المحتوى الرئيسى

إكرام يوسف تكتب: الإخوان وتحديات العمل العلني

06/07 20:48

       لعل من أبرز تداعيات ثورة 25 يناير، انتفاء صفة "المحظورة" عن فصيل سياسي مهم على الساحة المصرية. ولما كانت إقامة حياة ديمقراطية سليمة تتطلب إفساح الفرصة لمشاركة الجميع في إعادة بناء دولة حديثة تليق باسم مصر؛ لم يعد من الممكن  ـ ولا من الجائز ـ إقصاء فصيل بحجم الإخوان المسلمين عن الحضور الفعلي والعلني في الحراك السياسي والاجتماعي الحالي.    وكان إقبال الجماعة على استثمار فرصة العمل العلني وإعلانها تشكيل حزب يمثلها، نتيجة إيجابية تطرح الإخوان ككيان سياسي، له برنامجه الذي يمكن مناقشته والاعتراض عليه وانتقاده من دون التعرض لسيف التشكيك في عقيدة المخالفين. وهي ميزة يضمنها أيضا تشكيل عدة أحزاب على اساس مرجعية إسلامية، مما ينزع صفة القداسة عن برامجها وعن أشخاصها، ويتيح الفرصة للتعامل معهم باعتبارهم ساسة غير معصومين. إلا أن هذا الوضع يتطلب من الجماعة انتهاج مسار جديد يتناسب مع مقتضيات العمل السياسي العلني.          فعندما كانت الجماعة "محظورة" يتعرض أعضاؤها لملاحقات؛ ضمن لها هذا الوضع في حد ذاته شعبية لدى البسطاء، باعتبار الإخوان "ناس بتوع ربنا" يتعرضون للمضايقة. كما كان الكثيرون يفضلون منحهم أصواتهم نكاية في مرشحي الحكومة. أما في ظروف العمل العلني، فسيكون تقييم أدائهم أكثر موضوعية، يعتمد بالتدريج على الرؤسة العقلانية لما يقولون وما يطبقون بالفعل.     لكن الجماعة تبدو كما لو أنها لم تتخلص بعد من عيوب شابت مواقفها عبر تاريخها الطويل، جلبت عليها دائما عواقب وخيمة. وربما ساعدت ظروف العمل السري على مداراة هذه العيوب والتغطية عليها. لكن التحول للعمل العلني يتطلب شفافية ووضوحا، آن الأوان لكي يمارسهما الإخوان.   فعلى سبيل المثال، دأبت الجماعة على التقرب إلى الحاكم على حساب بقية القوى الوطنية، وما أن تطمئن إلى ما تخيلته من حظوة لديه، وتبدأ في العمل لصالح أجندتها الخاصة، حتى تفاجأ به يدير لها ظهر المجن وينكل بها! حدث هذا عندما انضمت الجماعة إلى "اللجنة الوطنية العليا للعمال والطلبة" عام 1946 المكونة من جميع تيارات المعارضة للاحتلال والملك، ولكنها سرعان ما انشقت عنها لتخرج في المظاهرات تهتف "الله، الملك، الوطن" مبدية الملك على الوطن، في مواجهة باقي القوى الوطنية. وما أن اطمأنت إلى مكانتها لدى الملك وبدأت تعمل وفق أجندتها الخاصة، واغتال أحد أعضائها محمود فهمي النقراشي، حتى انقض عليها النظام وقتل مؤسسها المرحوم حسن البنا، وحظر نشاطها. ومع ثورة 52 سارعت الجماعة إلى إطلاق لقب "المباركة" على الثورة، محاولة استثمار وجود ممثلين لها ضمن الضباط الأحرار، فحققت نجاحا أوليا عندما صدر القرار بحل جميع الأحزاب والجماعات عداها، وما أن بدأت تعمل وفق رؤاها المتعارضة مع رؤى النظام حتى انقض عليها ونكل بأفرادها، فتقاسموا مع الشيوعيين  وكل من جرؤ على المعرضة حينها مآس ومحن رهيبة في المعتقلات. وعندما تولى السادات الحكم، أفرج عن قياداتهم وقربهم إليه، فتولوا عنه ضرب القوى اليسارية، واتهامها بالكفر بينما منحوه لقب الرئيس المؤمن، ولم ينتبهوا إلى أنه ـ كما في كل مرة ـ كان يستخدمهم لتحقيق أغراضه هو. وبمجرد التفاتهم لتنفيذ أجندتهم المتعارضة معه، انقض عليهم وعرفوا مرة أخرى سيف المعز، بعدما اعتقدوا أنهم سيغرقون في ذهبه!      وأزعم أن هذا نفس ماحدث بعد ثورة 25 يناير، حيث أعلنوا في البداية معارضتهم للمشاركة فيها، ولكنهم انضموا بعد أيام من قيامها؛ وما أن اعتلى رئيس الوزراء عصام شرف منصة التحرير حتى رأينا قيادييهم يقفزون إلى جانبه على المنصة حريصين على ألا تفوتهم فرصة التقاط الصور إلى جانب رموز الحكم الجديد. وعندما قرر الثوار تنظيم جمعة التطهير يوم أول أبريل، حاول الاخوان استعراض حجمهم أمام المجلس العسكري، فأعلنوا عدم مشاركتهم في المليونية ، ووقف خطباؤهم في المساجد يتهمون من سيذهب إلى التحرير بمحاولة تخريب جهود المجلس العسكري، الذي دعت الجماعة رموزه للاحتفال معهم بعيد اليتيم والتقاط الصور مع الحكام الجدد. وكان لموقفهم أكبر الأثر في إظهار حجمهم الحقيقي، بعدما امتلأ ميدان التحرير بمليونية حضرها الثوار والجماهير في غياب الأخوان، ونجح اليوم كما نجح يوم 25 يناير الذي عارضوه مسبقا. وهم حريصون منذ تولى المجلس العسكري الحكم على إظهار تمايزهم عن بقية القوى الوطنية، التي تنتقد أحيانا مواقف للمجلس العسكري، باعتباره القيادة السياسية التي يحق للشعب مطالبتها بما يريد وانتقادها إن لزم الأمر كما هو الحال مع جميع الحكام في الدنيا. إلا أن الإخوان دأبوا على إظهار أنفسهم في صورة المؤيدين على طول الخط واستعداء الحاكم الجديد على القوى الأخرى، فعارضوا مرة أخرى مليونية 27 مايو، متهمين الداعين إليها بمحاولة "الوقيعة" بين الجيش والشعب وتحدث خطباؤهم في الجوامع باعتبارهم ـ وحدهم ـ "حماة" الجيش الذي يعارضه سواهم. ولكن اليوم نجح نجاحا ساحقا، وكان الإخوان هم الخاسرين، لأنهم أظهروا للجميع كيف استطاع "سواهم" ـ في غيابهم ـ حشد الجماهير في 18 محافظة من محافظات مصر، وهو ما يزيد كثيرا عن حجم المشاركة في يوم 25 يناير!    وهكذا يكرر الإخوان نفس الأخطاء القديمة، غير أنها هذه المرة، وفي إطار العمل العلني سيكون لها صداها السلبي على صورة الإخوان إن لم يتداركوا الأمر، ويتعلموا فضيلة "الاعتراف بالخطأ" وهي فضيلة لم يحدث في التاريخ أن ضبط الإخوان متلبسين بها!      فطوال تاريخهم، اعتادوا سياسة واحدة لا تتغير عند مواجهتهم بخطأ، تبدأ بإنكار حدوث الخطأ من الأساس، فإذا واجهتهم بالأدلة يقولون لك "كلامنا اقتطع من سياقه وتم تحريفه" وإذا قدمت لهم تسجيلا وأدلة دامغة، سرعان ما يقولون "خطأ فردي يمثل صاحبه ولايمثل الجماعة".. نفس السياسة منذ قال البنا "لا إخوان ولا مسلمون" مرورا بـ "طظ" وصولا إلى "الفلوطة" صبحي صالح!   لم يحدث أن اعتذر الإخوان أبدًا، وإنما المكابرة دائما وإنكار الخطأ، في تطبيق خاطئ لمبدا "أنصر أخاك".. في حين أن الموقف المبدئي الصحيح، الذي يضيف مصداقية للجماعة،  يتطلب اعتذارا من الجماعة عما قاله "صالح" ومحاسبته على اتهام الفتيات المتدينات من خارجة الجماعة بأنهن "أدنى"، واستهانته بآيات الله. ولو كان ارتكبها أحد من خارج الجماعة لما نجا من الطعن في دينه، وربما دعاوى قضائية لازدرائه بالدين! لكن الجماعة ومؤيديها انطلقوا في حملة للدفاع عن "صالح" دون التطرق لما قال، وانهالوا ـ كالعادة ـ طعنا في المعترضين على كلامه، واتهاما لهم بمعاداة الإسلام!.. بينما تسارع الجماعة إلى مهاجمة شبابها ـ الذين انحازوا إلى مصلحة الوطن، وانضموا إلى الثوار في المناسبات التي رفضت فيها قياداتهم المشاركة ـ وتنزع عنهم شرف تمثيلها في ائتلاف شباب الثورة، وتعلن أنهم يمثلون أنفسهم، ناسية أنها بذلك تنزع بيدها ورقة التوت التي غطت مواقفها بعدم المشاركة.. لقد خسرت الجماعة أن يمثلها شباب كالورد كان لهم دورهم الوطني غير المنكور إلى جانب رفاقهم من التيارات الأخرى؛ وقبلت أن يكون ممثلها صبحي صالح..وشعاراتها "طظ " و "الفلوطة"!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل