المحتوى الرئيسى

الدولة المدنية‏..‏ وسلطان القانون

06/07 00:34

الدولة المدنية هي بالأساس رابطة قانونية يحكم الدستور العلاقات بين أفرادها‏,‏ كما أن هذه العلاقات هي علاقات بين مواطنين لهم حقوق وعليهم واجبات‏,‏ ومن هنا يقال إن هذه الرابطة قانونية‏. أي هي رابطة بين مواطنين وبين أجهزة دولة, وهي تخضع فيها لأحكام القانون التي تنطلق من الدستور, والأساس في هذه الرابطة هو العقد الاجتماعي, وهو عقد يتكون من مجموع ما اتفق عليه أفراد المجتمع وجماعاته, وما ارتضوه من أسس لتنظيم حياتهم واستمرارها. ويجسد الدستور والقوانين هذا العقد, ولكنه يشتمل أيضا علي عدد كبير من القواعد والأعراف غير المكتوبة التي تنظم العلاقات بين الأفراد, فالدستور قد يؤكد علي سبيل المثال أن الأفراد مواطنون يتساوون أمام القانون, وقد ينظم القانون بعض صيغ التعامل النقدي مثلا بين المواطنين, ولكن تفاصيل العلاقات اليومية بين المواطنين, في أساليب التعامل والتخاطب والمساندة, تحكمها في الأساس قواعد وأعراف لا تكتب في قوانين, وإنما يطورها الأفراد مع تطور ثقافتهم المدنية. ولكن يبقي القانون له اليد العليا في تنظيم الحياة بين البشر في الدولة المدنية, خاصة في الأمور التي قد ينشب فيها خلاف أو صراع, بل إن سلطان القانون هو الذي يحافظ علي العلاقات المتوازنة بين الأفراد بعضهم البعض من ناحية, وبين الدولة وسكانها من ناحية أخري. ولذلك فإن نجاح الدولة المدنية في أداء وظائفها رهن, لا أقول بنجاح القانون فحسب, بل بالعمليات المرتبطة بإنتاج القانون وتطبيقه, ومدي نجاح النظام القضائي في بث روح العدل والمساواة في ربوع الوطن. إن عملية إنتاج القوانين هي عملية تعبر بالأساس عن حاجات واستحقاقات مجتمعية يشعر المجتمع عبر أجهزته التشريعية والقضائية, وعبر المناقشات الدائرة في المجال العام, أنها يجب أن تصاغ في قوانين من أجل ضبط الأداء فيها, وتقنين الأفعال المرتبطة بها, بحيث يتحقق من ورائها أقصي عائد اجتماعي. وإذ تصاغ القوانين علي هذا النحو في الدولة المدنية, فإنها لا تتحيز قط لصالح فئة أو طبقة علي حساب طبقة, وبناء عليه فلا يمكن للجهاز التشريعي للدولة مثلا أن يتلكأ في إصدار القوانين المتعلقة باستحقاقات الفقراء, أو تلك التي تصيب مصالح الفئات المتميزة, كما لا يمكن له أن يصدر قوانين بإيعاز من فئات يكون لها سطوة أو حظوة, كما لا يجب عليه بأي حال من الأحوال أن يمرر قوانين لتحقيق الأغراض السياسية للنخبة الحاكمة, خاصة إذا كان فيها ما يهدد أمن الشعب مثل قوانين الطواريء. وتلك مصادر للتحيز في البناء التشريعي, كما تظهر عبر الارتباط الوثيق بين الأجهزة التشريعية والقضائية وبين النظم الحاكمة في الدول التسلطية والدكتاتورية, ولا يحدث ذلك قط في الدولة المدنية, فالسلطة التشريعية مستقلة تمام الاستقلال. وهي الأكثر قدرة علي تمثيل إرادة الشعب, ولذلك فإنها الأكثر قدرة علي تحقيق ما تصبوا إليه هذه الإرادة من أطر تشريعية, ومن ثم فهي يجب ألا تخضع لأي سلطان خارج سلطان هذه الإرادة. ولا ينتهي أمر القانون عند إصداره من السلطة التشريعية وإقراره بشكل نهائي, فطاعة هذا القانون والالتزام به واجب علي كل مواطن, فالقانون في الدولة المدنية يصدر من أجل مصلحة المواطنين, فهو لهم وليس عليهم, وبالتالي فإن طاعته واجبة, ومن ثم فالدولة المدنية لا تعرف عمليات اختراق للقوانين إلا في النذر اليسير, فأنت تري الناس ينتظمون في صفوف متراصة للحصول علي الخدمة, وهم يفعلون ذلك لأنهم يعرفون ألا أحد سوف يشق الصف ويخرج طالبا لنفسه امتيازا, وهم يلتزمون بقواعد المرور, لأنهم يعرفون أن كسرها يؤدي إلي فوضي في حياتهم, وهم ينصاعون إلي ما يطلبه منهم رجل الشرطة, أو أي رجل أمن, لأنهم يدركون أن هذا الرجل يعمل في خدمتهم, ولن يكون أبدا متسلطا أو متعاليا عليهم, وهم يعترضون إذا وجدوا أن ثمة جورا أو عدوانا علي مصالحهم وأمنهم, ولا تمنعهم سلطات الدولة من ذلك, بل تقبل ذلك وتتعامل معه, فالدولة المدنية هي فاعل يراقب وينظم الحياة علي نحو مستقل ومحايد, ويخضع فعلها لسلطان القانون تماما مثل أفعال أي فرد في المجتمع. ومن ثم فإن المجتمع الذي تحكمة الدولة المدنية يتميز بوجود درجة كبيرة من الوعي بالقانون, الأمر الذي يحول البشر العاديين ــ في مثل هذا المجتمع ــ إلي مراقبة سلوك بعضهم بعضا بأدب واحترام جم, من أجل الالتزام, لا بالقانون وحده, وإنما بالأعراف التي أجمع عليها الناس, وفي هذه الحالة الجمعية من المراقبة يضع الشخص في اعتباره دائما الآخرين, ويعرف أنهم عين عليه في المسائل العامة( ليس المسائل الخاصة بطبيعة الحال), فيتجنب كل ما يمكن أن يلفت نظر هؤلاء الآخرين أو يدفعهم إلي التعليق عليه, هنا يصبح ميدان التبادل العام( أقصد الحياة العامة في الشوارع وأماكن العمل والمواصلات العامة والأماكن العامة) يصبح ميدانا للتباري في طاعة القوانين والالتزام بأعراف المجتمع. وفي هذا السياق فإن المواطن المبجل والمحترم هو من يحترم القانون وليس من يخرقه, ولا يجد من يتحايل علي القانون مكانا له ولا يجد مأوي. ولعل هذا الانصياع للقانون في الحياة العامة للناس نابع, بجانب الوعي القانوني المتميز, من إدراك أن سيف العدل مسلط علي كل الرقاب, وألا أحد يفلت من العقاب مهما كان مركزه الوظيفي أو مكانته الاجتماعية أو وضعه الطبقي, ويعرف المواطنون ذلك من متابعتهم للقضايا الكبري التي ينظر فيها القضاء, ومن دقة الاجراءات القضائية ونزاهتها, وملاءمة الأحكام لحجم الجريمة, وما أثارته من تدمير للمصالح العامة أو الخاصة, هم يرون العدالة الناجزة رأي العين, ويعرفون مدي التزام الناس بأحكام القضاء, وانصياعهم لها بصرف النظر عن مكانتهم الاجتماعية أو السياسية, ومن ثم فإن الدولة المدنية هي دولة قانون فاضلة, لا يتدخل أحد في أحكام قضائها, ذلك القضاء الذي لا يتسرب إليه الهوي من أي مسرب, وتعد أحكامه قطعية ملزمة للجميع لا رجوع فيها إلا من خلال قضاء أعلي. وربما يكون مفيدا أن نشير في نهاية هذا المقال إلي مقولة مهمة مفادها: أن القضاء في الدولة المدنية العادلة هو مخزن العدالة, وهو الذي يشعها علي المجتمع, فكما يأتي الخطاب المتداول في المحاكم نقيا وواعيا ولا شخصنة فيه ولا زوائد كلامية, كذلك يأتي سلوك القضاة وأحكامهم وقراراتهم في بناء النظام القضائي نفسه, عاكسا أنقي درجات العدل والموضوعية, ومنزها عن أي مصالح شخصية, وناظرا إلي كل فئات المجتمع نظرة واحدة لا فضل فيها لأحد علي أحد, ولا يتميز فيها أبناء أحد علي أحد. وهكذا يشع النظام القضائي قيمة العدل علي المجتمع, وهو يساهم بذلك في دعم روح القانون, ويحول الدولة المدنية الي دولة قانون بحق. المزيد من مقالات د.احمد زايد

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل