المحتوى الرئيسى

د. هشام عبد الصبور شاهين يكتب: محاكمة الفرعون تحسني الأول

06/08 14:21

المشهد الأولفي عام ٢٠١١ قبل الميلاد ثار المصريون على الفرعون (تحسني الأول) الذي حكمهم لثلاثين عاما وأجبروه على التنازل عن العرش، وبدأت المداولات والمناقشات وثار الجدل واستطلاع الآراء؛ أنحاكم الفرعون أم لا نحاكمه ؟البعض يقول: كيف نحاكم من كان رمزا لبلادنا ؟ إنه يجب أن يكرّم، ويتقاعد تقاعدا مريحا بعد أن وهب حياته للبلاد  طيلة حياته منذ أن كان قائدا لسلاح العربات الحربية ثم وليا للعهد. ويرد البعض الآخرأيتخذ الشعب رمزا من أهانه وسرقه وقتل وسجن زهرة شبابه ؟رغم أنوفكم الفرعون العظيم هو رمز مجد هذه الدولة .. لولاه ما علا مقام بلادنا وسط أمم الأرض .. ولولا حكمته وبعد نظره ما عشتم حياة الرفاهية والأمان .. إنكم قوم جاحدون ناكرون للجميل .. ألم يكن هو قائد الغارة الأولى على أعداء الدولة من الرعاة في الحرب الأخيرة ؟ ألم يقم بإنشاء الطرق وبناء المساكن للشباب، وفتح بيوت غير القادرين وشغّل العاطلين في بناء هرمه ومعبده ؟  حاكموا أنفسكم أولا، ولا تحاولوا تعليق فشلكم على الآخرينحاكمناها ووجدنا أنفسنا مذنبين لأننا أطعناه وصدقناه، وكان منا من عبده وقدسه وسجد له، ولكن ذلك لا يغير من أمر محاكمته شيئا، بعد أن سقط يجب أن يحاكملا يمكن .. حاكموا زوجته وأبناءه وزوجاتهم وكهنة معبده وحملة مباخره وكل أفراد حاشيته، لكن لا تحاكموه هو، فابن الرب لا يحاكم، إن روح الإله تسكن فيه، وهو لم يتخذ قرارا في حياته من عنده؛ إنما كانت عين الإله ترعاه وتسدد خطاه، وجعلته الأحكم والأعدل والأجمل والأكمل ما هذا التخريف ..هل أمره الإله بإذلالنا وتحقير شأننا، هل أمره أن يزور إرادتنا ويسحق شخصياتنا ؟ هل أمره الإله بسرقة أموالنا وبيع قطاعنا الفرعوني العام لمحاسيبه وسدنة عرشه بأبخس الأسعار ؟ لماذا لا نحاكمه وقد أخطأ في حقنا جميعا ؟لم يخطئ.. وطلب محاكمته ليس رأي المصريين جميعا، إنما هو رأي شرذمة قليلة من المتعلمين، أما الباقي فهم يحبونه ويجلونه، وخرجوا في مظاهرات مؤيدة له في جنوب الوادي الشهر الماضي، حين كان يفتتح عظمته مشروع زراعة ألف ألف فدان على مياه الفيضان، أنتم لا ترون إنجازاته لأنكم ذوو أجندات خارجية، تعملون لحساب أعداء الدولة من الفرس والبيزنطيين والغال و....حيلك حيلك .. ألم يسرق من ذهب المعبد ما سرق ؟ ألم يسهل لكهنة المعبد الاستيلاء على مال الشعب الغافل ؟ ألم يهب  آلاف الأفدنة لأمير شرق البحر وضنّ بها على ناسه وفقراء شعبه ؟هؤلاء لا يريدون أن يعملوا، إنهم كسالى ويعتبرون الفرعون وملأه أباهم وأمهم ..يريدون الطعام والمال بلا مقابل من عمل أو بذل جهد، أما أمير شرق البحر فقد كان سيعمر تلك الأرض ويزرعها لحسابكم  حتى قمتم بثورتكم الخائبة وخلعتموه، إشربوا بأه .. وذوقوا طعم التشرد الحقيقي والفزع الحقيقي ..واعترفوا أن الفرعون العظيم تحسني الأول كان حجر الأساس في حكمه رعايتكم وتوفير الأمن لكم .. أين كل هذا الآن ؟ ليس لديكم أي دليل ..لقد قال الفرعون المقدس أنه لا يمتلك مالا لا في مصر ولا في فينيقيا ولا في بلاد ما وراء البحار، هاتوا دليلكم أولا ..ثم ليس معنى أن الكهنة سرقوا ذهب المعبد أنه ساعدهم أو سهل لهم ..لم يكن يعلمآه .. نفس الحجة ونفس التبرير، قبله بأربعة عشر عاما عندما انهزم سلفه الفرعون (تناصرات) أمام أعداء الدولة من الرعاة؛ احتج أنصاره بأنه لم يكن يعلم، وأن بطانته هم الذين تسببوا بفسادهم في الهزيمة الساحقةأنتم تردون على أنفسكم، ألم يكفكم الفرعون العظيم تحسني الأول شرور الحرب مع الرعاة منذ تولى حكم المملكة وعقد الصلح معهم ؟ لولاه لكنا حتى الآن في حرب ولدمرت مصر عن آخرها..نحن في نعيم بسبب عقله وحكمتهأيضا هذا لا يغير من الأمر شيئا ..لأن كل مشاكل مصر التي استعصت على الحل هي من صنع أولئك الرعاة أو بتدبير منهم بالاتفاق معه، بل إنه لم يُبق على عرشه كل هذه السنوات إلا لأنهم راضون عنه ويعتبرونه حليفهم الأول في المنطقة ومدبر أمورهم المتحدث بالنيابة عنهم حين يتعلق الأمر بأمر يهمهم أو مصلحة من مصالحهم.. ومع ذلك فلم يساندوه أو يشدوا من أزره حين قررنا أن نحاكمه لأن التهم الموجهة إليه ثابتة عليهما هي هذه التهم ؟الاستيلاء على مال الشعب دون وجه حق، وتسهيل بيع ممتلكات الناس إلى الأغراب من خارج ومن داخل المملكة، والسمسرة والعمولات، والتحالف مع الأعداء، وآخر التهم أخطرها؛ إصدار الأمر لعساكره بإطلاق السهام والرماح على صدور ورؤوس جماهير الشعب بغية قتلهم وإخماد أصواتهم حين خرجوا يهتفون ضده.وهل تظنون أن قضاة المحكمة الذين سيتولون محاكمته سيتجردون من علاقاتهم السابقة به ؟ أليس هو الذي عين قاضي القضاة في منصبه ؟ أليس هو الذي رفع الكهنة إلى أعلى مراتب الكهنوت ؟ كيف تتصورون أنهم سيدينونه ؟ هل سيجرؤ أي منهم أن على توجيه تهمة واحدة له ؟هذا بين القضاة والإله، كلهم متروكون لضمائرهم، إن شاءوا صدقوا أو إن شاءوا خانوا، والكل سيلتقي في الحياة الأخرى بعد الموت ليحاسبهم على أعمالهم .. أما في الحياة الدنيا فلا بد من المحاكمة، لأن لا أحد فوق المساءلة، إلا الإله... ...المشهد الثاني خرج الفرعون تحسني الأول من قصر الحكم ومعه أسرته إلى قصره في فاروس، ولم يعد يحضر الصلاة الأسبوعية في معبد آمون، وتولى بعض كبار ضباط الجيش إدارة أمور حكم البلاد إلى حين تولي فرعون آخر مقاليد السلطة، ولأن الجماهير التي خرجت مطالبة بسقوط الفرعون طالبت أيضا بمحاكمته ومحاسبته على ما ارتكب في حق البلاد وأهلها؛ فاليوم هو يوم المحاكمة.القاعة التي تقع في قلب معبد آمون مزدحمة عن آخرها بالجماهير، منهم من جاء بدافع الفضول، وكثيرون جاءوا بدافع الانتقام والشماتة، واجتمعت هيئة المحكمة على المنصة الحجرية في صدر القاعة الواسعة التي نقش على حائطها فوق المنصة رمز الدولة؛ الميزان وقد تساوت كفتاه دلالة على هدف تحقيق العدل من المحاكمات في الدولة المصرية، وللمرة الأولى في التاريخ إقتيد الفرعون يحيط به الجنود يخفونه عن أعين الناظرين، ومضوا به وسط الزحام وأدخلوه إلى قفص الاتهام الحديدي، وأحاطوا به من كل اتجاه يمنعون الناس حتى من إلقاء نظرة عليه. وبدأت وقائع المحاكمة...  الادعاء: في اليوم الخامس والعشرين من شهر طوبة انتفض الشعب المصري ضد الفرعون تحسني الأول ونظام حكمه، واستمرت الثورة لثمانية عشر يوما، مارس الشعب خلالها كل أنواع الضغط على الفرعون ونظامه، ووقف الجيش إلى جانب الشعب في طلبه بتنحي الفرعون، الذي استجاب بالتخلي عن السلطة في اليوم الحادي عشر من شهر أمشير من العام القبطي، وعبر الأربعة أشهر الماضية أقام الفرعون السابق في قصر الحكم في فاروس على ساحل البحر، والتهم الموجهة إليه هي كالآتي:  إصدار الأمر للجنود بإطلاق السهام إلى صدور ورؤوس المتظاهرين مما أدى إلى مصرع المئات وإصابة الآلافبإصابات مختلفة تنوعت من فقأ العينين إلى كسر عظام الأضلع والأذرع والسيقان، مرورا بالإصابات المختلفةأصدر الفرعون المتهم أمره لضباط أمنه بالقبض على كل من سولت له نفسه معارضته ولو بالقول، ويلقى به في السجن، ولم يقف الأمر عند هذا بل إن زبانيته وضباط أمنه ثبتت عليهم تهمة التعذيب لانتزاع اعترافات من المعتقلين، وكان التعذيب قاتلا في كثير من الأحيان، واستخدمت فيه طرق لاإنسانية؛ فالمفرج عنهم من السجون وصفوا ما حدث لهم ولزملائهم من خوزقة وحرق الأجساد بالنار ونزع الأظافر، بل ووصل التعذيب إلى اغتصاب النساء أمام أهلهم على أيدي زبانية السجن.  هنا ضجت القاعة بالأصوات المستنكرة والهمهمات المتصاعدة تطالب بالقصاصتسبب الفرعون المتهم بتطبيق سياسات التفرقة بين طبقات الشعب في حدوث شرخ كبير بين أبناء الشعب الواحد، فرعايته المفرطة لذوي الأموال منهم أدت إلى انعزالهم في أبراج عاجية لا يفكرون في غير مصالحهم واستيلائهم على الأموال والأراضي بغير حق، ووصل الأمر إلى أن باعهم أرض الشعب ومصانعه ومزارعه وصوامع حبوبه بأثمان بخسة، ويبيعونها هم بأثمان باهظة، وانتهز الأعداء من الرعاة الفرصة واشتروا الأراضي والمراعي من هؤلاء المحميين بعلاقتهم القوية بالفرعون المتهم، فأصبح لأعداء الدولة مقار ومصالح ومكاسب هائلة يحققونها في بلادنا، وعلى الجانب الآخر ازداد فقر الأغلبية الساحقة من الشعب، وأصبح الكثير منهم يتسولون ما يسدون به رمقهم ويعينهم على الحياةإستغل ابنا الفرعون علاقتهما برأس الحكم وعاثا في الأرض فسادا واستيلاءا على الأموال والأراضي والبيوت، وبنيا لهما ولزوجتيهما وأبنائهما وعائلتي زوجتيهما قصورا واشتريا لنفسيهما ولأسرتيهما المطاحن والمسابك والمصانع والصوامع، وتعاونا مع الأعداء من الرعاة حتى أدخلوهم بمصالحهم إلى البلاد؛ فأصبح للأعداء كلمة وسطوة على مقدرات الحكم يوجهونه كيف شاءوا، وفي هذا من الخطر على أمن الدولة ما فيهوهذا الاتهام الأخير سيحاسب عليه معه ابناه الهاربان؛ والآن.. سيدي قاضي المحكمة هذه هي الاتهامات الموجهة إلى الفرعون السابق تحسني الأول ابن الفرعون الراحل سادات آمون، قدمناها لكم مسطورة على عريضة البردي، والأمر مفوض لكم.. وعلت في القاعة أصوات الحاضرين يطالبون بفقأ عينيه وتكسير عظامه وتعذيبه وقتله، وأصوات أخرى تطالب بمصادرة أمواله وأموال أسرته، وآخرون يطالبون بسجنه مدى الحياة أو إعدامه رميا بالأسهم والنبال والحجارة في ساحة المعبد أمام الناس.أمسك القاضي الرئيس بالمطرقة الخشبية وضرب المنصة عدة مرات يطالب الحاضرين بالسكوت والتوقف عن الهمهمة والصياح وإلا سيخلي قاعة المحكمة؛ فسكت الحاضرون جميعا احتراما للقاضي الجليل ..وأمر القاضي الضباط والعساكر المحيطين بقفص الاتهام بالابتعاد عنه فتردد بعضهم وابتعد البعض الآخر ثم .. شهق معظم الحاضرين وعلا ضجيجهم حين اتضح الأمر؛ القفص خال ليس فيه أحد ! لقد خدع تحسني الأول الجميع وهرب إلى أصدقائه الرعاة منذ شهور ...وأظلمت الدنيا .. واسلمي يا مصر

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل