المحتوى الرئيسى

باسل رمسيس : الشيخ رضوان.. و العذرية والشيخ صبحي

06/07 14:29

أفسد “الشيخ” صبحي صالح رغبتي في الحديث عن الشيخ رضوان في نص هادئ، بعيدا عن صخب “الخناقة” السياسية المشتعلة مؤخرا، بعد اانفضاض مولد الموجة الأولي من الثورة المصرية. لتقليل الضغط عن الشيخ صبحي “المسكين” الذي يتعرض لمؤامرة، حسبما يقول، علي أن أشير أنه ليس الوحيد الذي أفسد هذه الرغبة.. يشاركه الاتهامات لـ “سادتنا” العسكر بأنهم  قاموا بكشف العذرية علي عدد من النساء المشاركات، أو غير المشاركات في الثورة. هذا الإفساد طبيعي، فالشيوخ – في بعض تنويعاتهم – يفرضون طوال الوقت وجودهم وصخبهم، علي هذا الصراع ما بين مشروعين: مشروع الطموح لدولة مدنية ديمقراطية، تقدس أولا، وقبل أي شئ، مواطنيها وحقوقهم، ومشروع آخر، يستهدف جرنا وجر مجتمعنا إلي الخلف، الخلف البعيد، “الديني”، الذي ينتمي للأساطير، أو الخلف القريب، العسكري، الذي ينتمي للخمسينيات.هل يستحق “الشيخ” صبحي صالح، أو الشيخ العسكري المتهم بإعطاء الأوامر لممارسة جريمة الكشف علي عذرية النساء المصريات، الحديث عنهما إلي جانب الشيخ رضوان؟ هذا السؤال هو سؤال شائك، فالشيخ صبحي صالح لا يحتمل المزيد من الضربات التي تنهال عليه، بالإضافة لقدرته الذاتية، الفائقة، في تسفيه صورته، وصورة الجماعة التي ينتمي إليها ويعبر عنها. فقط علينا أن نتركه يتحدث، فالوعاء ينضح بما يحتويه. وهو ما ينطبق أيضا علي شيوخ العسكر، الذين يرتكبون الأخطاء يوميا، فاقدين تدريجيا، وبسرعة مذهلة، أي مصداقية، ناهيك عن الدعم الشعبي الذي لا يمتلكونه أصلا.فلنتحدث عن الشيخ رضوان: كان يعمل في نهاية السلم الوظيفي الحكومي، نوبي، انتمي منذ الخمسينيات لجماعة الإخوان المسلمين. التقي مع أبي “رمسيس لبيب” في سجون عبد الناصر، مطلع الستينيات. الخلاف الأيديولوجي والسياسي لم يمنعهما من الصداقة. مرت الأعوام، خرج الأخوان والشيوعيون من السجون والمعتقلات، والتقي الشيخ رضوان وأبي مرة أخري نهاية الستينيات، يعملان في نفس المكان، وتقطن عائلتاهما نفس الحي.هناك ثلاثة حواجز تمنع، نظريا، تعميق هذه الصداقة التي نشأت ما بين أبي والشيخ رضوان في السجن: أولا، لم يكن أبي موظفا في نهاية السلم الوظيفي الحكومي، مثلما كان صديقه النوبي. ثانيا، أبي شيوعي والشيخ رضوان من الإخوان المسلمين، وثالثا، تحمل عائلتنا في بطاقاتها الشخصية صفة المسيحية.كل هذه الحواجز لم تصمد، ولم تمنع الصداقة، والتقارب البالغ ما بين العائلتين. كنت أري الشيخ رضوان، مثلما علمنا أبي أن نناديه، آتيا لزيارتنا في منزلنا، يجلس بالساعات، “ليتشاجر” هو وأبي في السياسة، وليس في الدين. وتحديدا في السياسة المعزولة عن أي دين. وقت الصلاة، يسأل أبي السؤال المرح، المعتاد، عن اتجاه القبلة، لتفرش أمي له ملاءة بيضاء نظيفة علي سجادة الصالون، ليصلي. ويعاود الشجار السياسي مع أبي.مات الشيخ رضوان. أتذكر كيف كان والداى، برغم قلة طاقتهما، يسيران في الشمس والحر، طريقا طويلا في مدينة نصر، لزيارة عائلته. ومات أبي قبل أعوام، وعادت عائلة الشيخ رضوان إلي بيتنا.حين أشاهد صبحي صالح متحدثا، أو أقرأ كلامة، يستحيل علي ألا أتذكر الشيخ رضوان، وألا أتساءل: هل هو أفضل من الشيخ رضوان؟ هل هو أفضل من أبي؟ لا أحب هذا السؤال التمييزي حول الأفضلية. إلا أن صبحي صالح هو من يجبرني علي أن يحضرني هذا النوع من التساؤلات، فهو ينطلق في خطابه، وغالبا، من منطق الأفضلية. علي سبيل المثال، أفضلية الأخوات علي “بنات الشوارع” من غير الأخوات. صبحي صالح يجعل الإجابة سهلة، بالطبع الشيخ رضوان أفضل منه. وإن توفرت الرموز السياسية من نوعيته، لغابت المعركة الخطرة الدائرة حاليا.لم يكن الشيخ رضوان مهووسا بأن يفرض تصورات الإخوان المسلمين عن الإسلام علي مجتمعنا. وقتها كان الخلاف سياسيا، وكان الشيخ رضوان الإخواني، مثله مثل أبي الشيوعي، مثل الآلاف من المصريين، يبحث عن مشروع سياسي، وليس دينيا، لخلق مجتمع أفضل. وجده هو لدي الإخوان المسلمين، ووجده أبي لدي الحركة الشيوعية.بما أنني تحدثت عن أبي، فأنني أذكر له تفصيلتين في هذا السياق، أولهما، ما كان يردده أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات، خلال الفترة الأكثر ضراوة لمعركة نظام مبارك ضد الإسلاميين، بأن شباب الجماعات الإسلامية، الذين يحملون السلاح ضد الدولة، هم التعبير الأوضح عن الطاقة الإيجابية لشعبنا. هم الآن الرافضون، والراغبون في التغيير، وإن كانوا قد ضلوا الطريق من وجهة نظره.التفصيلة الأخرى، هي قبل هذا التاريخ، حين كان يسألنا وقت مراهقتي، وكنوع من أنواع التربية الأخلاقية والسياسية، عما سنفعله إن دق بابنا، ليلا، أحد الإسلاميين الهاربين، وطلب الحماية واللجوء لبيتنا. إجابته كانت حاسمة علي الدوام، نعم، سنحميه في بيتنا، برغم الخلاف، فالتيار الإسلامي هو خصم، أما العدو فهو النظام الفاسد.أعتقد أن نماذج مثل الشيخ رضوان، كانت في ذهن بعض اليساريين، الليبراليين، والعلمانيين، حين ارتكبوا/ارتكبنا خطأ الحديث المبكر عن النموذج التركي، كنموذج محتمل لمصر. يبدو أن التيار الإسلامي في مصر يختلف كثيرا عن نظيره التركي، ومصر تختلف كثيرا عن تركيا، فخلال أسابيع قليلة، وقبل الأوان، يبدأ التكفير. جنة السياسة وجنة الله، هي الآن أمامك، وعليك أن تطالها!!! وإن كان ثمنها هو التحالف مع العسكر، الذين كانوا ينتمون لنظام مبارك، الذي شاركت في إسقاطه.ولأسأل الشيخ صبحي سؤالا لن يصله، ولن يجيب عليه: ماذا كان شعورك حين اطلعت علي تصريحات المنقولة عن الجنرال الذي قال بأن من اعتصم في التحرير من السيدات، غير شريفات؟ مقارنا ما بينهن وبين ابنته “الشريفة”؟ دون نسيان الجملة الشهيرة: (أحلي من الشرف مفيش). الابنة “شريفة” لأنها ليست ممن ينامون في ميدان التحرير، لم تخاطر بحياتها لإسقاط نظام مبارك. ماذا إذا عن الأخوات ممن شاركونا الميدان، قبل  فبراير، هل هن أيضا غير شريفات؟وفقا لصبحي صالح، ووفقا للجنرال الذي انتهك بجريمته شرف هذا المجتمع، شرف جميع نسائه ورجاله، ينبغي العبور إلي الجنة بأي ثمن، حتى وإن كان هذا الثمن هو تقسيم مجتمعنا لفئات من الناجين والهالكين، وإن ضاقت تدريجيا حلقة الناجين . تبدأ التقسيمات بالمتدينين وغير المتدينين (هل يذكر القارئ تصريحات سليم العوا؟). تتبعها تقسيمة المسلمين والمسيحيين. تتبعها تقسيمة الأخوات وغير الأخوات (الأخوان وغير الأخوان). وتنتهي بتقسيمة من يفترشون بلاط السلطان العسكري، ومن لا يشرفهم الجلوس في هذا البلاط.العبور إلي الجنة ربما يكون واجبا، لكنه مستحيل عبر خرم الإبرة. فهذا الخرم لا يتسع حتي لصبحي صالح بمفرده، ولن نهديه له. بل سنصطف خلف من لا يستهدفون هذه الجنة، ممن التحموا بجنة الشعب وليس جنة السياسة، بمعناها المبتذل. عبر الصبر، المقاومة، والعمل الدؤوب نستطيع تحجيم وربما معاقبة من ينتهكون عقولنا، كرامتنا، ويختبرون عذريتنا، أيا كانوا.basel@dayraarts.comمواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل