المحتوى الرئيسى
worldcup2018

«بيزنس ويك»: ليست فقط ثورة «فيس بوك».. و«المصرى اليوم» تحلق بعيداً عن منافسيها

06/07 20:07

نشرت مجلة «بيزنس ويك» العالمية، فى عددها الصادر هذا الأسبوع، موضوعاً على 5 صفحات حول ثورة 25 يناير، وتجربة «المصرى اليوم».. و«بيزنس ويك» هى أكبر مجلة أعمال فى العالم وصاحبة جائزة «أوسكار» الصحافة، والرفيقة الدائمة للسياسيين والاقتصاديين، و8 ملايين قارئ يطالعون موقعها الإلكترونى فى 140 دولة. ومجلة «بيزنس ويك» Business week التى تصدر منذ عام 1929 لاتزال تحافظ على لقبها كأكبر مجلة أعمال فى العالم، وتفتخر المجلة دائماً بأن نصف محتواها تقريباً هو ملك حصرى لها ويمثل انفراداتها الخاصة .. وإلى نص الموضوع: «كنا نصلى من أجل أن تنجح الثورة»، هكذا يقول مجدى الجلاد، رئيس تحرير صحيفة «المصرى اليوم»، كبرى الصحف المستقلة فى مصر، ثم يرسم على وجهه ابتسامة ساخرة ويضيف فى دعابة: «لأنه إذا فشلت هذه الثورة سيتم اغتيالنا». الجلاد «47 عاماً» - المفرط فى نحافته، ذو الملامح الشاحبة التى يخترقها شارب أسود بحيث يبدو شبيهاً بشخصية الأب «جيدو ساردوشى» فى البرنامج التليفزيونى الكوميدى القديم Saturday Night Live - كان جالساً على طاولة مكتبه بضوئها الخافت يحتسى الشاى، وأمامه ثلاثة هواتف محمولة وعلبة سجائر، بينما يقوم بالتوقيع على بعض الصفحات لتشق طريقها إلى المطبعة، تظهر الطبعة الأولى من الجريدة فى الأسواق فى التاسعة مساء، لذلك فإن الجلاد أمامه ساعتان أو أكثر قليلاً لاختيار موضوعات الصفحة الأولى. أصبح «الجلاد» رئيساً لتحرير «المصرى اليوم» عام 2005 بعد عام من صدورها. وخلال هذه الفترة ارتفع توزيع الصحيفة من 10 آلاف إلى أكثر من نصف مليون نسخة، أى أكثر من توزيع صحيفة «الأهرام»، كبرى صحف الدولة، ما يعنى أن الصحيفة التى كانت تمثل صوت المعارضة الخافت أصبحت الآن أكبر صحيفة يومية فى مصر. فى مطلع العام الحالى (خلال أيام الثورة) تعهد حلفاء الرئيس - المحاصر - حسنى مبارك بإغلاق الصحيفة فور استقرار الأوضاع، لكن الأمور سارت فى الاتجاه المعاكس، حيث انهار نظام مبارك، بينما عززت «المصرى اليوم»، التى دعمت الثورة مبكراً، مكانتها باعتبارها الصحيفة الأكثر موضوعية وأهمية وتأثيراً. المشهد داخل مكتب مجدى الجلاد ينطوى على إجابة لسؤال: لماذا تتوقف نتائج ثورة 25 يناير فى جزء منها على ضرورة الحفاظ على حرية الصحافة، فأحد مساعديه يسلمه الهاتف المحمول: إنه عصام شرف، رئيس الوزراء على الخط. على الفور يلتقط الجلاد أقرب ورقة بيضاء ويبدأ الكتابة: «لقد سمعت أن الزيارة الوشيكة إلى الخليج تم إلغاؤها».. يسأل الجلاد رئيس الوزراء خلال حوار لم يستغرق سوى خمس دقائق على الهاتف، يرد «شرف» بأن السعودية محطة مهمة «لأنهم فى المملكة يحاولون عمل شىء ما». يعلق «الجلاد» وهو يغلق الهاتف: «حسناً سنرى ماذا سيحدث خلال الساعتين المقبلتين». عندما يعلم «الجلاد» من مكتب رئيس الوزراء أن الجولة الخليجية ستتم، تنشر «المصرى اليوم» هذا الانفراد فى صفحتها الأولى. هذا النوع من التواصل بين رئيس الوزراء ورئيس تحرير صحيفة مستقلة لم يكن ممكناً تخيله فى عهد مبارك، لكنه كما يقول الجلاد وهو يشعل سيجارة أخرى: «يحدث الآن بفضل الثورة» ويتابع: «يدرك الناس فى مصر الآن مدى تأثير الصحافة». المظاهرات التى أنهت 30 عاماً من حكم مبارك أصبحت تعرف بـ«ثورة الفيس بوك»، ولكن جذور الانتفاضة تعود إلى وسائل الإعلام التقليدية، فخلال العقد الماضى ومع ظهور وسائل إعلام مستقلة مثل «المصرى اليوم» حصل المصريون على صورة واقعية لمنظومة فساد وعجز نظام مبارك، وعندما بدأت مواكب الناشطين والمؤيدين للديمقراطية تتقاطر إلى ميدان التحرير فى يناير الماضى، تدفق ملايين المصريين الممتلئين غضباً للانضمام إليهم. «لعبت وسائل الإعلام الاجتماعية دوراً مهماً للغاية فى دعم هذا الحشد».. كما يقول خالد فهمى، أستاذ التاريخ فى الجامعة الأمريكية بالقاهرة، ويستدرك: «لكن وسائل الإعلام لعبت أيضاً دوراً حيوياً، ربما ليس فى إشعال الثورة، ولكن فى تمهيد الطريق أمامها». بعد مرور أربعة أشهر هدأ زخم الثورة وعادت الصحافة مرة أخرى إلى خط المواجهة، على الرغم من تغير السلطة. فالروح التى سادت خلال الـ18 يوماً من الانتفاضة تحولت إلى نوبات من العنف فى شوارع القاهرة، واتهم قادة ثورة «ميدان التحرير» الحكومة المؤقتة، بالتساهل مع مبارك وابنيه وأتباعهم، (نتيجة هذه الانتقادات أعلن المجلس العسكرى فى 23 مايو أن مبارك ستتم محاكمته بتهمة قتل المتظاهرين)، ومع وقوف مصر ودول أخرى فى الشرق الأوسط على حافة الفوضى السياسية تتزايد المخاوف من احتمال سيطرة الجماعات الدينية المحافظة مثل جماعة «الإخوان» على السلطة. وإذا حدث ذلك، فإن العواقب - بالنسبة للصحافة المستقلة - ستكون وخيمة، خاصة أنه من المتوقع أن تنمو صناعة الإعلام فى مصر وتحقق عائدات قد تصل إلى مليار دولار فى 2013، نصفها من الإعلانات فى الصحف، وذلك وفقاً لنتائج دراسة أجراها نادى دبى للصحافة عام 2010. بعيداً عن الأرقام، فإن صحيفة «المصرى اليوم» تحتل الطابقين الرابع والخامس من مبنى شاهق فى شارع المبتديان، المواجه لحى جاردن ستى بوسط القاهرة. تعج الصحيفة بالشباب، مجسدة الروح المثالية لمصر فى ثوبها الجديد، فصالة التحرير يشغلها أكثر من 100 صحفى أغلبهم من الشباب ويرتدى معظمهم ملابس من الجينز ويتعاون الصحفيون من الجنسين مع بعضهم البعض بحرية. بينما يجلس المحررون حول طاولة دائرية فى منتصف صالة التحرير للتأكيد على التزام الصحيفة بالشفافية. كانت فترة «الثورة» التى استمرت أكثر من أسبوعين بمثابة «بوتقة» صهرت قدرات صحفيى «المصرى اليوم» الشباب، حيث كان عليهم تفادى الرصاص المطاطى والقنابل المسيلة للدموع خلال الاشتباكات التى اندلعت بين المتظاهرين ورجال الشرطة أسفل مقر الجريدة، وفى الوقت نفسه، كانت أصوات الطلقات والقنابل تعطل اجتماعات مجلس التحرير فى كثير من الأحيان، وفى ظل تدهور الوضع الأمنى فى القاهرة طلب «الجلاد» من الصحفيات البقاء فى منازلهن، إلا أن الكثير منهن رفضن وفضلن المبيت فى الجريدة، كما فعل - تقريباً - كل فريق العمل من الذكور. الحقيقة أن وجود جريدة مثل «المصرى اليوم» فى مصر لتغطية أحداث الثورة كان أمراً غير متوقع.. تماماً مثل الثورة نفسها، فجريدة الأهرام التى تأسست عام 1875 عندما كانت مصر تحت الاحتلال البريطانى فى النصف الأول من القرن العشرين، ساعدت مع غيرها من الصحف فى تشكيل الطبقة الوسطى، إلا أن ثورة 1952، التى أطاحت بالنظام الملكى وأوصلت عبدالناصر إلى سدة السلطة، كانت بداية تراجع وسائل الإعلام المصرية، حيث أمم عبدالناصر غالبية الصحف، وتحولت صحف مثل «الأهرام» إلى بوق للسلطة، بعيد كل البعد عن الموضوعية. بعد تولى مبارك الرئاسة فى 1981، شددت الدولة قبضتها على وسائل الإعلام، وخلال عشرين عاماً على الأقل من فترة حكمه، كانت كل الصحف والقنوات المصرية تقريباً تخضع لسيطرة حكومة مبارك أو الحزب الوطنى الحاكم. تضخمت الصحف القومية مثل: «الأهرام» و«الأخبار» جراء البيروقراطية، كما أن رؤساء تحريرها كان يتم تعيينهم من قبل النظام، وفى المقابل كانوا يتنافسون لتغطية كل أنشطة وأخبار مبارك وأسرته، وفى مقابل هذا كانوا يتلقون إعانات ضخمة لتعيين آلاف الصحفيين، وتعويض تكاليف الإنتاج، والحفاظ على سعر منخفض لبيع الصحيفة، الأمر الذى يجعل أى صحيفة مستقلة محتملة خارج المنافسة فى السوق. وفى عام 2002 قرر صلاح دياب، مؤسس شركة «بيكو» للنفط والغاز والطاقة، حفيد ناشر إحدى الصحف فى عصر ما قبل عبدالناصر، إطلاق صحيفة يومية مستقلة: «كانت فكرة هذا المشروع بسيطة». هكذا قال شريف ودود، العضو المنتدب لـ«المصرى اليوم»، وتابع «فلم تكن هناك صحيفة جيدة فى مصر». اختار «دياب» الناشر المصرى المعروف هشام قاسم لتأسيس الصحيفة، وأقنع ثلاثة آخرين بالاستثمار فيها، وتم إطلاق «المصرى اليوم» برأسمال 10 ملايين جنيه، ليظهر عددها الأول فى شوارع مصر فى 7 يونيو 2004. يقول علاء الغطريفى، رئيس قسم التحقيقات فى «المصرى اليوم»: «بدأنا العمل بـ50 صحفياً يعملون فى شقة صغيرة وكنا نخرج من الجريدة للاتصال بالمصادر من الهواتف العمومية». وفى سوق الإعلام غير الممتعة فى مصر تفرد «المصرى اليوم» مساحات كبيرة للصور والإعلانات الملونة، ولتغطية قضايا اجتماعية مهملة فى قطاعات مثل الجريمة والتلوث، وما يتعلق بأوضاع المرأة، وفى عام 2005 نشرت «المصرى اليوم» فى صفحتها الأولى شهادة للمستشارة نهى الزينى وصفت فيها عملية تزوير نتائج الانتخابات البرلمانية التى أجريت فى ذلك العام، وفاز فيها حزب مبارك بالأغلبية الساحقة. هذا المقال وضع «المصرى اليوم» على الرادار الثقافى وساعد فى رفع عدد قراء الصحيفة خلال عامين إلى خمسة أضعاف، وأصبح لهذه الصحيفة الوليدة مقلدون كثر. مبارك لم يسمح لهذا النجاح بأن يستمر، فقد مثل مجدى الجلاد أمام النيابة العامة عدة مرات، وذلك لنشره مقالات اعتبرت محرجة جداً للرئيس السابق وحلفائه، أما المستثمرون فى «المصرى اليوم» فتم الضغط عليهم بالحرمان من العقود الحكومية، وفى لحظة فارقة رفض مالكو «المصرى اليوم» محاولة من جانب أحمد عز- أمين التنظيم السابق فى الحزب الوطنى المنحل- والملياردير وثيق الصلة بجمال مبارك- شراء حصة مؤثرة فى الجريدة. وفى يونيو 2010 كشفت وثيقة لوزارة الإعلام تم تسريبها بعد الثورة تفاصيل عن خطط حكومية لفرض قيود على وسائل الإعلام - فى الفترة المقبلة - بدءاً من الانتخابات البرلمانية فى نوفمبر 2010 مروراً بالانتخابات الرئاسية، التى كان يفترض إجراؤها فى 2011، والتى ساد اعتقاد بين المصريين بأنه سيتم تزويرها لصالح جمال مبارك، ونقلت الوثيقة المسربة قول أحد كتاب مجلة حكومية إنه بمجرد أن يصبح جمال رئيساً سيتم تفكيك «المصرى اليوم». فى خريف 2010، وفى قمة البيت الأبيض التى شارك فيها زعماء مصر وإسرائيل والأردن والسلطة الفلسطينية، تم التقاط صورة للرئيس الأمريكى باراك أوباما وهو يسير فى طريقه إلى المنصة فى الغرفة الشرقية، ومن خلفه الزعماء الأربعة الآخرون، ونشرت الأهرام الصورة على صدر صفحتها الأولى بعد أن تدخلت فيها بحيث يبدو مبارك وكأنه يقود الموكب. هذه الحادثة جعلت «الأهرام» موضوعاً للسخرية، وكشفت إلى أى مدى قد يذهب النظام لحماية صورة مبارك. وخلال الأشهر الأخيرة من 2010، بدأ رجال الرئيس السابق فى الضغط بطريقة أعنف على الإعلام المستقل، بإبعاد بعض مقدمى البرامج التليفزيونية «غير المتعاطفين» مع الحكومة، وإجبار بعض الصحف على منع عدد من الكتاب، أو حتى التضييق المالى على المطبوعات المؤيدة للإصلاح، ولم تزد الإطاحة برجل تونس القوى زين العابدين بن على فى 14 يناير 2011 مبارك، إلا مزيداً من جنون العظمة، وهنا بدأت «المصرى اليوم» تستعد لإجراءات عنيفة قادمة لا محالة. وفى صباح 25 يناير، اكتظ ميدان التحرير بأكثر من 100 ألف مصرى، فيما زحف الآلاف إلى شوارع الإسكندرية والسويس وغيرهما من المدن، ورد رجال الشرطة بالقوة، وداخل صالة تحرير «المصرى اليوم»- على مسافة ميل واحد من قلب الأحداث- كان الحوار بين «الجلاد» وفريقه حول كيفية تناول الحدث الذى يعد أكبر مظاهرة شعبية على الإطلاق ضد حكم مبارك، وعلى مدار اليوم نشرت الصحيفة على موقعها الإلكترونى تقارير لشهود عيان وفيديوهات لما يجرى فى الميدان، ويقول الجلاد: «كان محررونا يتصلون ليخبرونا بأن ما يحدث مختلف عن أى شىء رأوه من قبل، الميدان ممتلئ بوجوه غير مألوفة على الإطلاق فى أى مظاهرات»، وفى عصر ذلك اليوم اتصل وزير الإعلام بالجلاد، وحذره من أن تغطية المظاهرات المنشورة على موقع الجريدة الإلكترونى تمثل تهديداً للأمن القومى، واقترح أن تعيد الجريدة النظر فى طريقة معالجتها للأمر فى نسختها المطبوعة، الأكثر تأثيراً، والتى ستطرح ليلاً. أراد «الجلاد» الوقوف على دلالة أحداث هذا اليوم دون تصنيفها، بينما أفرد د. أحمد محمود، المدير الفنى، النصف العلوى من الصفحة الأولى لصورة تم التقاطها جواً للحشود من ميدان التحرير، وكتبت الصحيفة فوقها عنواناً من كلمة واحدة باللون الأحمر: «إنذار»، وقال شريف ودود: «إن ما خطر فى ذهنى عندها، هو أن الصحف تُصْنع خلال تلك اللحظات». بعد ساعات من طرح نسخة الجريدة فى 26 يناير، بدأ المتظاهرون فى التحرير يجمعون نسخ الصفحة الأولى، ويرفعونها فوق رؤوسهم. كانت تغطية «المصرى اليوم» هى الأبرز، ففى نفس اليوم ظهرت جريدة «الأهرام»، وقد خلت من أى ذكر للمظاهرات. وبعد ظهر 26 يناير، تلقى «الجلاد» اتصالاً غاضباً من أنس الفقى، وزير الإعلام: «منذ متى يتلقى الرئيس إنذارات من وسائل الإعلام؟»، وتعهد الوزير بسحق الاحتجاجات وأن مبارك سيعاقب الصحيفة بنفسه، وقال الجلاد: «بعد ذلك انقطعت اتصالاتنا تماماً مع النظام»، وتابع: «قررنا عدم الانصياع، كنا نظن أننا نقاتل لمساندة المتظاهرين، إلا أننا فى الواقع كنا نقاتل من أجل أنفسنا». وفى 28 يناير، قطع النظام خدمات الإنترنت والهاتف المحمول، وبناء على الوضع الجديد توجهت قسمت السيد، مدير تنمية الأعمال فى «المصرى اليوم» إلى فندق سميراميس إنتر كونتيننتال حيث كانت شبكة الإنترنت تعمل به ولحق بها 20 صحفياً، تمكنوا من إدارة موقع الجريدة من هناك واستمراره فى التغطية رغم انقطاع خدمة الإنترنت، وبعد ظهر ذلك اليوم تمكن أحد محررى الفيديو من تصوير فيلم للمصادمات بين الأمن وحشد يضم آلاف الأشخاص، وقد انتهوا من صلاة الجمعة محاولين عبور كوبرى قصر النيل المؤدى إلى ميدان التحرير، إلا أن مدرعات تابعة للحكومة مزودة بخراطيم المياه تصدت لهم، وبعد أن نشرت «المصرى اليوم» تلك المشاهد على موقعها على الإنترنت، تداولتها وعرضتها الشبكات الأجنبية مثل «سى إن إن» و«بى بى سى»، التى كانت قد منعتها السلطات المصرية من بث صور حية للمتظاهرين، كما كانت «المصرى اليوم» أول صحيفة تنشر صور الشهداء الذين قتلوا على يد أفراد الشرطة، وقد أصبحت صور «شهداء الثورة» التى نشرتها الصحيفة على صفحة كاملة بمثابة أيقونة يضعها المتظاهرون فى ميدان التحرير على قمصانهم. وفى 11 فبراير.. أى بعد يوم واحد من انفجار الغضب والاستياء نتيجة رفض مبارك إعلان التنحى فى خطاب وجهه للأمة، تدخلت قيادة القوات المسلحة المصرية، وفى السادسة مساءً، أعلن عمر سليمان، نائب مبارك، تخلى الأخير عن السلطة، وفى تلك الليلة، تصدرت صور شهداء الثورة الصفحة الأولى لـ«المصرى اليوم» لتحيط بكلمات الأغنية الشهيرة «أموت علشان بلدى تعيش». كما غطت صور الاحتفالات المبهرة والألعاب النارية التى كانت تدوى فى سماء الميدان، أكثر من نصف الصفحة، وتحتها عنوان صغير باللون الأحمر: «البداية». وعلى الرغم من الفرحة التى أعقبت رحيل مبارك، فإن الكثيرين أبدوا شكوكهم بعد ذلك فى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذى تولى إدارة البلاد حتى يتم انتخاب برلمان ورئيس جديدين، ويقول ناشطون إنه منذ اندلاع الثورة تلقى عدد من المتظاهرين معاملة سيئة من بعض أفراد الجيش، وادعى بعضهم أنه تم اعتقاله وتعذيبه داخل المتحف المصرى، فى الوقت الذى رفضت فيه وسائل الإعلام التحقيق فى تلك الادعاءات، وقال حسام بهجت، المدير التنفيذى للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية: «ذهبنا إلى صحفيين وقدمنا لهم الدليل، وكتبوا تلك القصص، إلا أن مسؤولى التحرير لم ينشروا شيئاً»، وأضاف: «لا نعلم ما إذا كان ذلك نوعاً من الرقابة الذاتية، أم وفقاً لتعليمات من الجيش». قابلت «بهجت» فى مقهى بالقرب من مكتبة فى القاهرة، وبينما كان يرتشف كوب الشاى ويدخن الغليون، أطلعنى على رسالة بعث بها اللواء إسماعيل عتمان، عضو المجلس العسكرى الحاكم، إلى الصحف يحذرها من نشر أى مقالات أو أخبار أو شكاوى أو إعلانات أو صور تتعلق بالقوات المسلحة أو قيادة القوات المسلحة دون إذن من الجيش، تنهد بهجت وعلق: «ما يقلقنى أن وسائل الإعلام لديها استعداد لقبول هذا النوع من الأوامر». المحررون فى «المصرى اليوم» يقولون إن الجيش يحتل مكانة فريدة فى المجتمع المصرى، وهو «خط أحمر» يرفض معظم الصحفيين تجاوزه، وقد أصبح هذا التحفظ أكثر وضوحاً خلال الأشهر الثلاثة الماضية، إذ يرى العديد من المصريين أن الجيش هو خط الدفاع الوحيد ضد الجريمة المنتشرة والعنف الطائفى والتطرف الدينى. وفى هذا الشأن يقول إيهاب الزلاقى، أحد مديرى التحرير فى «المصرى اليوم»: «القانون المصرى يحدد طريقة النشر عن القوات المسلحة ولن تجد وسيلة إعلامية تستطيع أن تنشر قصصا عن المجلس العسكرى بالطريقة التى يريدها صحفى غربى»، وتابع: «عندما تكون خارج الموقف يختلف الأمر عما إذا كنت فى وسطه مثلنا». «الإخوان» هى المصدر الأكبر لقلق الجميع، والتى تعزز موقفها من خلال فشل الثوار فى تشكيل حركة سياسية متماسكة، عندما قابلت «الجلاد» كان قلقه من احتمال استيلاء الإسلاميين على السلطة ملموساً وواضحاً، حيث قال: «إذا نجح الإخوان فى الفوز بحصة كبيرة من مقاعد البرلمان المقبل فإنهم سيمثلون تهديداً كبيراً لحرية الصحافة فى مصر». ومع ذلك، يصعب تصور ارتداد الإعلام المصرى إلى نمط «الإعلام الحكومى» فالقراء المصريون لن يتحملوا هذا، وربما يكون أكبر مساهمة لـ«المصرى اليوم» فى الحياة المصرية هى إعادة تأسيس ما يمكن اعتباره أخباراً حقيقية، الأمر الذى انعكس على المنافسين أيضا. خلال الأشهر الثلاثة الماضية، فى «الأهرام» وغيرها من المطبوعات المملوكة للدولة، خضعت غرف الأخبار لانتفاضات ضد المسؤولين التنفيذيين ورؤساء التحرير الذين ظلوا فى أماكنهم بعد رحيل مبارك. ويقول يحيى غانم، وهو كاتب صحفى معروف فى «الأهرام»: «إن ظهور صحف مستقلة شجع المزيد من الناس هنا لتجاوز المناطق المحرمة، ونحن مدينون بذلك لهم». وبفضل تخفيف القيود المفروضة على منح التراخيص فإن نصف دستة من الصحف المستقلة تستعد للانطلاق بحلول نهاية العام. «المصرى اليوم» تحلق بعيداً عن منافسيها، وتتوسع فى الأشكال المختلفة للإعلام بإطلاق خدمات الفيديو عبر الإنترنت، وتدشين موقع تفاعلى، ونسخة من الجريدة لجهاز «آى باد»، وطبعة باللغة الإنجليزية على الإنترنت، وهناك طبعة أسبوعية من النسخة الإنجليزية فى طريقها للانطلاق هذا الشهر، كما يعبر «شريف ودود» عن طموحاته لتطوير برنامج تليفزيونى إخبارى يتولاه الصحفيون والمحررون بالجريدة. مستقبل مصر يحيطه الضباب، لكن كما يعرف خبراء الإعلام فإن الأزمات تحمل معها أيضاً المزيد من الفرص، ويختم «ودود» بقوله: «هناك الكثير من الأخبار فى مصر هذه الأيام»، ومازالت (المصرى اليوم) تحاول أن تصنع الحدث بنفسها.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل