المحتوى الرئيسى

مرجعيات مستنفذة مرة اخرى .. بقلم احمد بارود

06/07 21:46

المرجعيات في بلادنا كثيرة ، متعددة ومتنوعة .. وطنية ، ثورية ، دينية ، حزبية ، عائلية ، نضالية ، تاريخية .. يصعب أن تحصر تعددها وتنوعها بل ويصعب كذلك أن تتوقع إلى أي مدى يمكن أن تتناسل أو تتوالد مستقبلا وكلها ، على اختلاف نسبة تأثيرها في وعينا وتصرفاتنا ، تلتقي على مفردة واحد يلغو بها الجميع ، وتشبع ، في الجميع ،إحساسا وهميا بأنهم يصدرون عن هيبة المقدس والمسلم به دون أي جدال .. إنها مفردة " الشرعية " فكل مرجعياتنا شرعية .... ويبدو أننا ، لكثرة ما تعاطينا ونتعاطى مع عصائر هذه المرجعيات " الشرعية " قد دخلنا في حالة سكر أفقدتنا التوازن فصرنا نتعثر نتصادم تختلط وتتشابك شؤون حياتنا إلى أقصى حدود الفوضى .. ونخشى ، إذا ما استمر هذا الحال، أن نسقط معا في غيبوبة تخرجنا من هذا الزمان أو تعود بنا ، في غيبة من الوعي ، إلى العدمية و أزمنة التوحش الغابرة .. بل ربما نستدل مما نشهده في بلادنا من بعض مظاهر هذه الفوضى على إشارات وعلامات تؤكد قرب حلول هذا الزمان . فأي تفسير ، مثلا ، غير العدمية يمكن أن نفهم به زمانا يقتل فيه الفلسطيني الفلسطيني ؟يعتقل الفلسطيني الفلسطيني؟ يكمم الفلسطيني فم الفلسطيني؟! ألا يدل هذا ، بمعنى من المعاني ، على أن تلك المرجعيات تغذي في الوعي هنا ثقافة الانتحار ؟ بل أي ترجمان لوحشية هذا الزمان أفصح و أوضح من القتل عندما تسوغه وتشرعه مثل هذه المرجعيات .. وطنية كانت أم عائلية أم دينية ! إن المرجعيات في هذا " الوطن " متهمة اليوم بتشويش وعي المواطن و إخراجه من فضاء وطنيته ودفعه ، عمدا ، نحو بدائل ضيقة شوهاء وعمياء ترى الأسود أبيضا والأبيض أسود. نحن هنا لا نتهم الوطنية ، كقيمة وحدوية " معنوية " نلغوا بها منذ عقود بأنها المسؤولة عن خيباتنا و انقساماتنا وشرذماتنا المقيتة لكن نراها قد صارت .. بعد أن ارتقى بها دعاتها وأشياعها إلى مدارج روحية عليا .. كأي مرجعية روحية أخرى فضفاضة تخضع لأكثر من فهم و أكثر من تفسير .. ومشاعا مباحا لأي طرف أو جهة تشحنها بالمعنى الذي تشاء وتفهمها بالمعنى الذي تشاء . ومن المؤسف ، أن أطول ثورة " وطنية " في التاريخ ، كما يباهي البعض ، وبكل ما زخرت به هذه الثورة من كفاءات فكرية وقانونية وثقافية ، لم تستطع أن تضع محددات وضوابط لمفهوم الوطنية تنأى به عن الفضفضة الروحية المتوهمة فلا يظل ، كل هذه العقود ، كالعباءة الأثرية يشد أذيالها كل من أراد أن يداري عوراته أو إخفاء ملامحه . ربما أخذتنا قديما براءة الولاء و الانتماء للوطنية الكفاحية نحو صدام دموي ضد المعتدين .. لكن أي معنى اليوم لهذه "الوطنية " عندما تلوث براءة الأجيال الجديدة فتدفعها نحو صدام دموي ضد بعضها البعض ؟! لم اعد أرى اليوم في هذه الوطنية الفضفاضة تلك المرجعية الصادقة التي تعكس ، في الميدان ، سعيا صادقا موازيا لتحقيق الوحدة .. يبدو أننا قد خسرنا ، بعد أربعين سنة من الكفاح ، البراءة و العمر و الدم بغير نتيجة . أليس من الواجب ومن الضرورة أن نعيد النظر من جديد في كل تلك المرجعيات ؟ ..... فأية مضامين حضارية وطنية مثلا يمكن أن نراها اليوم في تصرفات عدوانية تغذيها المرجعية العائلية ؟! و أية مرجعية ثورية ، مثلا ، يمكن أن نطالعها اليوم في ذلك التسريب ، المتعمد ، لطاقات الأجيال الصاعدة في القنوات الفصائلية الضيقة ؟! أو لا يجب كذلك أن نسعى إلى تحرير المرجعية " الوطنية " من مضامينها الأمنية و العقائدية ، لنبحث ، ما بين الأمن و العقيدة ، عن مضامين جديدة تساوي بين الناس فلا تصنفهم لاعتبارات الولاء و العصبية ؟! ولماذا نعلن رفضنا ، بجرأة ، للمرجعية " الدولية " التي تمنينا منذ سنوات بوطن يلم شتاتنا بينما لا نعلن ، بنفس الجرأة ، رفضنا لمرجعيات " فلسطينية " متعددة تذهب بهذا الشتات إلى مدى أبعد ؟ ألأنها فلسطينية ؟ فهل يظن أحد أن اسم فلسطين يليق أن نجعل منه مرجعية أخرى ننسب إليها عرينا وعوراتنا المكشوفة ؟ ألا ترى معي أيها القارئ العزيز أنه لم تنضج بعد في وعينا.. رغم كل تلك الدماء الفلسطينية التي أريقت .. عوامل الثورة الثقافية التي ترتفع بأقدار الفلسطينيين إلى ما فوق مرجعياتهم قصيرة النظر ؟ حيث الربط ما زال قائما في هذه المرجعيات المعاقة ما بين الفرد وعائلته مثلا أو وظيفته أو مكانته الاجتماعية ، .. و لا قيمة لكفاءة الإنسان وتفوقه وتفرده من غير تلك الاعتبارات المتخلفة . لا اعتقد من جانبي أن من السخرية الدعوة إلى ابتكار علم جديد يبحث في هذا الشأن ويجيب على تلك الأسئلة ، و اقترح له اسما "علم المرجعيات الشرعية " وهو بالطبع غير العلوم لشرعية ، يضاف إلى جملة العلوم التي تدرس في بلادنا على أمل أن ننجح بذلك في إرساء قواعد ثورة ثقافية نتمناها..... فلا ينبغي ، في ظني أن تظل تلك المرجعيات المستهلكة المستنفذة قواعد أو محفزات لفكرنا وسلوكنا بعد أن جعلت من المشتغلين بها عبئا على مستقبل الوطن ومصير المواطن

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل