المحتوى الرئيسى

العلماء الذين ضّلَوا وأضّلَوا بين التلفيق والتوفيق، "التحريم الفقهي أنموذجاً.." بقلم:مروان محمد عبد الهادي

06/07 19:16

مروان محمد عبد الهادي بسم الله الرحمن الرحيم اقتباس: أصدرت هيئة العلماء السعودية فتوى تحرّم الاختلاط في مناحي الحياة والتعليم كافة، ونص البيان الذي أتى بعد يومين من قرارات ملكية تحدّ من البطالة مرفقة ببرنامج زمني لتحقيقها، وهو صادر من المؤسسة الدينية، نص على "تحريم الاختلاط بخلوة و دون خلوة" حيث جاء في البيان أنه "لا يجوز أن تعمل المرأة مع الرجال، كأن تكون سكرتيرة لمكتب الرجال، أو في الاستقبال لمكان غير خاص بالنساء أو عاملة في خط إنتاج مختلط أو محاسبة في مركز أو محل تجاري أو صيدلية أو مطعم يختلط فيه العاملون من الرجال والنساء لما يترتب على ذلك من آثار سيئة على الأسرة والمجتمع"!. وأفاد بيان هيئة العلماء بلجنته الدائمة ردًا على تساؤل من مواطن حول عمل المرأة في قطاعات التعليم والصحة وغيرها بأن "عمل المرأة وتعليمها يجب ألا يترتب عليه اختلاطها بالرجال"، وأكد البيان الذي حمل توقيع رئيسها عبد العزيز آل الشيخ أن يكون عمل المرأة "في مكانٍ مستقلٍ لا يعمل فيه إلا النساء"؛ مبررًا "أن الشريعة جاءت لتحريم الاختلاط بين الرجال والنساء، ومنعه، كالاختلاط في مجالات التعليم والعمل، وكل ما يفضي إلى الاختلاط" (انتهى الاقتباس) إيلاف العدد الصادر بتاريخ 6-6-2011 هذا نموذج من الغلو المتطرف على سبيل المِثال لا الحصر، اخترناه من بين عشرات الفتاوى التي مكنت رجال الدين من إحكام قبضتهم على أعناق الناس بعد أن جعلوا من أنفسهم أوصياء على وجدانهم وعقولهم، تارة تحت عنوان الحفاظ على الدين، وتارة بحجة أنهم ورثة الأنبياء، وتارة أخرى بأنهم أولياء الله، بالرغم من قوله تعالى: قلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللّهَ حَرَّمَ هَـذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ –الأنعام 150 قد يكون خافياً على البعض، من أن جُل محاولات الفقهاء الإحاطة بتصرفات العباد والتضييق عليهم يدخل في باب الصناعة الفقهية لا أكثر ولا أقل من ذلك، فالأصل في الأشياء الإباحة، فلا حرام إلا ما حرم الله سُبحانه، وهذا من رحمته على عباده لتضيق دائرة الحرام، لتتسع دائرة الحلال، رِفقاً وَرَفَعَا للعنت والحرج، كما في قوله تعالى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (الحج: 78) أنظر إن شئت كيف استبدل القائلون بتقديس التراث وأصحاب التراث آيات التنزيل الحكيم بالذي هو أدنى، بالأحاديث والروايات المُمتلئة بالطمي والرمم، والغث والسمين، والموضوع الكثير والصحيح القليل كمصدر للدين والعلم، حتى وقع السواد الأعظم من المسلمين في المحظور، والعُلماء الأفاضل في الحرام. لقد حرّموا ما أحله الله بالرغم من قوله تعالى في آيات لا تقبل التأويل، كقوله: "وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ (النحل: 116) إن التحريم الفقهي للأئمة الذين ضّلَوا وأضّلَوا، وعلى قدم المساواة مع المحرمات التي جاءت صريحة في التنزيل الحكيم يكون نوعاً من الشرك الذي أشار إليه قوله تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّـهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ) ﴿يوسف: 106﴾ فالشرك هو لسان حال أكثر منه لسان مقال، وليس بالضرورة أن يكون علنياً، وللشرك أنواع، أسوأ أنواعه هو شرك التجسيد الذي لا يغتفر، ولا يسعني في هذا المقام إلا أن أذكر قارئ التنزيل الحكيم بقوله تعالى: إِنَّ اللَّـهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّـهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا ﴿النساء: 48﴾ فالحلال والحرام أبدي وشمولي وتوقيفي من الله حصراً، لا شريك له فيه ، حيث أنه من بديهيات المنطق، الإقرار بأن المُحرمات لها خواص لا يُدركها إلا العليم البصير، كامل المعرفة في الغيب والشهادة، التي لا يحدها الزمان ولا المكان، هذه المعرفة لا يملكها رسول من عند الله، أو فقيه، ولا إجماع أو مجلس نيابي. الأمر والنهي أمرٌ يشترك فيه الله سبحانه وتعالى والناس، فإذا فهمنا ما سبق حق الفهم، وعلى ضوء ذلك، تُصبح كل التشريعات التي شرّعها الفقهاء ولا أصل لها في كتاب الله، باطلة نصاً وروحاً، ولا مكان لها في شرع الله الذي لا يشرك في شرعه أحد ((كائناً من كان)) فإن سألنني سائل، ألم يقل الحق سُبحانه، "وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا" نُحيب بالقول: الآية الكريمة التي دأب السادة العلماء بإخراجها من سِباقها وسِياقها عن عمد أو غير ذلك، تتحدث حصراً عن مصارف أموال الفيء ووجوهه (الغنائم) وتتحدث عن نصيب الرسول الكريم منها وذي القربى واليتامى والمساكين ومستحقيها من المسلمين، وتحث المسلمين على طاعة الله تعالى في أوجه صرف الفيء، وطاعة الرسول الكريم، صلوات الله عليه، في هذه الآية تحديداً، هي طاعة خاصة بالفيء ووجوه صرفه، ولا تشمل العمومية، ولا يجوز سحبها على كل ما ورد في كتب الأحاديث. فقوله سُبحانه: "وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا" فالإشارة هنا واضحة إلى أن للنبي الكريم، صلوات الله عليه، أن يأمر وينهى، ولكن ليس له أن يُحل الحرام، أو أن يُحرم الحلال. لقد خُتم الإسلام متكاملاً بالرسول الكريم لقوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا (المائدة: 3) فالمدقق المتجرد في مرامي هذه الآية يدرك واقعيتها ومحاكاتها للمنطق، لذا فالمحرمات أغلقت بالرسالة المحمدية، وكل فتاوى التحريم مرفوضة جملة وتفصيلاً، وإلا وقعنا فيما وقع فيه الذين اتَّخَذُوا "أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّـهِ" (التوبة: 31) والمحرمات في التنزيل الحكيم ستة عشر، لا أكثر ولا أقل من ذلك، تسع منها في سورة (الأنعام: 151) مضافاً إلها الأطعمة المحرمة (المائدة: 3) (الأنعام: 119) ومحارم النكاح (النساء: 23) وربا "الصدقات" (البقرة: 275) والأشهر الحرم (التوبة: 136) وصيد البر في حالة الإحرام (المائدة: 96) وتحريم القتال في مكة (المسجد الحرام) (النمل: 191) والإثم والبغي بغير الحق (الأعراف: 33) إننا نؤكد على أن السادة العلماء، الذين تركوا كتاب ربهم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والذين جعلوا من الروايات وأحاديث الآحاد ناسخة لأحكام الله، فحرموا ما أحله الله سُبحانه، قد تجاوزا حدودهم، وعدوا طورهم، وجعلوا من أنفسهم أرباباً من دون الله، من حيث يدرون أو لا يدرون! لذا، فالقول بأن "حرام محمد حرام إلى يوم القيامة، وحلال محمد حلال إلى يوم القيامة" افتراء وكذب على الله ورسوله، لا يفلح من قاله، بدلالة قوله تعالى: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (النحل: 116) إن التحريم من خصوصيات الله حصراً، ولا يملك أي مخلوق كائناً من كان هذا الحق، لأن التحريم شمولي لا رجعة عنه إلا برسالة جديدة يحملها رسول جديد.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل