المحتوى الرئيسى

كيف تعد لخطبتك؟

06/08 16:05

بقلم: د. حمدي فتوح والي لا نعدو الحقيقة إذا قلنا: إن اختيار الموضوع وإعداد الخطبة هو أهم ما يشغل الخطيب في مهمته الدعوية، ولا سيما أنه مضطر أن يواجه الجمهور بجديدٍ في كل جمعة، فكيف يتأتى له هذا الجديد؟ ومن أين يأتي بموضوع يجمع إلى صدق الموضوع وحيويته حسن العرض وحاجة الناس وإصابة الفائدة والإحساس بالرضا عن الذات؟   إن الجمع بين هذه الاحتياجات جميعًا، والقدرة على الإجابة عن هذه التساؤلات أمر شديد وعسير على كل خطيب جعل الخطابة وظيفة، وأداء الجمعة مهمة يريد أن ينتهي منها على أي وجه؛ ولهذا فقد تفتقت أذهان الخطباء عن حيلة وجدوا فيها راحتهم وأداء واجبهم؛ وهي أن يتبادلوا المساجد فيما بينهم على صورة دورة شهرية تجعل الخطيب يمر بالمسجد مرة كل شهر، وهذا يعني أنه لن يكلف نفسه إلا بإعداد خطبة واحدة كل شهر، وسيظل يتنقل بها من مسجد إلى مسجد حتى تنتهي دورة الشهر.   ولا شك أن هذا الحل هو أمثل الحلول للخطيب الموظف الذي لا يعنيه من الأمر إلا أن يؤدي الخطبة وكفى، أما أن يكون مهمومًا بدعوة الناس وهدايتهم وتربية إحساسهم وذوقهم والحضور الدائم معهم، ومتابعة لأحوالهم، وتسديد لسلوكهم وتصويب لأخطائهم وإجابة لتساؤلاتهم وتعميق  ليقينهم؛ فهذا ما لم يدخل في اعتبار الخطيب الموظف ولا قصده في يوم من الأيام.   ولهذا كانت دورته على المساجد بخطبة واحدة على مدى الشهر حلاًّ مريحًا من تعب البحث والتفكير والإعداد والتحقيق.   وهنا يظهر الفارق واضحًا بين الخطيب الموظف والخطيب الداعية.   فالخطيب الموظف- كما هو واضح- يبحث عن مخرج أو وسيلة يسدّ بها عن نفسه هذا المأزق الأسبوعي؛ بأي حال من الأحوال، بينما الخطيب الداعية لا يجد أدنى مشكلة، ولا يستشعر أدنى إحساس بالقلق على إعداد موضوعه؛ لأن إدراكه لحقيقة الإسلام ووعيه بشموله، ثم رؤيته لواقع الناس الخاوي من هذه الحقيقة الفاقد لهذا الشمول والكمال يجعله في حالة قلقٍ دائمٍ وهمّ موصول بضرورة نقل هذه الحقيقة إلى أذهان الناس، وسيرى نفسه مسئولاً أمام ربه عن توعية الناس وإشعارهم بشمول الإسلام وكماله وعظمته وضرورة إقامته.   وهذا الهم وحده كافٍ لكي يشغل الخطيب عمره كله؛ حتى يهدم ما استقر في أذهان الناس من فهم خاطئ، وليغسل ما ران على قلوبهم من جمود وجحود، ثم ينتقل ليغرس فيهم ما يراه صالحًا من جوانب الإسلام المختلفة، عقيدةً وشريعةً، وأخلاقًا، وآدابًا وسلوكًا، مؤكدًا أن دين الله كامل، وأن نظامه شامل، وأن منهجه هو المنهج الوسط الذي ارتضاه لعباده شريعةً ونظامًا.   ولك أن تتصور إنسانًا يرى نفسه مسئولاً أمام ربه عن عقيدة كل مَن يقع في دائرة مسجده رجالاً ونساءً وأطفالاًً، وعن عبادتهم وعن تهذيب أخلاقهم وتربية مشاعرهم وتفتح عقولهم، وأن يبين لهم بوضوح وجلاء كل ألوان الحلال ويدعوهم إليها، وكل ألوان الحرام ويحذرهم منها؛ هل يبقى لديه مشكلة في البحث عن موضوع يتحدث فيه، بينما الإسلام كله غائب عن حياة الناس عقيدةً وشريعةً وأخلاقًا ونظامًا؟   إن الداعية الذي يستشعر همّ الإسلام لا يحس بأدنى قلق تجاه البحث عن موضوع؛ لأن أحوال الناس وأوضاعهم كلها موضوعات مفتوحة وملحة، تحتاج إلى أن تُعالج على ضوء الإسلام وطبق شريعته.   لكن هناك بعض النصائح أو التوصيات نقدمها للأخ الداعية حتى يسهل عليه أمر اختيار الموضوع، ومن هذه النصائح: 1- أن يكون دافعه إلى اختيار الموضوع دافعًا ذاتيًّا، والشعور بأهمية هذا الموضوع وشدة احتياج الناس إليه، وأهمها أمر العقيدة وصحة العبادة واستقامة المنهج.   2- أن يملك القدرة على جذب انتباه الناس وإشعارهم بهذه الأهمية حتى ينقل إليهم هذا القلق الذي يحسه وهذا الشعور الذي يعانيه.   3- ينبغي أن يشعر بمدى ما يصيب الناس من خطر أو ضرر أو أذى إذا غاب عنهم هذا الأمر، وأخطر الأضرار أن يغيب عنهم معنى التوحيد، أو يدخل عليهم الشرك، أو يقعوا تحت طائلة العذاب أو الطرد من رحمة الله، ويمكنه الانطلاق من إشعارهم بهذا الخطر إلى ما يقابل ذلك من رضا الله سبحانه وتعالى وفضله ونعمته، وما أعده للصالحين الصادقين من جزاء كريم وعطاء عظيم، إذن فأول الموضوعات هو ضرورة العلم بدين الله وإشعار الناس بالقلق لغياب ذلك.   ارجع إلى كتاب الله، والتمس ما قاله سبحانه في الموضوع الذي اخترته ترغيبًا وترهيبًا، ووعدًا ووعيدًا، واجتهد أن تضع الآيات في حالة مقابلة بادئًا بالوعيد والتخويف، ومثنيًا بالوعد وحسن الجزاء؛ فذلك شأن القرآن في غالب السور المكية، يبدأ بالكافرين وجزائهم وينتهي بالمتقين وجزائهم. انظر ذلك في سورة النبأ: (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21)) ثم بعدها: (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31)) وفي سورة النازعات: (فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) وفي التكوير: (وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (12) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (13)) وفي سورة المطففين: (كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7)) بعدها: (كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18)).   وبرغم أن آيات الله هي نفسها التي تلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلاها من بعده أصحابه وأتباعه، وما نزال اليوم نتلوها بنفس حروفها وألفاظها، فإن الأثر يختلف عند قراءتها من إنسان لإنسان، فمن الناس من يقرأ القرآن كأنه نزل هذه الساعة، وكأنه لا يعني أحدًا غيره. وكأنه ينظر إلى معانيه ومضامينه يعيش روحها، ويستنبط أسرارها، ويطالع أنوارها، ومثل هذا الداعية أثره في الناس محقق، وتأثيره في السامعين مؤكد.   إنني أستطيع أن أقول جازمًا: إن الناس لا بدَّ أن ينفعلوا لما تقول وتقرأ على قدر انفعالك أنت، وصدق القائل: "ليست النائحة الثكلى كالمستأجرة".   وبعد أن تشعر بالآيات وتحسن عرضها وتمثلها اجتهد أن تقدم مشهدًا من مشاهد المؤمنين الصادقين الذين انتفعوا بتلك الآيات، وانشرحت صدورهم بهذه المعجزات، ولتبدأ برسول الله صلى الله عليه وسلم، خذ من حياته العظة، ومن مواقفه وسيرته العبرة والأسوة، وأكثر التساؤل: فأين نحن من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ومن صحابته وأتباعه؟ وليتك أن تخرج من حالة التقرير والوعظ الجاف إلى نوع من تحريك مشاعر المتلقين بأن تقول لهم مثلاً: تعالوا نستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ونعرض عليه حالنا، ثم استعرض أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم حالة الأمة كلها، اعرض عليه سياستها واقتصادها وإعلامها وتعليمها وبيعها وشراءها وحلالها وحرامها. واسأله دائمًا هل هذا ما أردته لأمتك يا رسول الله؟، وهل إذا عرض أمرنا عليك اليوم تقبلنا في أمتك؟ وهل لنا حق شفاعتك يوم القيامة؟ أم نكون من الذين يُذادون عن الحوض، ويقال لهم: سحقًا سحقًا؟!.   وحبذا بعد أن تنجح في إثارة المشاعر وإسالة المدامع وهزِّ النفوس وشحن القلوب أن تعود إلى واقع الناس فترصد بعض ملامح الخير ومشاهد الإيجابية، فكبر صورته وأبرز ضرورته، وأشعر الناس بالأمل، وقرب إليهم ساعة النصر، واملأ قلوبهم باليقين في الله، ولا تعن عليهم شياطينهم، واجعلهم ينفرون معك، ويتحركون لنصرتك، ويسارعون إلى الخيرات.   وتذكر قول نبيك صلى الله عليه وسلم: "من قال هلك الناس فهو أهلكهم".   وسأقدم إليك مثالاً لموضوع من الموضوعات وننظر كيف تمت معالجته.   إنه موضوع بعنوان "الإيجابية في حياة المسلم" (1). ---------- (1) انظر مجلة الأزهر عدد شهر ذي القعدة سنة 1426ه‍ تحت هذا العنوان

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل