المحتوى الرئيسى

حمزة نمرة يكتب: ثلاثون ساعة في سراييفو

06/06 19:43

حمزة نمرة يكتب: ثلاثون ساعة في سراييفو6 يونيو 2011 |الجريدة – كتب حمزة نمرةقاربت الخامسة صباحاً.. انتفضت مسرعاً باتجاه الباب متعجباً أي زمنٍ منزوع البركة هذا الذي نعيشه..ـخرجت من الفندق لأجد نفسي وسط سوق سراييفو القديم، تذكرت حينها هذه المهمة الخاطفة التي أتت بي إلى تلك البقعة الساحرة من الأرض.. بل إلى الجنة إن صح التعبير.. جنة سالت في أوديتها آلاف اللترات من دم الأبرياء، وسمعت أشجارها نحيب الأمهات الثكلى وصرخات الجوعى والمروّعين.. سراييفو، قلب البوسنة والهرسك.ـالمسجد على بعد خطوات من الفندق، وشعوري بالأمان يمنحني الحرية في أن أطلق خيالي سارحاً في أحداث اليوم المنصرم بأماكنه وأشخاصه..يا للعجب! أمشي مطمئناً في شوارع سراييفو التي كانت مسرحاً لأبشع جرائم الإبادة العرقية.. قبل ثمانية عشر عاماً كان على من تضطره الظروف للخروج إلى الشارع أن يحمل روحه على كفه منتظراً رصاصه من قناصة أو دانة من مدفع دبابة تحوله إلى أشلاء.ـسراييفو..السوق القديمقبل ثمانية عشر عاماً تلذذ مجموعة ممن ينتمون إلى البشر في سحق وذبح واغتصاب ما يزيد عن 200 ألف إنسان في هذه البقعة من الأرض، وما جرموا منهم إلا أن كانت أسماؤهم بين محمد وإسماعيل وزينب وفاطمة. وكانت هذه الجرائم تحدث على مرئى ومسمع من كل العالم ولكن دون أن يهتز له جفن.ـحتى هذه اللحظة، لا أستطيع أن أتخيل أناس تسوّل لهم أنفسهم ترويع المدنيين الأبرياء وفرض حصار دام أربع سنوات في ما يعتبره المؤرخون الحصار الأطول والأحقر في التاريخ الحديث!ـتذكرت قسمات وجه ذلك الرجل الذي حكى لي بعضاً من الأهوال التي عاشوها خلال الحصار، تذكرت عينيه الشاردتين ومنابع الدموع التي تحجرت من قسوة سنوات الجوع والبرد والخوف.ـقال لي إنه لم يكن هناك طعام، ولا ماء، ولا كهرباء، ولا وقود للتدفئة في شتاء يصل حرارته إلى ما تحت الصفر.. ولم يكن هناك دواء للمرضى والأطفال والكهول..ولا مجال حتى للهروب.. إن الخيار الوحيد الذي كان أمامهم هو.. انتظار الموتقال لي إنهم كانوا يقصفون بدبابات الصرب يومياً، وكانوا لا يستثنون مكاناً مهما كانت قدسيته أو إنسانيته..حتى مستشفى الولادة كان يومياً يتعرض للقصف بالأسلحة الثقيلة.ـومما زاد الوضع سوءاً جغرافية المدينة، فهي مدينة تحدها من معظم الجهات تلال عالية، استولى عليها الصرب المعتدون وجعلوها مواقع للقناصة.. وكانت أفضل أهدافهم طوابير البؤساء ممن ينتظرون نصيبهم من الماء أو المعونات أو الوقود  وكثيراً ما كانت الأسواق أهدافهم.. يا الله أي صنف من الكائنات هذا؟ ما حدث كان خيانة للجنس البشري بحق.ـمخطط يوضح كيفية الحصار المحكم لمدينة سراييفوسألته إذا ما كان لقوات الأمم المتحدة والموقف الدولي دور فعال في الحد من خطورة الوضع، قال لي بل إنهم فرضوا حظر بيع السلاح على سراييفو! ثم إن الجرائم كانت تحدث أمام أعينهم ولا يتحركون .. فلا هم تركونا ندافع عن أرضنا وأرواحنا ولا هم منعوا الصرب من إحكام الحصار على شعبنا.  وكأنهم كانوا هنا لأغراض أخرى غير حماية المدنيين..ثم استطرد قائلاً إن أفضل من عاملوهم من الجنود هم الجنود المصريون الذين كانوا يمدونهم بالدواء والغذاء قدر استطاعتهم.ـوحين سألته عن اللغز الذي لم يستطع الصرب ولا الكروات تفسيره وهو كيف صمدوا كل هذه الفترة، قال: المتطوعون والمتضامنون من البلاد العربية والأسلحة والغذاء والدواء الذين استطعنا إدخالهم إلى المدينة…قلت له: كيف… لمعت عيناه لأول مرة ثم أطرق النظر بعيداً ثم قال: إنه النفق!ـالبيت..نقطة بداية النفقبيت قديم..عادي جداً من الخارج، هكذا بدا لي..ولكنه حمل في بطنه جنين الحرية والخلاص من الحصار، كان هذا البيت هو نقطة البداية للنفق، أو نفق الرحمة كما أسميته.ـفي خضم كل هذا الرعب والجزع وانقطاع الرجاء من المجتمع الإنساني..طرأت فكرة لمهندس موهوب من أبناء سراييفو، وهي أن يحفروا نفقاً يمر أسفل المطار ليعبر إلى خارج المدينة حيث تكمن فرصتهم الأخيرة في الحصول على حقهم في الدفاع عن أنفسهم وحقهم في الصمود والحياة.ـاستجاب للفكرة المقاومون من الجنود البوسنيين وعلى رأسهم علي عزت بوجوفيتش – رئيس الدولة – والذي كان في موقع العمل تارة وفي الخط الأمامي لعمليات المقاومة تارة أخرى، وبدأ العمل بأساليب في منتهى البدائية..وكانت الخطة هي الوصول إلى بيت محدد في الطرف الآخر بعد المطار.. حدد أحدهم المسار بعينيه فقط ثم وضع مساراً منحنياً ذكياً يقلل فرص الصرب في اكتشافه وتدميره.. ثم تعاهدوا على تنفيذ الخطة حتى لو كلف ذلك حياتهم..ـصورة للجزء المتبقي من النفقالنفق يتسع بالكاد لشخص واحد بحيث لابد أن ينحني بشدة، استخدموا قطع الخشب من الأشجار لتثبيت جدرانه والسقف حتى لا ينهار بهم، وغرسوا في أرض النفق الممتلئ دائماً بالمياة الجوفية قضباناً من العوارض التي تستخدم في شئون الحدادة البدائية وذلك حتى تمر عليه عربة صغيرة مثل القطار فيسهل نقل المؤون والأسلحة بين نقطتي النفق ولا تتخيل كم الرحمات التي نزلت على هذا الخط البسيط تحت الأرض.. فما كنت لديهم حين توقف أحدهم عن الحفر قائلاً أنا أسمع صوتاً من الناحية الأخرى.. لقد وصلنا!.. وما كنت لديهم إذ تعالت صيحات الفرحة بنجاحهم في حفر هذا  النفق النملي العظيم.. هذا النفق الذي لا يزيد عمقه عن المترين ولا يحمي جدرانه من الانهيار غير خشب الأشجار.. لو أن دبابة مرت من فوقه أو دانة مدفع تائهة – وما أكثرهم – سقطت بجانبه لانتهى الأمر…ولكنها يد الله الحانية التي كشفت الضر عن شعب محاصر في وقت تخاذل فيه أهل الأرض عن إغاثة المعذبين من بني جنسهم.ـيد الله التي تجلت في عقل هذا المهندس مبدع الفكرة، وسواعد الحفارين والجنود.. وتلك السيدة العجوز.. صاحبة المنزل الذي كان نقطة البداية.. التي وهبت أرضها وبيتها دون تفكير وعلى الفور لتحرير شعب كامل من وطأة الحصار ومن بطش ذئاب لا بشرية. هي بشر يختلف كثيراً عن البشر المحيطين بنا دائماً. هي أقرب للقديسين وأولياء الله.ـأثناء الحفر كانت تقف تلك السيدة العجوز على باب النفق حاملة دلواً مملوءاً بالماء وكوباً صغيراً.. حتى إذا ما خرج أحدهم ليستريح بادرته بكوب من الماء البارد ليرتوي ويخفف عنه عناء ثمان ساعات متواصلة من الحفر يومياً.ظلت هكذا تقف على باب النفق وعزيمتها لا تفتر ودعاؤها لا ينقطع.. حمدت الله أنها ما زالت حية إلى يومنا هذا.ـسألنا عنها فنادى عليها أحدهم، و بخطوات ثقيلة وبيد مرتعشة فتحت باباً جانبياً يطل على فناء البيت ثم خرجت لنا..لا أستطيع أن أصف شعوري حين رأيتها.. ولكني أؤمن أنني رأيت إحدى أمهات الإنسانية العجائز، لا ترى في وجهها إلا ابتسامة ناصعة البياض تقطر رضا وطمأنينة، ولا تشعر إلا بالرحمات الربانية التي تتجلى عليها وعلى هذا المكان الطيب الصبور.ـنظرت إلينا في وهن، ثم وزعت علينا جميعاً وبنفس القدر ابتسامتها السحرية، وكأنها توزع أكواب المياه النقية كما فعلت في الماضي، ثم جلست على دكة صغيرة أمام الباب، ثم لا شيء..فقط ابتسامتها الراضية.ـأثناء انشغال الناس بالتقاط الصور مع هذا الكيان الإنساني العملاق، قلت لأحدهم: هلا أبلغتها خالص إجلالنا وتقديرنا لها ولعملها العظيم الذي كان طوق النجاة لشعبها المنكوب؟صورة التقتطها للسيدة العظيمة صاحبة البيت الذي وهبته لفك الحصار عن سراييفوفما إن شرع الرجل في الحديث إليها حتى ضحكت ملوّحة بيدها وكأنها تستغرب ما يقوله! همهمت بجملة مقتضبة حاسمة ثم عادت إلى ابتسامتها الأولى.. فقال الرجل: هي تقول أنها لم تفعل أي شيء!ـيا لها من دنيا مليئة بالزيف والخداع، كم أعطت شهرتها ونعيمها ومجدها لمن لا يستحق، وكم تواري بعيداً عن أضوائها عظماء وأبطال بحق لا يشعرون بعظمة أفعالهم! هم فقط يصنعون ما يصنعون وكلهم إيمان بأن هذا ما كان يجب عليهم فعله وكفى، إيمانٌ يفيض على روحهم بالرضا فلا ينتظرون من جنس مخلوق رداً ولا تكريماً.. هؤلاء هم أولياء الله في الأرض ومحل رضاه ومحبته.ـلقد كان مقدراً لي أن أقابل لأول مرة في حياتي سيدة من هذه الفصيلة الإنسانية النادرة، سيدة من الأبطال المجهولين، صانعي المجد في صمت بعيداً عن الأضواء.ـوبكيت حين عرفت أن بيتها الذي أصبح مزاراً للمئات يومياً لم يعد بيتها.. هي تسكن منذ 18 عشر عاماً في مكان آخر ملاصق جداً للبيت.. هي تسكن في جراج البيت.. نعم جراج البيت.. لا تسأل أحداً شيئاً.. ولا تشتكي لأحد ألماً.. بكيتها وبكيت طويلاً على نفسي.ـأعادني إلى الحاضر وصولي إلى وجهتي حيث المسجد الكبير.. والذي يبعد عن الفندق خطوات معدودة، بهرني ذلك المعمار الفريد وآلاف الورود المزروعة في فنائه، التي يمتزج عطرها الزكي مع صوت المؤذن ليملآ سماء هذه البقعة من أوروبا، الجنة المكلومة..ـ …. سراييفو حمزة نمرة 5-6-2011الرابط المختصر:: http://www.algareda.com/?p=15381بإمكانكم دومًا متابعة آخر أخبار الجريدة عبر خدماتها على موقع تويتر أو عبر موقع فيسبوك. google_ad_client="ca-pub-7029814275648674";google_ad_slot="7714684894";google_ad_width=336;google_ad_height=280; اقرأ أيضًا:حمزة نمرة يكتب: الموسيقى في مصر.. بين "الإفيه" و"التيمة الحرّاقة"حمزة نمرة يكتب : الأكورديون والنشيد الوطني!حمزة نمرة يكتب: النجم العلبة!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل