المحتوى الرئيسى

رؤيتي لـ القرن العشرينما قبل‏1900(4)‏

06/07 00:34

عام‏1900‏ هو عام الثورة في علم الفيزياء‏,‏ واذا كانت الثورة تعني التغيير الجذري لوضع قائم فالوضع القائم في القرن التاسع عشر كان يشي بأن الابداع في علم الفيزياء قد توقف. بسبب الزعم بأن الذرات هي نهاية مكونات المادة بدعوي أنها ليست قابلة للقسمة إلي ما هو أقل منها, وبالتالي ليس فيها ما يدعو إلي البحث. وفجأة أحدث عالم فيزيائي اسمه ماكس بلانك ثورة في علم الفيزياء. والسؤال إذن: من هو ماكس بلانك وما هي ثورته؟ كان جده من علماء اللاهوت وكان أبوه من علماء القانون أما هو فكان موهوبا في الموسيقي, ومع ذلك فإنه آثر دراسة علم الفيزياء علي دراسة اللاهوت أو القانون أو الموسيقي. وهنا نصحه أحد أساتذته بترك دراسة علم الفيزياء لأن كل شئ في هذا العلم قد تم اكتشافه. إلا أن استجابة بلانك لهذه النصيحة كانت بالسلب. وكانت حجته في ذلك أنه لاينشد اكتشاف أي جديد إنما ينشد فقط فهم أسس علم الفيزياء. ومع ذلك انتهي بلانك إلي نظرية جديدة مفادها أن الطاقة الكهرومغنطيسية يمكن أن يخرج منها شعاع علي هيئة جسيمات دقيقة وليس علي هيئة موجات كما كان هو الرأي السائد في ذلك الزمان. وأطلق علي هذه الجسيمات لفظ لاتيني هوquanta أي كموم ومفردهquantum أي كم. وساد اللفظ اللاتيني دون اللفظ المعرب فقيل نظرية الكوانتم. ثم أشار بلانك إلي ظاهرة أخري وهي أن الكوانتم يقفز وهو يتحرك الأمر الذي يصعب معه رصد موضعه أو سرعته بدقة, إذ ثمة خطأ ثابت في الرصد, وقد سمي هذا الخطأ بـ ثابت بلانك. وفي7 أكتوبر1900 عرض بلانك نظريته علي أعضاء الجمعية الفيزيائية ببرلين إلا أن أحدا لم يعلق علي ما قاله وكأنه لم يقل شيئا, بل إن هؤلاء العلماء قد هددوا المجلات العلمية بمقاطعتها اذا تجرأت علي نشر أبحاث علي غرار بحث بلانك. فقد ترتب علي نظرية بلانك اهتزاز مبدأ العلية الذي يعني أن ثمة ضرورة في تتابع الظواهر وقفزات الكوانتا تمتنع معها هذه الضرورة, ومن ثم يحل الاحتمال محل الضرورة, ويعني الاحتمال أن ليس ثمة يقين. ومع ذلك فقد قال أينشتين: أنا لا أفهم سببا لانزعاج العلماء من نظرية بلانك. صحيح أن مبدأ العلية لن ينطبق علي الظواهر التي تحدث في عالم ما تحت الذرات, ولكنه ينطبق علي الظواهر الحادثة في عالم ما فوق الذرات, أي العالم الخارجي الذي نعيش فيه. ومن يومها أصبح بلانك وأينشتين صديقين بسبب هواية الموسيقي واحتراف الفيزياء. وقد حدثت ثورة أخري فجرها الفيلسوف الانجليزي برتراند رسل ابتداء من اشتراكه في أول مؤتمر فلسفي دولي انعقد في باريس في يوليو1900 حيث التقي العالم الايطالي جيوسيب بيانو الذي كان منشغلا بتطوير المنطق الرياضي وهو منطق يزعم أن الرياضيات أساسها المنطق ومن ثم يمكن رد الرياضيات إلي المنطق لأنها تسير علي نفس النهج الذي يلتزم به المنطق, أي وضع عدد قليل من نقط البداية ثم استنتاج نظريات استنادا إلي قواعد محددة مع تحويل الألفاظ إلي رموز. وقد لاحظ رسل في الحوارات الدائرة بين الفلاسفة في ذلك المؤتمر أن بيانو أكثرهم دقة, وأن هذه الدقة مردودة إلي اشتغاله بالمنطق الرياضي. وعندئذ قال رسل لبيانو: أريد قراءة جميع مؤلفاتك. هل لديك نسخ منها الآن؟ وجاء جواب بيانو بالايجاب. وبعد ذلك اتفق رسل مع صديقه الفيلسوف الأمريكي الفريد وايتهد علي تأليف كتاب مشترك استغرق عشر سنوات وصدر في ثلاثة مجلدات من عام1900 حتي عام1913 تحت عنوان أصول الرياضيات وقد ترجم إلي العربية ونشر في عام1958 بالقاهرة. واللافت للانتباه أن نظرية الكوانتم والمنطق الرياضي هما السبب في اختراع الكومبيوتر وهواتف المحمول. وتأسيسا علي ذلك كله هل يمكن القول بأن اليقين المطلق مع بداية القرن العشرين أصبح موضع شك وأن ما هو نسبي حل محل ما هو مطلق في مجال المعرفة الانسانية؟ جواب هذا السؤال في المقالات المقبلة. المزيد من مقالات مراد وهبة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل