المحتوى الرئيسى

الحسم الضريبي للشركات الأجنبية وتحقيق العمل الخيري المستدام

06/08 07:27

عبد العزيز الغدير استدامة الموارد المالية والبشرية وبالتالي استدامة الخدمات التي تقدمها جمعيات العمل الخيري لمستفيديها هو التحدي الذي تواجهه الجمعيات الخيرية في المملكة العربية السعودية، وهو تحد تواجهه كذلك معظم الجمعيات الخيرية في العالم، ولقد وضعت الدول المتقدمة حلولا لهذه المشكلة يتمحور معظمها حول الأوقاف وحول الاستفادة من الضرائب التي تعفى منها الشركات، متى ما أثبتت أنها حولتها لجمعيات خيرية مسجلة تخدم المجتمع في أي المجالات. وفي العقد الماضي نشط مفهوم المسؤولية الاجتماعية الذي جعل الكثير من الشركات تبحث عن قنوات تعزز قدراتها للنهوض بهذه المسؤولية، الأمر الذي وفر بدائل مالية للجمعيات الخيرية في الدول المتقدمة أيضا، ولقد رفعت ISO في أكتوبر 2004م مقترحا بإنشاء المعايير العالمية الجديدة ISO 26000 المتضمنة معايير المسؤولية الاجتماعية، على أن يبدأ العمل بها في الربع الأخير من العام 2008م. ولقد تقدمت الممارسات العالمية في هذا المجال حتى أصبحت الشركات الكبرى تؤسس وحدات إدارية تكون مهمتها تأكيد الالتزام المؤسسي بالمسؤولية الاجتماعية وخصصت لها ميزانيات محددة وبشكل منتظم لدعم أنشطة هذه الوحدات وإعطائها الاستقلالية لدعم برامجها. في المملكة العربية السعودية نعمت الجمعيات بإيرادات مالية كبيرة في فترة الثمانينيات والتسعينيات جعلها لا تفكر ولا تحث الحكومة لدعمها في إيجاد موارد مالية مستدامة، حتى بدأت مشكلات تسرب أموال التبرعات إلى جماعات إرهابية، حيث بدأت التبرعات تقل بشكل تدريجي حتى أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م، حيث بدأت قوائم ممولي الإرهاب بالظهور، ما جعل المحسنين يحجمون عن التبرع، كما جعل الحكومات تتشدد في شروط التصريح لمواقع التبرع، وهنا بدأ التفكير الجاد لدى الجمعيات الخيرية بكل أشكالها وصورها وأحجامها بإيجاد بدائل مالية مستدامة، حيث بدأ التوجه بشكل كبير للحل الإسلامي المعروف وهو التوجه لبناء أوقاف تدر إيرادات مستدامة تعزز الإيرادات الواردة من المتبرعين للاستمرار في خدمة المستفيدين، ولقد تزامن هذا التوجه مع توجه معظم الجمعيات للتحول من التبرع الرعوي إلى الدعم التنموي. الأزمة المالية التي وقعت أواخر عام 2008م زادت الطين بله، حيث أحجم مزيد من المتبرعين والمحسنين الذي يدعمون الجمعيات الخيرية طمعا فيما عند الله من أجر، وكذلك قلصت أو أوقفت كثير من الشركات الكبرى والمتوسطة ميزانياتها المخصصة لخدمة المجتمع في إطار تنفيذها لمسؤولياتها الاجتماعية. هذه الظروف وهذه التحديات جعلت كثيرا من القائمين على الجمعيات الخيرية يُعمِل العقل والفكر لتطوير فاعلية وكفاءة عمل الجمعيات الخيرية من جهة ولتطوير معطيات البيئة التي تنشط بها هذه الجمعيات لتعزز قدراتها المالية والبشرية وتحقق لها عنصر الاستدامة لتحفزها لتقديم خدمات لمستفيديها دون توقف أو تراجع، ورب ضارة نافعة إذ إن رحم الأزمات عادة ما يُوّلِد الحلول العلاجية الإبداعية، حيث بتنا نرى بعض الجمعيات الخيرية بعد أن تؤسس لبناء مؤسسي متين وقوي تطرح برامج ومشاريع نوعية عالية الفاعلية والكفاءة تلبي اتجاهات ومواقف ورغبات المتبرعين والمحسنين من ناحية، وتلبي معايير الشركات التي تقوم بمسؤولياتها الاجتماعية وهو أمر أكثر من جيد. من ناحية أخرى بتنا نرى مقترحات ذكية وابتكارية أيضا لتوفير الإيرادات المالية المستدامة لتلك الجمعيات، ومن ذلك ما دعا إليه سمو الأمير فيصل بن سلمان بن عبد العزيز، رئيس مجلس المسؤولية الاجتماعية خلال افتتاحه فعاليات معرض المسؤولية الاجتماعية في أواخر الشهر الماضي إلى تشجيع الشركات الأجنبية العاملة في المملكة، التي لديها أوعية ضريبية في استخدام الحسم الضريبي لدعم الجمعيات الخيرية في المملكة، ليكون عنصرا من المصروفات في بلدانها، والذي أوضح فيه ''إننا بحاجة إلى تحفيز الشركات، وقد يتم التحفيز عبر حسم تلك التبرعات خلال السنة من الوعاء الضريبي في المملكة ''على اعتبار أن مثل هذا الإجراء سوف ينعكس إيجابيا على العمل الخيري ويوفر الدعم المستدام لمؤسسات المجتمع المدني، لتقوم بدورها الداعم للعمل الحكومي''. ولا شك أن ما ذكره الأمير فيصل بأن الجمعيات والمؤسسات الخيرية تقلل نفقات الحكومة وجهودها في مجالات عديدة، وبالتالي فكلما تعاظم دورها كان لذلك الأثر الإيجابي في سرعة تلبية احتياجات المجتمع الضرورية في المجالات الإنسانية والاجتماعية، يعد الحافز الرئيسي لإقرار مثل هذا النظام ذلك أن ما تنفقه أو تتنازل عنه الحكومة من أموال للجمعيات الخيرية إنما تنفقه في المحصلة على أجهزة تعد بصورة أو بأخرى أجهزة تابعة لها، وتعمل في إطار تحقيق أهدافها التنموية، وإن بدا أنها مستقلة إداريا وماليا، ولا شك أن تفكير الحكومة وأجهزتها القائمة على تنظيم وتطوير وتحفيز عمل الجمعيات الخيرية في إطار خططها للتنمية الاقتصادية والاجتماعية سيؤسس لقرارات إيجابية في هذا الاتجاه، وبخلاف التفكير في هذا الإطار لن يؤسس لمثل ذلك. ختاما، أتمنى من الجهات المعنية كافة بتنمية عمل الجمعيات الخيرية والمعنية بتنمية تطبيق مفهوم المسؤولية الاجتماعية للشركات تحفيز الشركات المحلية والأجنبية للنهوض بمهامها في خدمة المجتمع وفق أفضل الممارسات العالمية، وأن نرى مقترح سمو الأمير فيصل بن سلمان في استخدام الحسم الضريبي لتشجيع الشركات الأجنبية العاملة في المملكة التي لديها أوعية ضريبية لدعم الجمعيات الخيرية في المملكة واقعا مطبقا في بلادنا العزيزة. *نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل