المحتوى الرئيسى

المستشار فؤاد راشد يكتب: عقولنا المستباحة!

06/08 22:13

لا يعرف بعض الكذابين أن للكذب أحيانًا بعدًا آخر غير عدم صدق القول، وذلك هو الاعتداء على عقلية المستمع، وربما انتهاكها أحيانًا، وهو السبب الحقيقي في أن الناس يتهيجون عند سماع بعض الأكاذيب لشعورهم بالإهانة، ولهم ألف حقٍّ؛ لأن مَن يكذب كذبًا خارج نطاق التصديق يَفْتَرِض- بداهة- بلاهة سامعه، وهنا يكمن العدوان، فالكذب فنٌّ عريق وبحر عميق يتوهم البعض أن بإمكانه السباحة على أمواجه فيغرق، فالكذَّاب الواعي المحترف يكذب في حدود ما يُقبل التصديق، وربما دسَّ الكذبة بين عشرات الحقائق كدس السم في العسل، كما تفعل بعض الصحف التي تثور حول توجهها وولائها الحقيقي وأهدافها الخفية وتمويلها، علامات استفهام كل منها بحجم فيل، أما الكذاب الخائب وكذلك الكذاب "المتفرعن" فإنه يمارس الكذب المفضوح على طريقة المقبور الحزب الوطني عليه من الله ما يستحق بزعامة قائد الأوركسترا "أحمد عز" الذي صمَّم على الفوز بكلِّ المقاعد تقريبًا في كلِّ انتخابات جرت أخيرًا، حتى أنه اضطر للتزوير لصالح نائب من خارجه ليقول إن هذه هي طاقة وحدود المعارضة، وكانت الكذبة هي قطعة اللحم الأخيرة التي تأبت على البلع فأودت- ضمن حزمة أسباب طويلة- بحياة المجحوم خنقًا، وانتهت بقائد الأوركسترا إلى حيث يرقد في سجن مزرعة طره، ومعه باقي رفاق النضال، والبقية في الطريق!   أليس من قبيل الكذب المفضوح المهين للعقول أن يندد زكريا عزمي بفساد المحليات الذي وصل إلى الركب- على حدِّ قوله- بينما كان هو نفسه مضطرًا رغم طول قامته أن يرفع رأسه حتى يستطيع أن ينطق؛ لأن الفساد وصل إلى مستوى ذقنه، وكان يتنفس فسادًا داخل قلعة الفساد الكبرى، بزعامة الكنز الإستراتيجي للكيان الصهيوني مبارك!   وهل كان صفوت الشريف إلا مستخفًّا بالعقول وهو يحدثنا عن أزهى عصور الطهارة والديموقراطية، وحتى في لحظات ما قبل السقوط كان يقول جملة عجيبة عندما أورد أنهم شامخون- يعني نفسه وباقي أفراد التشكيل العصابي- ولا أدري ما وجه الشموخ؟ وأردف قائلاً: "وحاضنين الناس!!" ولا أعرف ما ذكره في هذه اللحظات العصيبة بالأحضان!!.   وفي الحقيقة إن العلاقة بين المصريين وحكامهم لا تخلو عادة من كذب الساسة على نحو يعكس غباء الحكام من جهة، واستخفافهم بعقول الشعوب من جهة أخرى، وقد كنت أشعر بغيظ شخصي بغير حدود لمَّا كان السادات يستسلم لخياله الجامح السابح في ضباب الوهم، وهو يروي ما يقع في باب "لا تصدق ولا تصدق"! من ذلك مثلاً أنه روى يومًا وهو في حالة مزاجية عالية حكاية مسلية بنبرة مسرحية، مؤداها أن أحد موظفيه ذهب إلى بورسعيد خلسة دون علمه واشترى للسادات- دون علمه أيضًا- تليفزيونًا ملونًا، وفرضت عليه رسوم جمركية باهظة، وقال: إنه ما أن علم بالنبأ الصاعقة حتى صاح في الموظف قائلاً: "خربت بيتي الله يخرب بيتك"! وقد سمعت ذلك من السادات وسمعه الملايين، ولا شك أن السادات قد حمد الله بعد أن هدأ ودبر المال ليرده للموظف، وقال لنفسه: "قضاء أخف من قضاء"؛ لأن الموظف ربما كان تهور واشترى مع التليفزيون جهاز فيديو، وعندها لم يكن أمام السادات إلا أن يجوع عدة شهور ليسدد التكلفة الباهظة ولكن الله سلَّم، وقلت في نفسي حينها: إن السادات يستحق ما جرى له؛ لأنه لو كان له معارف في الجمرك كأمين شرطة مثلاً لسهَّل الأمر عليه، وربما أفلت الجهاز بغير رسوم، ولكن تقصيره في التعرف على النافذين في الجمرك أوقعه في المحظور!   ولم يكن السادات يكذب فحسب، بل كان يمتحن صبرنا وعقولنا وهو يقول: "إنه مَن أسس تنظيم الضباط الأحرار"، بينما كان قد أعلن نحو عشرة آلاف مرة تقريبًا أن مَن أسسه هو عبد الناصر، قال في كتاب بعنوان "يا ولدي هذا عمك جمال"، وقال في مقالات ثم قال عبر الشاشة على مرأى ومسمع من الدنيا، ولم يكن باقيًا إلا أن يلحنها ويغنيها! ولكنه بعد كل ذلك عاد ليلقي النفايات في عقولنا ويقول إنه هو قائد الثورة، وأن عبد الناصر سرقها منه!   ولم يكن السادات يكذب بقدر ما كان يحتقر عقول سامعيه، لما راح يقول تبريرًا لإضافته شاه إيران بعد أن لفظته الدنيا إن الشاه وقف إلى جانب مصر وزودها بالنفط خلال حرب أكتوبر، بينما يعلم القاصي والداني أن الشاه زود الصهاينة بالنفط ليمكن الطائرات من قتل أكبر عدد من المصريين والعرب، وأنه كان لا يكتفي باحتقار العرب بل يجاهر برأيه في كلِّ مناسبة!   وعندما يروي أحدهم أن دولة خليجية أرسلت لمبارك بضع كيلو جرامات من البلح، وصمم بطرس غالي على أداء مبارك للجمارك لآخر قرش، بينما يمر العاملون القادمون من دول الخليج بالبلح دون رسوم جمركية، فإننا لا نكون أمام مجرد كذب بل أمام عدوان غاشم على عقولنا.   وعندما كانت لافتات "نعم للرخاء" ترفع مرفرفة بينما يتضور الملايين جوعًا، ويهيم الملايين تشردًا، وتضيع أعمار مَن فاتهم قطار الزواج جراء البطالة، فإننا لا نكون فحسب أمام سرقة مالنا بل نكون أيضًا أمام نفس الامتهان والاستباحة لعقولنا.   وعندما يقال لنا أن جهاز الأمن حائر في الوقوف بيقين على أكثر قتلة الثوار، فنحن أمام نفس الامتهان لعقولنا؛ لأننا نعرف أن لدينا جهازًا أمنيًّا قادرًا على القيام بدور "الحواه" في إخراج البيضة من رأس الكتكوت، وليس فقط الكتكوت من قلب البيضة، ونحن نقرأ على صفحات الصحف أن اللواء والعميد والعقيد والمقدم ومن دونهم أمسكوا بخيط بدأ بكوب عصير القصب وانتهى بالقبض على القاتل الذي ارتكب جريمته في ضاحية نائية يسكنها العفاريت والمشردون، وتنشر الصور مع ابتسامة النصر بإخراج القاتل ووقوفه ذاهلاً مترنحًا كأنه ثعبان أُخرج من الشق العميق، ولا تملك حيال الأمر إلا أن تضرب كفًّا بكفٍّ إعجابًا بالسادة من اللواء إلى المخبرين السريين!   ولعل مصدر الدهشة أن جرائم القتل لم تقع في شقوق الثعابين ولا الخرابات المسكونة بالعفاريت والمشردين، وإنما كانت في قلب عواصم المدن، وكان أكثرها دموية في قلب قلب القاهرة وهو ميدان التحرير، ولكننا لليوم أصبنا بداء "الحول" لكثرة ما سمعنا من إثبات ونفي، ونفي وإثبات، بينما لا بد لكلِّ شهيد من قاتل، ولا بد من تعقب هؤلاء المجرمين جميعًا دون إفلات أحد.   ولقد لاحظت طوال عمري أنه كلما كان المرء بليد العقل كان أكثر اعتدادًا بعقله، حتى إن ذوي البله المنغولي هم الأكثر اعتدادًا بعقولهم!   قل لي بالله مَن يصدق أن جيش المنافقين والمسبحين بحمد مبارك والواقفين إلى جانبه حتى لحظة غرق السفينة وفرار الفئران منها بخفة ورشاقة، فمَن يصدق أنهم جميعًا صاروا اليوم ثوريين لا يشق لهم غبار، ينظرون ويخططون بينما أحلامهم الحقيقية عند أقدام سيدهم في مستشفى شرم الشيخ!   إن منطق الاستباحة تحول إلى منهج بلغ ذروته بادعاءات بلهاء فارغة تصدر يوميًّا عن البعض، معلنة الحرب على عقول المصريين، والأمثلة لا تحصى، مثلاً ضبط أحدهم في وضع أخلاقي مشين، وحوكم وأدين أمام جميع درجات التقاضي ونفذ العقوبة، وصمت صمت القبور لا شهرًا ولا عامًا بل سنواتٍ طوالاً ثم عاد اليوم ليقول إن نظام مبارك لفّق له التهمة لبزوغ نجمة، وعلو مكانته في فنه، وصلاته برئيس دولة شقيقة! وهو نفس حال متهمين أدينوا بجرائم مختلفة، وحوكموا ونفذ البعض العقوبة، ولاذ آخرون بالفرار من مصر ثم عادوا اليوم ليعاملوا عقولنا كأنها مستودع نفايات دون ذرة حياء، فهذه كانت تغار منها سوزان مبارك، وذلك كان يخشى العادلي بأسه، وذاك كان يهدد نجوم السماء في مكانتها فخشي منه مبارك أو ابنه فأزيح إلى السجن.   لقد فعل نظام مبارك الإجرامي بالمصريين الأفاعيل، ولست مَن يسعى إلى تبييض وجه مبارك ولا وجه نظامه الكالح المجرم اللص، ولست أدافع عنه بالقطع، ولكني أدافع عن عقلي وعن عقول المصريين ضد كل فاقدي العقل، الذين يستبيحون عقولنا، كما أنني أرجو أن يكون منطق استباحة عقول المصريين على يدِّ حكامهم قد جرفه سيل الثورة، وانتهي وصار في ذمة التاريخ.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل