المحتوى الرئيسى

عـنـدمـا تصبـح إقـامـة الـدولة الفلسطينية مطلباً إسرائيليـاً...!بقلم:د.عـبـد القادر حسين ياسين

06/08 19:32

عـنـدمـا تصبـح إقـامـة الـدولة الفلسطينية مطلباً إسرائيليـاً...! الدكتور عـبـد القادر حسين ياسين* مـنـذ 63 عــامـا كانت "الدولة الفلسطينية" ، حلمـاً يراود مخـيـلـة الشعب الفـلسطيني ومازال؛ ولكن ما هي الدولة الفلسطينية التي يقبل بها الفلسطينيون ، بسبب الفارق بين ما نريد، وما يمكن أن يتحقق لنا ، حسب الإمكانيات والمعطيات والمتغيرات العربية والدولية!؟‏ وما هي الأهداف التي تنشدها دولة يـقبل بها عشـرة ملايين فلسطيني!؟‏ هناك عدة مرجعيات يمكن الإشارة إليهاعـنـد الحـديث عن إقـامـة دولة فلسطينية مسـتقـلـة ، ومن أهـم تلك المرجعيات : قرار الجمعية العامة للأمم المتحـدة رقم 181 المعروف بقرار التقسيم، الذي كان مرجعـية شكلية للمنظمة الصهيونيـة العـالميـة لإقامة إسرائيل إلى جانب دولة فلسطينية...وهـو القرار الذي رفـضـتـه الـدول العربيـة في ظروف سياسية وتاريخية معروفـة . وكان رفض العرب لقـرار التقسـيم آنذاك قرارا منطقياً ، لأنه رفض قـائـم على الحق التاريخي للشعب الفلسطيني في وطنـه فلسطين، وعلى عـدم أحقية الدولة التي تتمتع بالانـتـداب (بريطانيا) بالتصرف بحقوق الشعب والدولة الموضوعة تحت الانـتـداب ولا بأرضها، ولأنه بـُني أيضاً على البعـد القومي للقضية الفلسطينية كمرجعية للقرار ... ولأسباب عـديدة لم يتمكن الفلسطينيون من إقـامة دولتهـم المسـتقلـة وفـقـا لقرار التقسـيم ، وهو القرارالذي ترفضه اسرائيل ويؤكد بنيامين نـتـنياهو رفضه له ، تشاطره في ذلك كافـة الأحـزاب الاسرائيلية من اليمين الى "اليسار"؛ ولا يريد أي منهم أن يُذكر القرار باعـتبـاره مرجعية سياسية وقـانونيـة من أي نوع لأنهم يرون أن ذلك القرار الذي رفضه العرب، "نقضته حروب وأسقطته مرجعيات أخرى"، ويؤكد الزعمـاء الاسرائيليون هذا القول في كل مناسبة .‏ ولكن القرار الآنف الـذكر لم يسقط من مرجعية الأمم المتحدة بوصفها مرجعية دولية - بلا أنياب ولا أظـافر- بل أخذت تضعـفه اليوم مزاحمات مرجعيات أخرى تطغى على المرجعية الدولية في هذا المجال، ومنها ، على سبيل المثـال لا الحصر ، مرجعية مؤتمر مدريد، ومرجعـية "خـارطـة الطريق"... ويـذكرنا "الرئيس" الفلسطيني ليل نـهـار بأنـه مسـتعـد للعـودة الى المفاوضـات "بـدون أي شروط" لإقامة "دولة فلسطينية" على أرضيـة "خـارطـة الطريق" ، بوصفها المرجعية التي تباركها الولايات المتحدة الأميركية؛ وهي عـنده تجبُّ مـا قبلـهـا من المرجعيات الأخرى.‏ أما المرجعية النضالية فلا يذكرها محمـود عباس... ولم يتأسس موضوع إقامة الدولة الفلسطينية المطروح حالياً على مرجعية نضالية يكون هدف الدولة فيها تحرير الوطن، وانتزاع السيادة الكاملـة على أراضيـه، وإنما يقوم على مرجعية تعتمد القبول بما يمكن أن"يُنتزَع" من العـدو من مساحات تشغـلها "تجمعات بشرية" من الشعب الفلسطيني لممارسة السلطة عليها انطلاقاً من اتفاقية أوسلو... إن كل مـا فعـلتـه هـذه السلطة العـتـيـدة هو تقديم التنازل تلو التنازل بما يرضي العـدو الذي لا نهاية لأطماعه.‏ وعليه فإن كل ما يتعلق بإعلان قيـام الدولة الفلسطينية، الذي تم في الجزائر في تشرين الثاني عـام 1988 ، استناداً إلى مرجعية نضالية يحكمها "الميثاق الوطني الفلسطيني" وأهدافه، التي يأتي في مقـدمتـهـا تحرير فلسطين، قد تم تغييبه والقفز فوقه، وكأنه لم يكن أصلاً. ولم تعـد العلاقات الدبلوماسية التي أقامتها "منظمة التحريرالفلسطينية" مع أربعـة وثمانين دولة في كافـة أرجـاء العالم ، لتساوي شيئاً على الصعيد الرسمي.‏ فـ "الدولة" التي لا يـمـل عباس من الـحـديث عنها لا تستند، ولو شكلياً، إلى القرار 181 ولا إلى مرجعية مـؤتمر مدريد، ولا إلى المرجعية النضالية، لأن" اتفـاقيـة أوسلو" تجاوزت كلاً منها بإقراره علناً بذلك وانطلاقه عملياً وواقعياً منه. وعلى هذا الأساس فإن النظر إلى"دولة سلطة الحكم الذاتي" يحتاج إلى وقفة متروية عند بعض المعطيات والتساؤلات :‏ ما هي جغرافيتها وحدودها وأطرها ومقوماتها؟!‏ أولاً: هذه"الدولة" بلا حدود مع دول الجوار العربية، وتحيط بها اسرائيل من كل جانب، ولا يـُسمح بالخروج منها أو بالدخول إليها إلاّ بـعـد الحصول على موافـقـتهـا المسـبقـة، ومن المنافذ التي تحددها وتنشئ لها سلطة فيها. وقـد أعلنت اسرائيل غير مرة أنها تملك السيادة على الأرض، وتمنح سلطة الحكم الذاتي "الاشراف على شؤون السكان"، وتخولها بتقديم الخدمات لهم. كما أن اسرائيل تتولى "الاشراف الكامل" على أمن الحدود التي تحددها بنهر الأردن شرقاً ، والحدود الدولية مع مصر ولبنان وسورية، ولا تسمح بتجاوز ذلك.‏ أمـا من الداخل فان هـذه "الدولـة" ممزقة ومخترقة بالعشرات من المستوطنات والمعسكرات الاسرائيلية ، أو بطرق التفافية يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي، ويستـخـدمهـا المستوطنون الاسرائيليون ، وتوجد في كل منطقة استراتيجية، وهضبة مواقع للـعـدو، تجعل كل ما هو قريب منها بحكم الساقط في قبضتها عسكرياً.‏ أما بالنسبة لللـقـدرة الاقتصـادية على البـقـاء Economic Viability للدولـة العـتيـدة فـان الموارد الطبيعية ، والمقومات الرئيسة للعيش والتنمية، وفي مقـدمتـهـا مصـادر المياه والثروات الطبيعية فهي تحت سيطرة العـدو الاسرائيلي وبتصرفه التام... كمـا أن قوة العمل الفلسطيني رهن بقبوله لاستخدامها. ولا يحتاج المرء الى ذكـاء خـارق ، أو عـبـقـريـة فـذة ، ليـدرك أن "الرئيس" وحاشيتـه يتـحـدثون عـن "دولـة" هي أقرب ما تكون الى "حـاضرة الفاتيكـان" أو "إمـارة أنـدورا" منهـا الى دولـة فلسطينية مستقلـة ذات سيادة كاملـة على أراضيهـا ومواردهـا الطبيعيـة والبشريـة ... و"أندورا" ـ لمن لم يسمع بها ـ هي إمارة صغيرة تقع في الجانب الشرقي من جبال البيرنيه، وتحيط بها فرنسـا من الشـمال ، واسبانيا من الجنوب ، وتـقـع في منتصف الطريق بين برشلونة وتولوز. ولا تزيد مسـاحتها عن 175 ميلا مربـعـا وعـدد سكانها 32 ألـفـا.. إنَّها "دولة داخلية" ليس لها دستور وتعـتمـد على قوانين إقـطـاعـيـة مـتـوارثـة تخضع لسيادة ثنائية، يرأسها رئيس الجمهورية الفرنسية ورئيس أسـاقفـة أورغـل في اسبانيا، لها عاصمة (أنـدورا القـديمة) ، وعـلم، وبرلمان، وحكومة، ،وهي مزدهرة من الناحية السياحية ، ولا تتمتع بأي شكل من أشـكال السيادة، وتتولى كل من فرنسا وإسبانيا مسؤوليـة الدفاع عنها. إنَّ الـ "دولة" التي يتحـدث عـنهـا محمـود عباس ، ويـُبشـِّرنا بها صائب عريقـات هي بلا سلطة روحية من أي نوع، وبلا سلطة سياسية وسيادية أيضاً، وقد فقدت الشرعية النضالية، وتخلت عنها يوم وقـعت اتفاقيـة أوسلو واتخذتها مرجعـيتها النهائية. وكما أن الدخول الى الفـاتيكان لا يـتـم الا عـبر أبواب‏ روما، فـان الـدخول الى "فاتيكان" عباس لن يـتـم الا عبر أبواب "أورشـليـم :العاصمة الأبـدية للشعب اليهودي" حصراً.‏ أما الكلام عن مؤسسات الدولة، فهو كلام منفوخ، أو يقصد منه الانتفاخ (أو ـ كما يقول الأخـوة السـوريون ـ "ضـارب حـالـه بحـجـر كبير"!) ، لأنها مؤسسات حكم ذاتي محدود لها أن تعيش "وهم" الدولة. فـالدولة أساساً سيادة وقوة تحمي تلك السيادة. من نـافلـة القـول أن القوات المسـلحـة (جيش ، شرطـة ، وحرس حـدود) في أي بلـد في العـالم هي مصدر كل قوة للـدفاع عن أمن البلـد وسلامة مواطنيـه. إنَّ أفراد شرطة الحكم الذاتي لا يملكون الحق في حمل سلاحهم الفردي إلاّ بموافقة االجيش الاسرائيلي ، الذي يرافقهم في دورياتهم ، التي تهدف إلى حماية أمن الجيش الاسرائيلي والمستوطنين من الشعب الفلسطيني أكثر مما تهدف إلى حماية الشعب الفلسطيني ذاته.‏ إنَّ دولة لا تملـك السيطرة الفعـلية على الأرض، وبلا أي شكل من أشـكال السيادة ، وبلا قوات مسـلحـة تحمي السيادة أو تؤسس لها، وتسيطر على أمن مـعـابرهـا البرية والبحريـة والجـويـة قوات الاحتلال الاسرائيلي، هي "عـهـن منـفـوش" ... قد تزهـو ألوانه في ضوء الشمس إذا مـا نـُشر، ولكنه لا يشكل أكثر من رغـوة ضوئية قد تعجب الناظرين!.‏ ثانياً: إن من حق شعـبنا الفلسطيني أن يقيم دولته المستقلـة، وأن يسعى إلى تكوين مؤسساتها، ويعمل من أجل تقويتها، ويؤسس من خلالها لوجود ذي أهداف ورؤية.‏ فهل هذه "الدولة" هي لعشـرة ملايين فلسطيني أم لجزء منهم؟!‏ بـعـبـارة أكثر وضـوحـا ، هل تستطيع أن تمنح هـذه "الدولة" حق المواطنة لكل فلسطيني وتتيح له ممارسة ذلك الحق بحرية واحترام، وتمكـنه من دخول أرض الوطن والإقامة فيها ، أم أنها لا تستطيع أن تمنح هذا الحق أصلاً إلا لمن توافق"إسرائيل" على منحه إياه ؟!‏ إن الـ "دولة" التي يتحـدث عنا عباس ليست دولة الفلسطينيين جميعاً، وإنما هي دولة من شملتهم اتفاقية أوسلو بالنص، وعليه فإن خمسة ملايين فلسطيني في دول الشتات (يشكلون نصف الشعب الفلسطيني) محرومون من حقوق المواطنة، ومن حق العـودة، ومن وطنهم. ولا يمكن لمثل هذه "الدولة" إلا أن تقوم بمهام أمنية لمصلحة العـدو، وبمهام خدمية نيابة عنه .‏ كمـا أنـهـا تكرس الاعتراف بـ "حق" الحركة الصهيونية فيما اغتصبته من فلسطين، وبـ "حق" إسرائيل في السيادة الفعلية على أرض فلسطين التاريخية من نهر الأردن الى البحر الأبيض المتوسط؛ ومقاومة كل فلسطيني يقول بتحرير فلسطين؛ لأنه إنما يمارس "إرهاباً" حسب المفهوم الإسرائيلي للإرهاب ، ويهدد "سلاماً" قامت بموجبه "دولة الحكم الذاتي"، ويعمل على سحب السـجادة الحـمراء العزيزة على نفس "الرئيس" في جولاته الكثيرة التي تشكل له "وهـماً" رئاسياً على حساب آمال شعـبه في العودة وإقـامة الدولـة المستقلة . كمـا ان إقـامـة مثل هـذه الـدولـة يفتح الباب أمـام تسويق العـدو الصهيوني عربياً ودولياً، بوصفه "صانع سلام" وتـمـكـنـه من إقامة جسور تواصل مع العـالم العربي، وتحقق مصالحه وتحميها؛ بنوع من المباركة والضغـط الفلسطيني أحياناً. ومن الجـدير بالـذكر أن اقـامـة عـلاقت بين قـطر واسرائيل كان بتشجيع وضـغـط من رموز السلطة الفلسطينية ..‏ وبـنـاء على ما سبق ذكره ، واستناداً إلى مرجعـيتها، والرضا الأمريكي الذي تنشده ، وتعلى شأنه فوق كل مصلحة وشأن، فإن كل ادعاء من قبلها بأنها تشكل "خطوة على طريق التحرير" هو تسويغ لا يملك مصداقية، ولا يقوم على أسس ، ولا يستند إلى معطيات واقعية وحقيقية يمكن أن تصمد للامتحان.‏ ليس ثـمـة فلسطيني لا يرغب في إقـامـة دولـة فلسطينية مستقلـة على أرضية المرجعـية النضالية و"الميثاق الوطني الفلسطيني"، و"حـق العـودة" وتقرير المصير... إن آخر ما يـتـوقـعـه شعبنا هو قيـام دولـة مسـخ ، تعمـل على قمع الشعـب الفلسطيني في الداخل، وتحقيق ما عجزت"إسرائيل" عن تحقيقه ، ومشاركة العدو في ملاحقة مناضليه ، وإقصاء الشعب الفلسطيني في دول الشتات عن قضيته بمحاولة انتزاع المرجعـية منه، وتشويه تلك المرجعية بتزويرها وتقزيمها وإلحاقها بالعـدو تابعة ذليلة، راضية بما يمنّ به عليها من فتات... مـن نـكـد الـدنيـا على شعبنـا الفلسطيني أن تصبـح إقـامـة "الـدولة" الفلسطينية مطلباً اسرائيليـا لإفراغ القضية من مضمونها، وصولاً إلى تكريس ما اغتصبه العـدو من أرض وحق، وما فرضه على شعبنـا بقوة الإرهاب والقهر، وبخلق الوقائع على الأرض لفرض الأمر الواقع، ذلك المسلسل البشع المستمر من الأحداث الذي لا تبدو له نهاية .‏ سيحـاول البعض "تـزييـن" مثل هذا الدولة المسـخ ، وتقـديمـهـا لشعـبنا الفلسطيني على أنهـا "إنتصار تاريخي" تم انتزاعه من بين أنياب الوحش الاسرائيلي بقوة "جبارة" ذات "مهارة عاليـة" و"شطارة لا تـجـارى" و "فـهـلـوة" بامـتيـاز!!‏ إن كل ما يقوم بـه العـدو من مناورات مكشوفـة ينبغي ألاّ يترك إحباطاً من أي نوع في نفوسنا، بل ينبغي أن يدفعنا إلى مزيد من النضـال، والإيمان بحق شعبنا في الحياة الحرة الكريمـة .‏ وبـعــد ؛ إن شعبنا الفلسطيني ( "جمل المحامل" ، والعين التي تلاطم المخرز، والكف التي تلطم السيف) شعب صبور، طويل النفس، واثق الخطى ، مديد النظر‏... في الأسطورة الكنعانية القديمة ، يحترق طائر العـنقاء ويستحيل رماداً، ومن رماده ينبعـث ‏من جديد... وفي أرض كنعان، اليوم، نسل لشعب يتجدّد في النار، ولا يرضى بأقل من حريّته‏. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في السـويد .

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل