المحتوى الرئيسى

أمانة الكلمة وخطورة المرحلة

06/08 20:29

بقلم: د. محمد جمال حشمت بعد ما تحقق للمصريين من نتائج لثورتهم في 25 يناير كنتُ أتصور أن الإعلام الرسمي الذي شوَّه صورة الثوار طوال وجود مبارك وزبانيته في الحكم قد أصاب المصريين بحالة من "الزهق" الإعلامي، رغم مقاطعة أغلبية المصريين متابعة هذا الإعلام، وأكد أن الحقائق لا يمكن لها أن تختفي أو تشوه للأبد!   لكن بعد الثورة والدخول في التفاصيل وجدنا حالةً من السيولة الإعلامية التي تجعل الجميع يتحدثون فيما لا يعلمون، ويتهمون غيرهم بجمل إنشائية، وفي غيبة خصومهم أو إن حضروا، فالكثرة تغلب الشجاعة، وليُّ المعاني يتصدر الحوارات! أقول- دون تفاصيل- اليوم: إن الإعلام عليه دور كبير في مناقشة الواقع للخروج بحلول وتصورات ووعي، وليس فقط مجرد السباب أو التهويل أو التهوين، وبئست الرسالة الإعلامية وقتئذ!   ما زال المطالبون بإلغاء نتائج الاستفتاء الأخير مشغولين عن العمل بكثرة الكلام والمطالبات التي إن استجيب لها أضعفت حماسة المصريين في حركتهم نحو صناديق الانتخاب، غير الدخول في متاهات عدم الوفاق حول الهيئة التأسيسية وتشكيلها، أو المجلس الرئاسي واستحقاقه، وهؤلاء يستبدلون الصندوق بالميدان، أي أن التغيير في فهمهم أكثر يسرًا بالنزول لميدان التحرير، بدلاً من اللجوء إلى اختيارات الشعب، وهم لا يدركون أن الثورة في مصر نجحت؛ لأنها لم تكن مركزية، بل في كل ميادين مصر، وهو ما لن يتكرر مرةً أخرى في وقتٍ قريب، فلقد كان ميدان التحرير هو الرمز، لكنه لم يكن ميدان النصر، بل كانت كل ميادين مصر وقتها، ورصد ما يحدث فيها هو السبب الرئيسي للتنحي، وفي غياب ميادين مصر لا يعتقد أحد من هؤلاء الداعين للنزول كل فترة لميدان التحرير أنهم يملكون القدرة على التغيير الحقيقي لو استولت قوى الظلام (الإسلاميين) على مجلسي الشعب والشورى- كما يحلو للبعض الحديث-، وأن هذا أسهل بديل عن الصناديق.   إن الثورة مرة ثانية على الحكام العسكر عندما يستمرون في حكمنا بلا خلاص لهو أصعب آلاف المرات من تغيير قوى الظلام (الإسلاميين) من خلال صناديق الانتخاب الشفافة، لمن يريدون الدستور وبقاء العسكر في حكم مصر نقول لهم بالعقل والمنطق: الصندوق الآن أيسر من الميدان الذى صار وحيدًا، وبكلمات أوضح يبدو أن البعض- وهم للأسف من يسيء استخدام الإعلام- يعجز عن الفعل واكتساب الأنصار، فيخشى مواجهة الديمقراطية، ويستعذب حكمًا عسكريًّا، ولله في خلقه شئون!   حادث مقتل سائق في قسم شرطة الأزبكية يلقي بظلال أشد خطورة من البطء في عودة الأمن، وهو غياب الثقة بين الشرطة والشعب، حكى لي صحفي بالأهرام أن ضابطًا أوقفه، ولم يجد معه أوراق سيارته عند منتصف الليل، فصرخ الضابط يستعين بالأهالي للقبض على الصحفي المخالف، وطبعًا الشعب والشرطة "إيد واحدة" فانهال عليه الجمهور لوقفه عند حده، ولولا قلة عدد الجمهور، وضخامة جسم الصحفي لمات كما مات سائق الأزبكية!.   فهل يصبح الجمهور المناصر هنا هو سلاح الشرطة في مواجهة الجمهور المخالف؟ وأين المخبرون المدنيون المتواجدون في حملات الشرطة؟ وما دورهم في ضبط المخالفين والحفاظ على الأمن العام؟ الحقيقة أن ملف عودة الأمن مرة أخرى يفتح ببطء، رغم أن حسمه أمر ميسور؛ فاستكمال المعدات والمباني ليس بأهم من إعادة تأهيل رجال الشرطة الذين لم نجد لهم أثرًا حتى الآن! وغياب قرارات حسم التعامل مع البلطجية حتى هذه اللحظة يربك المواطن العادي، ويجعله يوجه الاتهام القديم بالتعاون الإستراتيجي بين الشرطة والبلطجية، وهو ما لا يرضاه أحد لجهاز الشرطة الذي من المفروض أنه في خدمة الشعب فقط.   ناشدت من هنا السيد رئيس الوزراء الشريف دكتور عصام شرف اتخاذ بعض القرارات أو تأكيد بعض القرارات التي تخفف من حالة الاحتقان التي تنتاب الشارع المصري ولم ينشغل بها مثل: (أولاً) إلغاء كل التعيينات أو الانتدابات التي تمت لمن تجاوز سن المعاش كمستشاري أو مديري المشاريع فورًا واستبدال آخرين بهم من الذين حرموا المناصب القيادية، وتعديل لوائح المشروعات التي تنهب منذ عشرات السنين، وهذا يوقف عبث المكافآت- ذات الأرقام الفلكية- التي يتحصلون عليها ويمنحونها لمن عينهم.   (ثانيًا) محاسبة كل من استبعد أحد الموظفين بشكل تعسفي أو لأسباب شخصية، متعاقدًا كان أو باليومية؛ وذلك لتوفير حالة الأمان الوظيفي في مثل هذه الفترة التي يصعب فيها البحث عن عمل آخر، ولدي شكاوى كثيرة يعاني أصحابها، مثل ما يحدث في مدرسة عزيز المصري الخاصة، أو جمعية صيادلة البحيرة تصفية لحسابات لا تليق الآن بأحد، إلا إذا كان كارهًا للثورة ويقظة الشعب لحقوقه والمطالبة بتحسين ظروفه المعيشية، وهو ما كان يجب أن يلقى تفهمًا لدى المسئولين بعيدًا عن تصفية الحسابات؛ لأنه لو فتح هذا الملف فخسارة المسئولين فيه أفدح!   ومن هنا نناشد كل مسئول في عمل أن يعيد النظر في قطع أرزاق الناس، وخطورة ذلك في حالة الفوضى التي نحياها هذه الأيام! خاصةً ونحن مقبلون على أيام خير وبركة في شهر رمضان الكريم.   (ثالثًا) تشجيع رجال الأعمال بتسهيلات ضريبية عند إنشاء مشاريع كثيفة العمالة أو بناء مدارس حكومية تُهدى للوزارة لقلة عدد الفصول الحالية، وكثرة تلك المشاريع التي يمكن أن تقام بجهود ذاتية في مقابل تسهيلات وإعفاءات للجادين من رجال الأعمال.   (رابعًا) وقف مسلسل إهدار المال العام المتمثل في صرف حوافز بلا عمل في المقابل، ولا أتحدث عن الملاليم التي تُصرف للموظفين استكمالاً لمعاشاتهم، لكن أتكلم عن الوظائف القيادية مثل القرار رقم 273 الصادر بتاريخ 28 مارس 2011م من محافظ البحيرة السابق اللواء محمد سيد شعراوي والخاص بمديري الإدارات بديوان عام المحافظة لمساواتهم في نسب الأجر الإضافي (200%)، رغم غلق ديوان عام المحافظة وحصاره حتى الآن بالدبابات لمدة شهر على الأقل؛ تفاديًا لثورة العاملين على مثل هذه الامتيازات، ورغم ذلك صدر القرار عند العودة للعمل! فأي تحدٍّ وأي استخفاف هذا؟ نأمل من السيد رئيس الوزراء ولا أقول وزير التنمية المحلية وقف مسلسل إهدار المال العام بجهات رقابية لا تعين أفرادها أعضاء مجالس إدارة أو تقبل مكافآت من جهات تقوم برقابتها، وتحديد حدٍّ أعلى للأجور، كما شرع في تحديد حد أدنى، وكلاهما يكمل بعضه بعضًا.   (خامسًا) سرعة التعاقد مع المعلمين الذين لم يستكملوا 3 سنوات تحت اسم (مدرس مساعد) بنموذج التعاقد الذي خرج من مكتب وزير التربية والتعليم، وليس بنموذج مديريات التربية والتعليم المشوه الذي لا يحفظ حقًّا، كما أنه استمرار لعقود الإذعان التي برع فيها النظام السابق وكل المستبدين.   أخيرًا ليس هناك أفضل من العمل الجاد والوعي الكامل بما يدور حولنا أو يُحاك ضد مصر وشعبها في الداخل والخارج، وهذا لن يحدث إلا بروح الثورة في ميدان التحرير الذي صار وحيدًا في مواجهة البطء والتعسف والعجز أحيانًا. ---------------- * omg.hishmat@gmail.c

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل