المحتوى الرئيسى

هؤلاء عاشوا في وجداني:طه حسين بقلم:علي عبد الفتاح

06/07 19:40

هؤلاء عاشوا في وجداني : طه حسين بقلم /علي عبد الفتاح تعذبت كثيرا مع طه حسين .. اذ كنت اقرأ كتاباته أكثر من مرة .. وانسخ عبارات كثيرة واحفظها .. ومن اهم كلماته التي قرأتها في طفولتي .. احاول أن اذكرها الان هي : انا .. قلق دائما .. مقلق دائما .. ثائر .. ومثير للقلق من حولي .. ساخط على كل شىء .. لا اتذكر باقي الكلمات .. ولكنى مازلت اقتنى الاوراق التى سجلت فيها كلمات طه حسين وكلما تناقشت مع الكبار قلت لهم في كبرياء : انا قلق .. انا ساخط .. وعندما سألوني لماذا ؟ لم اعرف الاجابة .. ولذت بالصمت الرهيب !! *** وقرأت كتاب" الأيام " في غرفتي وحدى ..وظللت ابكى من اجل هذا الطفل الاعمى .. وكيف كان اخوته يضحكون منه ويسخرون . وكلما شاهدت رجلا او صبي كفيف البصر وقفت معه اعبر به الطريق او اساعده لربما يكون في المستقبل من مشاهير الفكر مثل طه حسين .. *** ومما أثار دهشتى وتأثري قصه حبه لزوجته الفرنسية سوزان حين كان يدرس في فرنسا وهي تجلس بجواره على ضفاف نهر السين تقرأ له بصوتها الساحر قصائد الشعر الفرنسي الرقيق . وتعجبت كيف تتزوج الفرنسية الحسناء من الطالب المصري الفقير ؟ وتعلمت انه الحب الذى يفجر المعجزات . *** وقرأت كتابه الشهير "في الشعر الجاهلي " لابحث عن سر الثورة التي اثارهاهذا الكتاب ولكنى لم افهم شيئا . وكنت كلما توجهت بسؤال سواء لمدرسي بالمدرسة أو احد كبار العائلة يسخرون منى ولا يساعدني احد . وكنت ذات مرة استفسر من مدرس اللغة العربية وانا في المرحلة الابتدائية عن سبب مأساة طه حسين . فأجابنى في ضيق : - مالك انت وطه حسين .. خليك في دروسك يا ... واذا سألت أحد الكبار يضحك ويقول : - انت عاوز تكون فيلسوف .. امشى من قدامي الساعه دي . لذلك اعترف لكم .. عشت عمري لا اطرح تساؤلات .. أو انتظر حلولا لمشاكلى .. بل منذ طفولتي قررت ان اتولي قضيتي بنفسي .. وهذه العبارة انا احفظها من روايات للأديب كافاكا الذى تعلمت منه: - ان على كل انسان ان يتولى قضيته بنفسه *** واحببت كلمات طه حسين الجزلة .. الفصيحة .. الغارقة في البلاغة والعبارات المؤثرة .. فكنت أذهب الي دار الكتب المصرية في ميدان باب الخلق بالقاهرة . وهذا المكان هو موقع بيتى مباشرة امام دار الكتب . وكنت اختار ان اجلس امام النافذه حتى تراني امى وتشير لي ان ارجع لتناول الغداء وكثيرا ما كنت اشير لها بيدى رافضا ترك دار الكتب . واظل في قاعة المطالعة اقرأ لطه حسين والعقاد وابراهيم ناجي وقصص نجيب محفوظ والحكيم واحسان ويوسف ادريس وغيرهم . لا تندهش كان عمري سبع او ثماني سنوات .. *** وفي قاعة المطالعة كتبت اسم الكتاب الذى اريد أن اقرأه .. وكان : مرآة الإسلام.من أهم مؤلفات طه حسين .وكنت اجلس بين الكبار في قاعة القراءة وارفع رأسي الي اعلي ليبدو اني شابا ولست طفلا . واقترب منى الموظف المسئول في صوت هادىء وقال : - اذهب يا ابنى لقاعة الاطفال اقرأ مجلة سمير وميكى هنا للكبار . وجذبني من يدى بهدوء الي خارج القاعة .. وشاهدت من بعيد الكتاب الذى طلبته يوضع على مقعدى بعد ان انصرفت وشعرت بالالم لماذا لا يريدونني هنا؟ *** وفي اليوم التالي قررت أن اقرأ في قاعة الكبار .. فأنا اعرف القراءة .. واعرف الأدباء العرب جميعا وصممت على استعارة الكتاب والجلوس لقراءته. وظللت في انتظار الكتاب .. فذهبت الي الموظف الجالس على مكتبه وقلت له بخوف : - لي كتاب لم يصل حتى الان ونظر الرجل باستهانة لي ثم سألني : - ما أسم الكتاب ؟ قلت له فرحا : - مرأة الإسلام .. ( لاحظ لم اقل مرآة الإسلام ) واسرعت اقول : لطه حسين .. ونظر لي الرجل في غضب .. وقال : - وكمان لا تعرف ان تقرأ .. اطلع برة .. الم اقل لك امس اذهب لقاعة الاطفال. وجاء احد عمال القاعة وجذبني من قميصى واطاح بي خارج قاعة القراءة وعدت الي البيت باكيا .. احلم بكتاب طه حسين ولا ادري لماذا غضب منى الرجل ؟ ولا اجد من اوجه له اسئلتي ليساعدني . ولم اكتشف سر طردى من قاعة المطالعة الا بعد سنوات فيما بعد اذ كنت اقول مرأة وليس مرآة . *** وقرأت خلال تلك الفترة .. مقالات لطه حسين في الأدب الاجنبي .. عن جوته الأديب الالماني .. وكافكا وجون شتاينيك وفولتير وغيرهم .. واحببت كتاباته عن فولتير وقررت أن اقرأ رواية " آلام فرتر " التي تعد من اروع الاداب التي تعبر عن رهافة الشعور ورقة الاحاسيس في الإنسان . وقررت التحدى مرة اخرى .. سوف أقرأ في قاعة الكبار .. لاني كبير مثلهم بل انا أعرف عن طه حسين اكثر منهم جميعا . *** وتكرر المشهد .. وسألني الموظف عن اسم الكتاب .. وصحت له بثقة : - راوية الاديب الالماني جوتة وهي : الأم فرتر .. ( لاحظ لفظت كلمة آلام وقلت الأم ) وفي تلك المرة .. كاد ان يقتلني الرجل .. وصاح : هو انت تاني .. ربنا ياخدك يااخى .. وامسك بذراعي واستدعي احد العمال الذى قادني الي الشارع دون كلام وادركت ان السبب هو حقد هذا الموظف لاني اقرأ لكتاب وادباء كبار وهو مازال جاهلا عنهم كل شىء . *** وبعد سنوات عرفت السبب أن الهمزة والمد على الالف لهما دور في تغيير المعنى واقول لكم الصدق مازلت حتى اليوم لا افهم في قواعد النحو او التشكيل او الضم او الفتح والسبب يعود كما تعرفون الي مدارسنا التي تهمل هذا الجانب تماما ويجب ان نتذكر ان درجات النحو في الامتحان تكون قليلة ويهملها كل طالب . *** هذا هو طه حسين( 1898 – 1973 ) الأديب الذى تعذبت معه وتحملت بسببه الاهانات .. وتعلمت منه كيف اقاوم الصعاب واتحدى الألم .. هذا الأعمى القادم من قرية نائية في جنوب مصر تعاني من الفقر .. والمرض والأمية .. هذا الأديب العبقري .. يخرج من ظلمات هذه القرية إلى رحابة النور .. ووهج عصر النهضة .. ويقود المبصرين في طريق التنوير والحضارة . كيف قدر لهذا العملاق .. أن يرى ما حوله بذاته .. وإحساسه وتضئ بصيرته من الداخل بنعمة الهدى واليقين والفكر الإسلامي العظيم ؟ . *** حين نمعن في حياة قاهر الظلام .. نكتشف شمعة ظلت تفرش له الدرب بالضوء الخافت يمشي في ظلالها ..شمعة أسمها : سوزان .. امرأة ترمز إلى حضارة الغرب المتقدمة .. بكل مافيها من مادية وسيطرة .. واستعلاء ... وطه حسين .. الشاب الفقير الأعمى الذي يرمز إلى مصر .. وطن يخضع لنهب الغزوات الاستعمارية .. وطن يناضل ضد قوى البغي والعدوان .. ويحارب ليؤكد حضوره على خارطة العالم .. ولكن بلا جدوى .. من خلال هذا التناقض الصارخ ، والاختلافات الجوهرية العميقة .. لم يكن هناك من يتوقع أن تتمازج حضارة مصر الفرعونية والإسلامية مع حضارة الغرب الفرنسية . كيف ذلك ..؟ *** إنها تجربة الحب في حياة طه حسين ، تجربة كانت فتحاً فكرياً وثقافياً على العالم .. وفي الأدب العربي . حقاً .. عشق طه حسين هذه الفتاة الفرنسية "سوزان" أثناء دراسته في فرنسا حيث كانت تصاحبه إلى جامعة السربون .. وتقرأ له روائع الأدب .. وأعلام الشعر .. والحضارة .. وظلت تلازمه مقابل أجر يقتطعه من راتبه الذي ترسله له الحكومة المصرية . ترقرقت المشاعر في قلب طه حسين .. وسوزان الرقيقة الجميلة تؤدي عملها في براعة وهمة *** واستفاد طه حسين من دروسه .. وفتحت له مجالات تذوق الفن والأدب الفرنسي والسفر معه أو به إلى منابع الخيال الرومانسي والرقة الشاعرية . وشاء لهذا الأديب الكبير .. ابن الجنوب المصري الفقير أن ينعم بحياة هادئة أودعت في روحه السكينة .. والثقة وعمقت اتصاله بالحياة العادية ، والسيدة الجميلة تجلس بجواره على ضفاف النهر وتقرأ له أروع قصائد الغزل .. وقصص العشق .. والحروب من أجل بطولات المجد والانتصار . *** والهمته سوزان بصدق مشاعرها ، ولفحته نسمات من رقتها وأنوثتها وداعبت خياله أحلام أقرب إلى المعجزة . هل يعشق سوزان ؟ هل يحب هذه الفتاة الجميلة الفرنسية ؟ ولكن .. انحدرت دمعة وتجمدت خلف نظارته السوداء .. حين وضحت حقيقة الواقع أمامه . إنه الأعمى الفقير المصري الغريب .. بلاده غارقة في الظلام والجهل والأمية وسيف المستعمر ، وروحه معذبة ممزقة لم يكتب لها أن تحلق مثل سائر البشر في ممالك الحب والخيال . *** ويرتد طه حسين بذاكرته حين قدم أول بحث إلى الجامعة أثناء دراسته ، وقال له الأستاذ الفرنسي : - هذا البحث سطحي .. لا يستحق النقد ولملم أوراق البحث وخرج بصحبة سوزان .. وقد قرر العودة إلى مصر دون شهادة دكتوراه .. دون أي شئ . ولكن سوزان الجميلة الرقيقة تلهمه بالأمل .. وتداعب خياله بفرحة التغلب على الصعاب .. وتجاوز كل العوائق .. وترد له ثقته في نفسه وفكره .. وثقافته وأن وطنه مصر .. هذا الغارق في التخلف ما زال في انتظاره ليقوده إلى النور والتقدم والعلم .. والارتقاء .. *** ويبذل طه حسين جهداً كبيراً ليتقن درسه وعلومه في صحبة امرأة جميلة أصبح يبصر من خلالها كل ما حوله وتهون عليه الصعاب .. وتلطف له الخشن والقاسي حتى إن غابت عنه في يوم ما أسرع إليها ليطمئن أن العالم مازال بخير .. وأن حياته تظللها نسمات الجمال .. وعبير الصداقة البريئة . ولكنه أصبح يحبها .. فكيف الوصول إلى قلب هذه الغادة الفرنسية ؟ وكان لابد من البوح .. والاعتراف بهذا الحب .. *** وذهب إليها وجلسا معاً في إحدى الحدائق .. ورسم لها صورة في خياله .. وبدأ يهمس بخلجات الروح . - سوزان أنا أحبك .. وترد عليه بكل بساطة : - أشكرك على هذا الإطراء الجميل .. ولكن قلبي لا يشعر بحب تجاهك حتى الآن .. ولنكن أصدقاء . وتنحدر الدمعات غزيرة من خلف النظارة السوداء .. إن هذا الصوت العذب قد طعنه في تلك الآفة اللعينة التي أصابته منذ طفولته .. *** فهل رفضته لأنه أعمى ؟ ويقول طه حسين عن نفسه في هذا الموقف : هذه الأفة التي امتحن بها في أول الصبا .. وشقى بها في أول الشباب .. وأتاحت له تجاربه بين حين وحين أن يتسلى عنها .. بل أتاحت له أن يقهرها ويقهر ما أثارت أمامه من المصاعب وأنشأت له من المشكلات ولكنها كانت تأبى إلا تظهر له بين حين وحين أنها أقوى منه وأمضى من عزمه وأصعب مراساً من كل ما يفتق له ذكاؤه من حيلة .. *** ويصف طه حسين شعوره عندما أجابت سوزان عليه بأنها لا تحبه فيقول : - لقد استيقن أنه لم يخلق لمثل هذا الشعور وأن مثل هذا الشعور لم يخلق له وأين هو من الحب ؟ وأين الحب منه ؟ إنما كتب عليه أن يعيش كما عاش مثله الأعلى ذلك الذي وقف حياته منذ قرون طوال في دار من دور المعرة على الدرس ممعناً فيه .. غير معنى إلا به .. محرماً على نفسه ما أباح الله للناس من طيبات الحياة . *** ويحس طه حسين بالرثاء على نفسه .. لهذا الموقف المؤلم .. وندم أشد الندم على كلمة عبر بها عن شعوره بالحب العارم . *** وقد انصرف عن صاحبته في ذلك اليوم راضياً عن نفسه ساخطاً عليها .. راضياً عنها لأنها قالت ما لم يكن بد من أن يقال .. ساخطاً عليها لأنها عرضته بهذه الكلمة لشر عظيم ، فهي قد عرضته لإشفاق تلك الفتاة عليه ورثائها له وضيقها به .. ومن يدري لعلها تريد أن تصرفها عنه صرفاً .. وأن تلقي بينها وبينه حجاباً يقطع تلك الأسباب العذاب التي كانت تتيح لهما اللقاء والاستمتاع العقلي والشعوري بما كانا يقرآن معاً من آيات الأدب الفرنسي ... *** وتعود الجميلة الرقيقة سوزان إليه وتقول له : فإني قد فكرت فيما أنبأتني به وأوشك الصيف أن يظلنا وسنفترق فاصبر حتى إذا كان افتراقنا فستتصل بيننا الرسائل .. فإذا قرأت في بعض رسائلي أني أدعوك إلى أن تنفق معنا بقية الصيف فاعلم أني قد أجبتك إلى ما تريد وإن لم تقرأ هذه الدعوة حتى ينقضي الصيف فاعلم أنها الصداقة الصادقة بينك وبيني ليس غير . *** ويظل طه حسين في انتظار رسالة سوزان إليه ليعرف قرار أهلها ومصيره لديها ويقول عن نفسه : كان غريباً في وطنه .. وكان غريباً في فرنسا .. وكان يرى أن ما يصل إليه من حياة الناس إلا ظواهر لا تكاد تغني عنه شيئاً .. كانت حياته شيئاً ضئيلاً نحيلاً رقيقاً لا يكاد يبلغ نفسه .. لم يكن يأنس إلى أحد .. ولم يكن يطمئن إلى شئ .. قد ضرب بينه وبين الناس والأشياء حجاب ظاهرة الرضى والأمن وباطنه من قبله السخط والخوف والقلق واضطراب النفس في صحراء موحشة لا تحدها الحدود . *** وتكتب سوزان الجميلة إلى طه حسين أن يسافر إليها ويلتقي بأسرتها .. لقد أحبته سوزان هذا الحب ! وقررت الزواج منه . ترى لو لم تبادله سوزان هذا الحب .. ماذا كان سيكون من أمر الأدب العربي ودور طه حسين في النهضة والتنوير .؟ *** لا شك أن محنة طه حسين في بصره ومحنة وطنه الغارق في التخلف .. ومحنة ذاته في مواجهة العالم .. قد شكلت مأساة استطاع أن يتغلب عليها من خلال نور الحب الذي غمر قلبه ، واضاء بصيرته واستطاع أن يشاهد العالم بعيون " سوزان *** ويقول طه حسين عن أثر هذا الحب في حياته : اخذت تثوب إليه ثقته بنفسه وراحته إلى غيره .. وأخذ ينجلي عنه الشعور بالغربة والضيق والوحدة والشأم .. إن فتاته تلك قد جعلت شقاءه سعادة وضيقه سعة .. وبؤسه نعيماً .. وظلمته نوراً .. *** وظلت سوزان هي عيون طه حسين حتى إنها شرحت له على الورق جغرافياً بلاد اليونان .. وعندما دخل الجامعة طلب إحضار خارطة اليونان وصار يشرح للطلاب ورئيس الجامعة السهول والتضاريس في ثقة واقتدار لاته ذاق الحب والحنان وتكاملت روحه المعنوية والمادية .. *** واللحن الحزين على ضفاف السين واللحن الحزين على ضفاف نهر النيل يمتزجان معاً ....ويذوبان معاً .... في رحلة الحياة ...

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل