياسها مهما بلغ هذا من الكفاءة، إنها تلك القناعة التي تفرض استمرارية عملية التطوير التحليلي والفني، وصولا إلى أعلى مستويات الرصانة العلمية والمصداقية (ص79). يمثل نهج التنمية البشرية المستدامة في ضوء قراءة د.البستاني أنموذجا معرفيا يتمثل في عمق المفاهيم التي يقوم عليها بناؤه الموحد، تلك القراءة التي تعطي عمقا عقلانيا يحفظ وحدة البناء وتماسكه المنهجي والفلسفي والمعرفي والعملي، من خلال شمولية الثنائيات التي تشكل وحدة البناء وتناسقه وارتباطات أجزائه وتوازنها. تتجسد الثنائيات التحليلية كما يشخصها د.البستاني في الآتي: 1. الثنائية الجامعة المتمثلة في التنمية البشرية والاستدامة: وهي تقدم صورة كلية للنهج في دمجها لطرفيه الرئيسين، وهما: التنمية البشرية والاستدامة، إنها المظلة التي تحتوي بقية الثنائيات المكونة للنهج، غايتها الامتداد المستقبلي الذي يجسده بعد الاستدامة. 2- الثنائيات الدافعة والقدرات والاستخدامات: وهذه تعرض طبيعة العلاقة القائمة والمستهدفة بين عملية تكوين القدرات البشرية من جهة، والفرص المتاحة أمامها لاستخدامها بصورة منتجة من ناحية أخرى، إن هذه الثنائية تمثل القاعدة التي يستند عليها النهج برمته. 3- الثنائية االمانعة: وهي النمو والتوزيع، وتتضمن هذه الثنائية طبيعة التفاعل بين النمو الاقتصادي ونمط توزيعه، ومتطلباته من جهة، ونمط توزيع المنافع التي تنبثق منه من جهة أخرى، إن هذه الثنائية هي الأكثر إثارة للجدل بما يفرزه التعامل معها، من تباين في القناعات وتناقض في الآيدلوجيات والمواقف على الصعيدين النظري والتطبيقي. 4- الثنائية الرافعة: وهي الحاكمية والديمقراطية والتشاركية، إذ تختلف هذه الثنائية عن غيرها من الثنائيات في ارتباطها بطبيعة النظام السياسي الملائم لتفعيل تطلعات النهج، وكلما افتقد النظام مقومات المساءلة والشفافية، كانت البيئة صعبة على الديمقراطية وانفتاحها، ومنغلقة على المشاركة والحرية الإنسانية، وتطوّق فيها الخيارات البشرية، وتنعدم العدالة المغذية للعطاء والإغناء (ص 85). ولأنه لا قيمة للمنهج مهما كان دقيقا، دون أن يتحول معطاه المعرفي إلى واقع من خلال السلوك والانجاز والتطور، وقد عمل البستاني على تحديد العوامل الفاعلة في تحويل الثنائيات إلى واقع يحقق طموحات البشر في الحق والعدالة والمعرفة والأمن، فهو يرى أن الثنائية الجامعة وشموليتها إنها الحاضنة للتتابع الترابطي لمحتويات النهج، من حيث المنطلق والقناعة والمستلزمات التي يتضمنها، فهو يرى في منطلقاتها أنها من الناس وإلى الناس وبوساطة الناس، وإنها تجسد الاعتبارات المركزية التي تعكس فلسفة النهج، وتشكل –كذلك- اطرا لتوجه ومسار السياسات الاقتصادية والاجتماعية المطلوبة لتفعيله وتعزيزه. ويمثل النهج بدائل قرار ومسار للدول كافة، المتقدمة منها والنامية، تأكيدا لحقيقة أن الحقوق الإنسانية لا تتجزأ (ص 86-87). أما فيما يتعلق بالقناعات، فإنها مرتبطة بمنطلقات النهج، وهي التي تعمل على تثبيت منطلقاته، وتشكل حالة الانسجام والترابط بينها شرطا ضروريا لضمان اتساق المنهج، وأهم القناعات التي يشير إليها البستاني هنا : 1- أن تشكل عملية خلق الروابط بين النمو الاقتصادي والتنمية البشرية ودعمها، أهم مشاغل التحليل التنموي، وللدولة دور حيوي في توفير البيئة الملائمة لتحقيق كفاءة إنتاجية وتوزيع عادل للدخل، وتأكيد هذا الدور من خلال تعزيز الروابط بين النمو الاقتصادي والتنمية البشرية. 2- تركيز المفاهيم الحيوية للأمن البشري على أمن الناس، وليس على أمن الدولة فقط. 3- تقليص الديون المالية والاجتماعية والديموغرافية والبيئية وإلغاؤها. و بغية أن لا تظل هذه المنطلقات والقناعات في أطر التجريد، فلابد من مستلزمات أساسية تحولها إلى واقع وحياة، يرى البستاني أن هذه المستلزمات هي : 1- بناء سياسة اقتصادية واجتماعية تحقق التوازن بين الاقتصادي والاجتماعي والحفاظ على البيئة وتعجيل معدلات النمو الاقتصادي والقضاء على الفقر والديون. 2- توسيع الأسواق وتفعيل مزاياها بصورة أكثر توازنا، بحيث تجمع بين العدالة والكفاءة والاستدامة، لأنها ليست غاية في ذاتها، إنما هي وسيلة للتنمية، ودورها خدمة الناس لا أن يخدمها الناس. 3- دور الدولة كونها تمثل أهم أداة لتنفيذ الاستراتيجية (ص 88). 4- أبعاد التنمية البشرية والاستدامة: لما كانت التنمية المستدامة تستهدف حماية الناس في الحاضر والمستقبل، فهي إذن امتداد مستقبلي للتنمية البشرية، وأن مفهومها لا يقتصر على البعد الزمني، أو مجرد حماية البيئة المادية والموارد، بل يتجاوزه بشمولية إلى احتواء أبعاد اقتصادية واجتماعية وبيئية حيوية (ص 90). ويؤكد البستاني أنه على الرغم من أن نهج التنمية البشرية المستدامة بكل سعته وشموليته وتوازنه وإنسانيته، بما يعكس القيمة العليا لهذا النهج، إلا أن قضية التنمية من رؤية النهج لم تُحسم بعد، إذ ما زالت تواجه تحديات قوية، الأمر الذي يستوجب التواصل في استشراف مساره على صعيدين: الأول: البحث في منابعه الفكرية، والثاني: في إمكانية تحقيقه عمليا. إن التنمية بكل تجلياتها الفكرية والعملية، إنما هي ابنة النسق الحضاري الذي تولد فيه، تحمل فلسفته وعقيدته ومنهجه ورؤيته للحياة والعالم.. ولقد كان أحد أسباب فشل التنمية في الوطن العربي بعد جهد ما يقارب نصف القرن، ابتدأ من خمسينيات القرن الماضي، هو أن منابع التكوين الفكري للتنمية كانت مستوردة بشكل فج، ولم تدخل آلية النسق الحضاري العربي الإسلامي بكفاءة، ولم يمتلك مستوردوها الرؤية النقدية التي تمكنهم من إخضاع تلك الآليات إلى مستلزمات النسق الحضاري العربي الإسلامي، لقد أدرك د. لبستاني هذه القضية من خلال إعادة صياغة نهج التنمية البشرية المستدامة في كتابه هذا قيد الدراسة، وتأصيل فلسفتها وآلياتها من خلال المعطى التراثي العربي الإسلامي المؤسس على نصوص الشريعة الأصلية -القرآن الكريم والسنة الصحيحة- وعلى نصوص الشريعة ذاتها. لقد كان الفصل الخامس متألقا في اكتشاف طبيعة العلاقة بين النهج والتراث الإسلامي، الأمر الذي يعزز عمل المشروع الحضاري الذي يطرحه البستاني ويدخله النسق الحضاري العربي الإسلامي، بشفافية وعمق ليمارس دوره في التغيير والبناء، فيحدد أوجه التلاقي بين التراث والنهج، من دون أن يغفل أوجه الاختلاف، وهي تباين المصدر، فالتراث العربي الإسلامي في هذا المضمار استنبط أفكاره من القرآن الكريم والسنة الصحيحة، فهو في جوهره إلهي كما يقرر البستاني، في حين أن مصادر النهج الفكرية هي نتاج خلق دنيوي. فإن كون المصدر هو القرآن الكريم والسنة الصحيحة، فهذا يؤكد أحادية المصدر ووحدته، في حين أن النهج هو نتاج تراكمي تعددت مصادره وتنوع تطوره. وعلى صعيد المنهج، فالقرآن الكريم والسنة قد تركا للعقل الإنساني مساحة واسعة لاكتشاف مستلزمات المرحلة التي يحياها، والتطلع إلى المستقبل وتهيئة الوسائل المناسبة لتفعيلها في الممارسة. في حين أن النهج –منهجيا- يتحدد المعيار والممارسة فيه نسبيا حسب الزمان والمكان، أما من حيث الشمولية، فمهما اتسعت شمولية النهج من حيث التغطية والمضمون، فهي لا ترتقي إلى شمولية مصدر التراث ومعطياته، ذلك أن النهج دنيوي متغير، في حين أن مصدر التراث ثابت، ديناً ودنيا (ص 107-108). أما مواقع اللقاء فيحددها البستاني بالآتي: 6- الإطار العام: يتعلق هذا الموقع بالفلسفة والتوجه والأبعاد، إذ يلتقي الاثنان في الإطار العام عند الإنسانية من حيث كون التراث والنهج دعوتين موجهتين للبشر، وفي العالمية من حيث كونهما موجهين للعالم كافة، وفي الشمولية، من حيث يغطي القرآن الكريم والسنة الصحيحة جوانب الحياة كافة، إذ في إطار التوحيد تتحدد الرؤية الاقتصادية والاجتماعية والعدالة.. في حين يؤكد النهج رؤيته للإنسان من خلال التنمية، فيحدد حقوقه المادية والروحية والمعنوية (ص 108-109). ولكن مهما كانت نقاط الالتقاء هذه تبدو متشابهة، غير أن كثيرا من مضامينها تختلف كما تحددها مصادر التراث العربي الإسلامي، عن تلك التي يدعو إليها النهج، ولنا في العدالة مثالٌ على ذلك، فالعدالة في نصوص القرآن الكريم والسنة الصحيحة يحددها طرف محايد هو (الله عز وجل)، في حين أنها في النهج تحددها مصالح البشر، وغالبا ما يحددها الأقوى. والأمر الثاني هو اختلاف موقع الإنسان بين الاثنين، فالإنسان في القرآن الكريم هو خليفة الله عز وجل، والسجود له واجب إلهي، والسجود هنا يعني احترام كرامته وحريته وحقه في الحياة وتوفير مستلزمات نهضته وتطوره علميا وأخلاقيا، في حين أن الإنسان في الفكر الوضعي الاقتصادي ليس أكثر من رقم ووسيلة انتاج وعنصرا من عناصره، حتى إن قررت الأمم المتحدة (أن الناس هم الثروة الحقيقية للأمم) (ص 110). 7- وحدة البناء الإنساني: لقد تحرر النهج في رؤيته الأوربية للإنسان من نظرة الكنيسة التي حكمت تلك الرؤية قروناً عدة، القائمة على (ثنائية) مزقت وحدة الوجود البشري بين (روح)، مرجعها سلطة الكنيسة و (الجسد) الذي تمتلكه الخطيئة، ومرده إلى الشيطان. فإن عصر النهضة الأوروبية أكد رفضه لهذه الرؤية وتأكيده على وحدة الإنسان (الروح والجسد)، وأصبح في مسيرة تطور فكر النهضة، القيمة العليا والمعيار الرئيس للحقيقة والحق. أما في النصوص التشريعية المؤسِسة للتراث العربي الإسلامي -القرآن الكريم والسنة الصحيحة- فإن تلك الثنائية غائبة أصلا، ولا خطيئة تسكن الإنسان، وإنما خُلق في أحسن تقويم ومنح مستلزمات إدراك العالم، وقد تاب الله عز وجل على آدم الأول ومنحه مقومات الهدى والتوبة، ليستحق بذلك موقع الخلافة من دون التخلي عن الله تعالى بوصفه المعيار المطلق للحق والحقيقة، على خلاف فكر النهضة الذي استبعد الله تعالى من ساحة الوجود إلا في زاوية الكنيسة. 8- موقع حقوق الإنسان: إن حقوق الإنسان في القرآن والسنة الصحيحة هي جزء من أحكام الشريعة، ومخالفتها تعد مخالفة لأحكام الله تعالى، غير أنها مرهونة بواجبات هي رديفتها، فالحقوق في الإسلام مسبوقة بواجبات، إلا ما استثنى الهق تعالى في ذلك من حالات كالعجز والمرض وما إلى ذلك. والحقوق سواء في القرآن الكريم أو السنة أو الفكر المنبثق عنهما أو في النهج، فهي تعبير عن احترام الإنسان وحمايته نفسيا وجسديا (ص 111). إن المشروع الحضاري لنهج التنمية البشرية المستدامة في بعديه الإسلامي والوضعي، إنما تحكمه اعتبارات أخلاقية في إطار التعامل مع حقوق البشر، تؤكد حق الحياة والرفاهية والمساواة والإنصاف وحماية حقوق البيئة والأجيال القادمة ومواجهة الفقر، على صعيد التوجه والموقف (ص 112). لقد أكد المشروعان على جملة من الحقائق في إطار حقوق الإنسان يؤشرها البستاني بالحياة والحرية والاعتقاد والمعرفة والعدل والمساواة والتعبير عن الرأي والعمل والشورى وغيرها.. غير أن القرآن الكريم كان قد قدمها للبشرية بوصفها أساسيات الفوز والتمكين في الأرض والفلاح في الدارين. في الفصل السادس ينتقل البستاني إلى عرض الوجه الآخر للالتقاء بين النهج والتراث، ليقف عند مجالين مهمين في هذا الميدان هما: الثنائيات والتراث، ثم رأس المال الاجتماعي والتكافل الاجتماعي، ليحلل من خلالهما آليات التطبيق التي يتحول المشروع بها إلى واقع حي يمارس فعله البنائي والتغييري. لما كان الإنسان هو أغلى ثروة وهو محور التنمية، لكونه وسيلتها وغايتها في الثنائية الجامعة، فإن آلية التطبيق تفترض أن توسَّع آفاق الاختيار المادي والمعنوي، حاضرا ومستقبلا، في ظروف يسودها العدل والمساواة في إطار عالمية حقوق الإنسان. ولما كانت الثنائية الدافعة تقرر امتلاك الإنسان لقدرات وإمكانيات ذاتية متفتحة على التطوير عقليا وجسديا، فإن التعليم والتأهيل واكتساب المهارات، هي الآليات اللازمة للتطبيق، أي تفعَّل تلك القدرات والارتقاء بها إلى أعلى المستويات، ويعد ترافق النمو مع عدالة توزيع منافعه أهم آليات تطبيق الثنائية المانعة التي هي عملية إنتاج السلع والخدمات وما تولده من نمو ينبغي أن تعود منافعه على الجميع، وأن يكون الإنسان حرا في اختياره وقراره، ومشاركا في تحقيق مسار حياته. أما في الثنائية الرافعة، فالأمر يحتاج إلى الديمقراطية والمشاركة (ص 125). إنها خلاصة دقيقة لجوهر النهج وبنائه التحليلي الذي يعكس صورة حقيقية لآليات التطبيق التي يعود إلى تفصيلها الدقيق فيما تبقى من الفصل، مؤكدا حقيقة الوصول إلى قناعة مهمة، هي أن المسألة لم تعد مسألة تشابه بين النهج والتراث، وإنما هي مسألة توافق بين التوجهين. أما فيما يتعلق برأس المال الاجتماعي بوصفه بديلا عقلانيا، وتطبيقا لمساري التنمية الليبرالي والاشتراكي، فيوضح البستاني أن هذا الخيار جاء نتيجة فشل سجل إستراتيجية التنمية الدولية في الأغلبية الساحقة من الدول النامية، الأمر الذي دفع عديداً من المفكرين إلى البحث عن مسار جديد يحقق العدالة في توزيع منافع النمو الاقتصادي. ينطلق جوهر مفهوم رأس المال الاجتماعي من القناعة بأن الآيديولوجية الاقتصادية السائدة -النمو الاقتصادي والرفاهية الاقتصادية- لم تعد قادرة وحدها على بناء نسيج اجتماعي متوازن، فلا بد من البديل, فكان رأس المال الاجتماعي هو البديل الذي أصبح بالنسبة للبعض (الحلقة المفقودة) المطلوبة لتجاوز تعثر مسار التنمية (ص133). يخصص البستاني الفصل السادس لتوضيح مفهوم رأس المال الاجتماعي وبيان علاقته بمعطيات التراث العربي الإسلامي ومصادره الأصلية، فيستنتج من تحليله للتعريفات المتعددة لرأس المال الاجتماعي، أنه يتضمن ثلاثة أبعاد مهمة هي: أ- إنه (علاقة) اجتماعية تعاونية ترابطية تمثل فعلا أو تمهد له. ب- تأكيد (المحتوى) لهذه العلاقة من حيث كونها (شبكه) بين الأفراد أوالمؤسسات أو التنظيمات التي غالبا ما تكون غير رسمية. ج- إن التأكيد يرد بالنسبة إلى (الدوافع والنتائج) المترتبة على وجود هذه العلاقة الاجتماعية، مثل: الثقة والقيم السلوكية والسلوكيات المتبادلة (ص132). إن رأس المال الاجتماعي هو شكل من أشكال رؤوس الأموال المعروفة: رأس المال البشري أو المادي أو المالي أو الطبيعي, ويعد رأس مال محددا، لأنه يتراكم ويحتاج إلى استثمار أو رعاية, ويمكن قياسه فضلا عن تضمينه سلسله من القيم, ولا ينتهي بالاستخدام أو الاستهلاك (ص136). يتضمن رأس المال الاجتماعي جملة من الخصائص، منها: احتواؤه على قيود معيارية قيمية، مثل الثقة والإخوّة والرعاية والتفاعل الاجتماعي, ولا يمكن استبداله، ولكونه جزءا من المجتمع المدني، فإنه بذلك يدعم المجتمع بمكوناته الأساسية الثلاثة: الدولة والسوق والمجتمع المدني. وتكمن أهمية رأس المال الاجتماعي كما يحددها البستاني -وهو يستنبطها من قراءة للفكر الاقتصادي والاجتماعي الذي تضافرت جهوده في صياغة المفهوم- بالآتي: 1- أدخل البعد الاجتماعي في المناقشات الجادة للتنمية الاقتصادية، وهذا يعد تحديا نوعيا، وتطورا تاريخيا ونظريا مهما قاد إلى فتح آفاق واسعة لإنتاج معرفي غني ورصين في تفسير مسارات التنمية الاقتصادية والأداء الاقتصادي. 2- عقلانية المفهوم شكلت وعدا بإيجاد (طريق ثالثة) في مسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية, وأصبحت كذلك شرطا لضمان الديمقراطية التي لا يمكن أن تكون في مجتمع لا يعرف الإنصاف والاستقرار. 3- يبقي على التماسك الاجتماعي الذي يولده المجتمع المدني وتحتضنه التنمية الاجتماعية, الذي يهدده الأقصاء الاجتماعي , لذلك ساوى البنك الدولي بين مفهومي رأس المال الاجتماعي والتماسك الاجتماعي، باعتبار رأس المال الاجتماعي مفتاحا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. 4- يعزز الشبكات الاجتماعية وتبادل المعلومات المطلوبة لتحقيق الفعل الجماعي, الأمر الذي يؤدي إلى احتواء عنفوان الفردية المطلقة, وخلق التوازن في طريق بث روح التعاون, الأمر الذي يعزز الحالة الروحية والهوية والانتماء (ص138). وعليه فإن تفعيل رأس المال الاجتماعي، على مستوى النظرية والتطبيق، سيحدث أثارا مهمة في المجتمعات الإنسانية ترتقي بها إلى مستويات عليا من الإنصاف والعدالة والكرامة, فهو يساعد على بيان تأثير التماسك الاجتماعي في الأداء الاقتصادي من خلال قدرته على دراسة وتحليل دور وآثار عديد من الظواهر الاجتماعية المهمة, مثل البطالة والفقر والتماسك الأسري وأطفال الشوارع وما إلى ذلك, وكذلك إذا كان رأس المال الاجتماعي عند مستويات عالية في المجتمعات, فإنها تمارس مستويات أعلى من الأداء الاقتصادي والاجتماعي. وكذلك يعمل وجوده على خلق ظرف ملائم لتطور قطاع الأعمال، لأنه يساعد على توضيح أثر التماسك الاجتماعي في الأداء الاقتصادي، بما يحتويه من تعزيز للثقة والتعاون والترابط على المستويين العام والخاص, وله القدرة كذلك على خلق مجتمع صحي بحكم ثبوت العلاقة الطردية بين الصحة العامة والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي, وكذلك يدعم وجوده (رأس مال المعلومات) ولاسيما تلك المبنية على الثقة (ص 138-139). وبغية المقارنة مع رأس المال الاجتماعي يطرح البستاني مفهوم التكافل الاجتماعي، الذي يحظى بموقع مركزي في الفكر الاقتصادي الإسلامي ومصادره الأصلية -القرآن الكريم والسنة الصحيحة-. إن التكافل الاجتماعي هو علاقة اقتصادية اجتماعية أخلاقية في إطار مستويات متعددة تبدأ في الأسرة وتنتهي في الدولة, وتوجه الانفاق نحو الجهات التي حددتها الشريعة, تلك التي تفرضها مستجدات التغيير الاجتماعي, وهو بهذا يعد أحد فروض الشريعة في البناء الاجتماعي، وحدوده هي الحاجات الأساسية للفرد من مأكل وملبس ومسكن، وغايته تحقيق التماسك الاجتماعي وتعزيز قيم الأخوة والعدالة والإنصاف، التي رسمت أبعادها ومضامينها الشريعة الإسلامية. وعلى خلاف ما يرى البستاني من أن مصادر تمويل العطاء هنا هي طوعية فيما يتعلق بالتكافل الاجتماعي – فإن المسألة ليست كذلك– إنما هي فروض مالية واجبة في المجتمع المسلم، فآية الصدقات مثلا التي اتفق الفقهاء المسلمون على أنها آية تحديد مصارف الزكاة، لا تترك خيارا لأحد أن يعطي أموال زكاته أم لا، وإنما تبين فرض العطاء وتحديد من يستحقه، ذلك أن القرآن الكريم قد بين أن هناك حقين في المال للمجتمع: حق معلوم (وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم) الذاريات/الآية 19، وهو الزكاة التي فصلت السُّنة أنواعها ومقاديرها، وحقٌ معلوم غير محدد، (وفي أموالهم حق للسائل والمحروم ) المعارج/الآية 24. وفي إطار إدراك أخلاقيات الإنفاق العام والخاص في الاقتصاد الإسلامي، كما حددتها أحكام الشريعة، وإدراك طبيعة الملكية في الإسلام التي تقوم على الاستخلاف العام (ملكية الدولة) والخاص (ملكية الأفراد)، وأن الملك كله لله تعالى، يدرك المرء أن لا خيار في الإنفاق بل هو أرقى الفروض المالية وأكثرها أهمية في المجتمع. إن قراءة تقارير التنمية البشرية، ومفهوم الرأسمال الاجتماعي، يؤكدان على حقيقة مهمة هي: حضور الفكر الاقتصادي في البنية النظرية لهذا العطاء، تكشفه الدراسات المقارنة، إذ تُعَدُ دراسة باسل البستاني واحدة من هذه الدراسات المهمة، وقد أثارت تقارير التنمية البشرية الدولية تلك، والأدبيات المرافقة لها، استغرابه ودهشته من عدم إشارتها بصورة مطلقة إلى قضية تأثير التراث الاقتصادي العربي الإسلامي في فلسفة النهج ومحتواه. ويؤكد البستاني أن الطريقة التي أُهمل فيها ذكر ذلك العطاء الثرّ بمرجعياته وأدبياته، بما فيها من تجني، وهو موقف يصعب قبوله ولاسيما أنه يتناقض مع منطلقات النهج وتأكيده على الالتزام بالأمانة الفكرية (ص 152). ثالثاً: معاناة التنمية والأمل: في الفصل الأخير من الكتاب يستكمل البستاني أبعاد رؤيته لمشروع التنمية البشرية المستدامة، بالتركيز على تفسير الواقع الدولي للتنمية في جانبيها: عند الدول الصناعية والدول النامية، فيشخص الدواء، ويحذر من مواصلة المعاناة، ويفتح بوابة الأمل على المستقبل من خلال تحديد المستلزمات المطلوبة لنجاح المشروع الحضاري للتنمية البشرية المستدامة. إنه يرى أن العلاقة التي تحكم قطبي العالم (الصناعي/ النامي)، هي علاقة رائد وتابع، ويؤكد أن هذه العلاقة هي أحد أهم أسباب فشل التنمية الدولية للعقود الخمسة الماضية، وبما أن القوى التي خلقت هذين المسارين المتناقضين دوليا، ما زالت فاعلة في التأثير، فإن حالة معاناة الدول النامية ستبقى، الأمر الذي يحتاج إلى حوار حضاري مقارن يهدف إلى تكثيف الإدراك بخطورة الوضع القائم، بغية استشراف مسار جديد يحفظ للإنسانية كرامتها (ص 215). ومن خلال التحليل المقارن بين آليات التنمية وظروفها في الدول الصناعية والنامية، يستنتج البستاني جملة من الفروقات، وعلى النحو الآتي : 1- كان مفهوم التنمية لد

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل