المحتوى الرئيسى

مجد خلف تكتب: الخوف من المعلوم!

06/06 21:49

المتأمل لما يحدث فيما سمى بربيع الثورات العربية تصيبه الدهشة والاستغراب من الأحداث المتلاحقة، والقاسم المشترك والمشكلة التى تتقاسمها شعوب الدول الثائرة هى: من سيحكم بعد الرئيس؟! ففى مصر لا يعرف حتى الآن إلى من سينسب العصر التالى لعصر مبارك، وفى اليمن لا يعرف الثائرون من سيحكمهم بعد على صالح؟ وفى سوريا إن رحل الأسد فمن سيحكم بعده؟ من الواضح لكل ذى عين، أن الرئيس أو الحاكم الديكتاتور دائما فى العالم العربى ما يحرص خلال سنين حكمه الطويلة على إحباط أى محاولة لإيجاد بديل له، فيلقن الإعلام ما يقوله للناس عن حكمته التى لا تبارى، وذكائه الذى لا يوصف، والكاريزما التى يتمتع بها دون غيره والهبات التى وهبتها له القدرة الإلهية ولم تهبها لأحد غيره، والتى مكنته لأن يصبح الأول والأعدل والأجمل والأكمل والأصلح والأفلح والأذكى والأقوى والأعظم والأحكم ووو... وكل صيغ التفضيل والمبالغة التى يضفيها عليه إعلامه ولاعقو أحذيته الآكلون على موائده المتلقون فتات طعامه اللاعبون دور (كلب البيه يا عمدة!). وعبر سنوات حكمه تستقر الفكرة فى عقول الرعية؛ أن لا أحد يجارى الرئيس فى ملائمته لمنصبه حتى لكأنه خلق له، وإذ يكبر الرئيس أو يطعن فى السن، وتبدأ الأذهان والأذهان فقط فى ترديد التساؤل ــ بين المرء ونفسه ــ من ذا الذى يرقى إلى مواهب سيدنا وعظمة سيدنا؟ لا يمكن أن يأتى رئيس يحكمنا له نفس مواهبه وصفاته التى تميزه عمن عداه فى علمه وعقله وحكمته وقدرته! ومن هنا شاع القول العربى: عقمت النساء أن يلدن مثل فلان! وهنا أيضا أصبح الرئيس معجزة لا تتكرر وظاهرة فريدة لا يجود الزمان بمثلها!. ومن غرائب حكايات التاريخ القريب فى سوريا الحكاية التالية: استشعر الرئيس الراحل حافظ الأسد الخطر يطل برأسه من جماعة الإخوان المسلمين؛ الجماعة الأحسن تنظيما والأكثر أتباعا فى سوريا أول ثمانينيات القرن الماضى، وكان من الطبيعى أن يفكر الأسد فى كيفية القضاء على البديل المحتمل من الجماعة الأوفر حظا فى ذلك الحين، فكان أن أصدر فى منتصف عام 1980 القانون الأغرب فى تاريخ برلمانات ودساتير العالم: رئيس الجمهورية بناء على أحكام الدستور وعلى ما أقره مجلس الشعب ..... مادة 1 ــ يعتبر مجرما ويعاقب بالإعدام كل منتسب لجماعة الإخوان المسلمين!! وبعد صدور هذا القانون العجيب من مجلس المسبحين بحمد الرئيس القائد الرمز الخالد الفريق؛ بسنتين قام الرئيس بمذبحته الأشهر؛ لا ضد اليهود الذين يحتلون هضبة الجولان؛ ولكن ضد الإخوان المسلمين فى حماة المعقل الأول للجماعة فى سوريا، ودك المدينة بالمدافع والدبابات والطائرات، وفى مدة لا تزيد عن ثلاثة أسابيع هدمت مدينة حماة على رؤوس أربعين ألف قتيل؛ حسب تقدير اللجنة السورية لحقوق الإنسان دفن معظمهم فى مقابر جماعية. قد يقال إن حافظ ورفعت الأسد قاما بتلك المجزرة ردا على تمرد الإخوان المسلمين وجماعات إسلامية أخرى وقيامهم بشن هجومات على الحكومة وعلى ضباطها، وقد يقال إن هذه الجماعات حاولت اغتيال الرئيس، وقد يقال الكثير فى محاولة تبرير ارتكاب مجزرة كهذه كل قتلاها من المدينين نساء وأطفال وشيوخ وشباب، ولكن السبب الذى أعتقد أنه كان ماثلا أمام الجزار القاتل هو أنه كان يخاف ككل أقرانه من رؤساء الدول العربية من احتمال خروج البديل لحكمه من رحم الإخوان المسلمين أو من رحم غيرهم من الجماعات المعارضة. وعبر أكثر من ثلاثين عاما من الحكم قضى فيها على كل احتمال لظهور من قد يخلفه؛ خلت الساحة تماما من أى منافس وبقيت المعارضة دائما من الخارج فى أوروبا أو فى أمريكا وعجزت عن تقديم البديل. وعند وفاة الأسد الكبير تلقف الأسد الصغير الكرة، وتولى حزب البعث فى أقل من ساعتين توفير كل الظروف والمسوغات الدستورية والقانونية لكى يخلف أباه، و لا تعجبوا يا أهل الشام؛ فأنتم فى دولة عربية أصيلة، تفصل القوانين فيها تفصيلا على مقاس الأسد الذى تتلخص كل مواهبه فى أنه ابن الأسد!! وحالكم كحال كل الشعوب العربية يحكم كلا منها أسد كبير يخاف أن يعتلى كرسى الحكم أسد غيره، فظل طوال حياته يخشى منافسته وقضى عليه قبل أن يصبح معلوما لدى الناس، ولا عزاء للشعوب العربية، والله من وراء القصد.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل