المحتوى الرئيسى

الإعلام ونظرية "أنا مستقل" بقلم: طارق الكركيت

06/08 22:09

ثقافة المجتمع المصرى لابد أن تختلف فى مرحلة ما بعد ثورة 25 يناير عما كانت عليه من قبل، لكن يبدو أن هذه الثقافة تحتاج إلى الكثير من التأمل.. خاصة فيما يتعلق بالعوامل المؤثرة فى تكوين هذه الثقافة.. ويأتى فى مقدمة هذه العوامل "الإعلام" بما يمثله من قوة ضغط هائلة فى مجتمع ما زالت الغالبية العظمى فيه أسيرة هذا الإعلام. و"الإعلام" فى مصر المحروسة أقل ما يوصف به أنه "إعلام مضلل غير محايد"، ينطبق ذلك على فرعى الإعلام "الحكومى والخاص"، وأقول "الخاص" وليس "المستقل"، لأنه بالأساس ليس هناك إعلام مستقل، ولا ينبغى أن يكون، فلابد لأى إعلام أن يكون منحازا إلى فكرة أساسية وإلى نهج رئيسى دخل به القائمون عليه هذا المجال، ولذا فالمصطلح ينبغى أن يكون الإعلام "الخاص" وليس "المستقل". وأعود فأقول أن فرعى الإعلام "الحكومى والخاص" يمارسون تضليل ما بعده تضليل، والأدهش أن ذلك يتم تحت زعم الحيادية والمهنية، وهم منهم براء، وهم يعتمدون فى ذلك على بعض الممارسات التى تبدو للعامة بالفعل حيادية, مثل تغطية بعض أنشطة المعارضة أثناء حكم "مبارك"، أو إفساح المجال لبعض القوى المشاركة فى الثورة فى مرحلة ما بعد ثورة 25 يناير. وأنا هنا أتحدث عن الإعلام المصرى بشكل خاص، ولا ينبغى أن ننسى أن هذا الإعلام بشقيه قد مارس فى مرحلة "مبارك" أقسى درجات الزيف وتغييب الوعى للمواطن المصرى، ذلك أن معظم وسائل الإعلام كانت تحت سيطرة الدولة بشكل أو آخر، فحتى الإعلام "الخاص" من قنوات فضائية وصحف والتى بدت "مستقلة" كان يملكها رجال أعمال هم فى الأساس قيادات فى الحزب الوطنى الحاكم "سابقا"، أو ترتبط بمصالح وعلاقات خاصة مع رموز الدولة، وكانت قيادات هذه المؤسسات الإعلامية تأتمر بأوامر "أمن الدولة" فى تغطيتها للأحداث وفى استضافتها لضيوف البرامج الشهيرة بها، وكان معلوما للكافة أن هناك قائمة سوداء وضعتها "أجهزة الأمن" لهذه القنوات لا ينبغى للأسماء المدرجة بها أن تنال "شرف" الظهور على هذه القنوات. وكانت قيادات هذه القنوات والبرامج تنام ملىء جفونها وهى تسبح بحمد النظام وتنصت لأوامر قيادات "أمن الدولة"، ولا تجد فى ذلك غضاضة، وإذا ناقشت أحدهم وسألته: وأين ضميرك المهنى؟ كانت الإجابة جاهزة: نحن نحاول الحصول على أى مساحة للحرية ولا ينبغى أن نطمع فى أكثر من ذلك. ولكنهم لم يكونوا يعلموا أنهم لو اتخذوا الموقف السليم فى الوقت المناسب واحترموا ضمائرهم ومهنيتهم لأتت الثورة مبكرة بدلا من حالة التنويم والتنفيث التى مارستها وسائل الإعلام لسنوات عديدة. ومن العجيب أن نرى فى مرحلة ما بعد الثورة هذه الوسائل وهى تدعى زورا وكذبا أنها كانت شريكة فى التحضير والتمهيد لهذه الثورة، مع أننا بمثال بسيط نكتشف زيف هذه الإدعاءات. فمنذ سنوات كانت قوى المعارضة تنظم المظاهرات والوقفات الاحتجاجية ضد مشروع "التمديد والتوريث"، وكان الشعار الرئيسى لكل تلك الفاعليات "لا لمبارك.. يسقط حسنى مبارك"، وفى كل التغطيات الإعلامية لم تجرؤ معظم وسائل الإعلام على ذكر هذه الشعارات، وكانت تنقل ما دون ذلك.. وكان بالطبع الخوف من "العقاب" هو السبب، فكيف بمن كان خائفا أن يدعى أنه مهد لهذه الثورة المجيدة؟! أما المثال الأكثر فجاجة فى هذه الممارسات اللامهنية فكانت كما قلت فى "القوائم السوداء" التى كانت تعدها "أجهزة الأمن" وتحتوى على الأسماء المحظور استضافتها أو عرض وجهة نظرها، وكانت وسائل الإعلام ومعدى البرامج بها يلتزمون حرفيا بها، بل كان هناك خط ساخن بين هذه الوسائل وأجهزة الأمن لمتابعة التغطيات، وشاهدنا أثناء ثورة 25 يناير كيف استضافت إحدى القنوات الخاصة "صحفية تحت التمرين" بناء على طلب من أجهزة الأمن، لكى تظهر هذه الصحفية لتنال من شرف الشباب المشارك بالثورة، وتتهمهم بالحصول على تمويل من جهات أجنبية. وعلى النقيض من أمر هذه "القوائم السوداء" كان هناك ما يشبه "القوائم البيضاء", وهى الشخصيات المسموح لها بالظهور والإدلاء بدلوها فى كل أمر سواء كان فى مجال تخصصه أم لا، والمدهش فى الأمر أنك تجد هذه الشخصيات قاسم مشترك فى كل البرامج التى أطلق عليها مصطلح "التوك شو" وكأن أجندة التليفونات التى يستخدمها كل معدو البرامج واحدة، نفس الشخصيات تجدها فى هذا البرنامج اليوم، وغدا فى البرنامج الآخر, وبعد غد فى البرنامج الثالث, وهكذا. لكن الأدهش فى كل هذه الشخصيات هى رفعها لشعار: "أنا مستقل"، وكأن الانتماء إلى فكر سياسى جريمة يجب إخفاءها، وكأن كلمة "أنا مستقل" هى طوق النجاة الذى يحتمى به.. ولا أدرى كيف يكون الإنسان مستقلا!!، وكيف يكون غير منحازا!! فهل خلق الله للإنسان العقل كى يظل مسخا يشبه بعضنا البعض؟! لقد خلق الله للإنسان العقل كى يفكر وكى يتدبر فيما حوله، فينحاز إلى ما يعتقد أنه الصواب، وهذا الانحياز ليس سبة كى يهرب منها، بل هى فخر أن يصرح الإنسان أنه فكر وبحث حتى وصل إلى ما يعتقد أنه الصواب من أفكار وبرامج. ومن الفخر أيضا أن ينتمى الإنسان إلى مجموعة تشاركه فى هذه الأفكار، سواء كانت هذه المجموعة حزبا سياسيا، أو تنظيم، أو حتى جمعية خيرية، فالأفكار ولدت كى تنفذ لا أن تصبح حبيسة العقول، وهى لن تنفذ إذا ظل الإنسان يحتفظ بها دون مشاركة جماعية تسعى إلى تحقيقها. ولن تتقدم الدول بالأفكار الفردية، طالما ظلت فردية، لكنها تتقدم حين يتم تداول هذه الأفكار الفردية فى إطار جماعى بحيث تتم مناقشتها وتنقيحها للوصول بها إلى الصيغة المثلى، ومن ثم السعى إلى تحقيقها على أرض الواقع. ومن الطبيعى أن نرى فى مرحلة ما بعد الثورة هذا الإعلام يسفر عن وجهه القبيح والمنحاز بكل قوة إلى سياسة أصحاب هذه الوسائل الإعلامية, وهى ليست إلا نموذج متطور من الإعلام الموجه فى عهد مبارك, فوجدنا كيف أن الشعب حينما قال كلمته فى الاستفتاء على التعديلات الدستورية وبنسبة 77% لصالح هذه التعديلات, وجدنا كيف أن الإعلام حاليا يقوم بأقصى درجات الانحياز ضد رغبة الشعب وضد إرادة الغالبية العظمى منه, ويدار الإعلام ضد هذا الاستفتاء ومن أجل طرح وجهة نظر الأقلية التى تطالب بالدستور أولا, مع أن الشعب قد اختار بموجب التعديلات الدستورية أن تكون الانتخابات أولا, فكيف بهذه الوسائل الإعلامية إدعاء الحيادية والنزاهة وهى تعمل ضد رغبة جموع الشعب, بل وضد الديمقراطية التى أكتسبها الشعب بثورته!! لقد سئمنا هذا الإعلام المضلل, وسئمنا كل برامجه وكل مقدمى برامجه. ولذلك أقول بكل قوة وإيمان فى مواجهة هذه النظرية البائسة التى تدعى الاستقلال: أنا لست مستقلا.. وبئس الاستقلال إذا كان بهذه الطريقة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل