المحتوى الرئيسى

في بلاد أخرى

06/06 17:25

عباس بيضون اليوم قلما نجلس لنشرة أخبار الساعة الثامنة، هذا الموعد لم يعد يومياً. قلما نهتم لتصريحات زعمائنا. إنهم يتكلمون. ما زالوا يتكلمون ولا من يسمع. يتشاجرون، ما زالوا يتشاجرون ولا من يرى. أخبارهم تصل من كوكب بعيد صغير اسمه لبنان. من أربعة أشهر وهم يناقشون مسألة غيبية اسمها الوزارة. لا يصلون إلى حل ولا من يهتم. يتجادلون وبالكاد نعرف، يتشاطرون بعضهم على بعض، يدبرون أحابيل ومكائد وقصصاً وحكايات لكننا قلما نهتم. أحابيلهم لم تعد تدهش وكذلك مكائدهم، قصصهم وحكاياتهم. انها قصص صغيرة لأناس صغار. انها أخبار قوم مما قبل الطوفان، قوم يتسلون على كوكبهم الصغير بقصص لم تعد تحدث في العالم ولم تعد تلفت أحداً. الناس بالهم في أمكنة أخرى. الأخبار الحقيقية لا أشباه الأخبار تحدث في أمكنة أخرى، في القاهرة والإسكندرية وتونس وصنعاء والبحرين وتعز وحمص وحماه. هناك أخبار حقيقية، حقيقية لدرجة انها تؤلم جسدياً، لدرجة انها تستفز الدموع، حقيقية لدرجة لا تصدق. إذا كنا مسمرين أمام التلفزيون فلأجل أن نعرف إلى أين انتهت تظاهرة مليونية في القاهرة، وماذا يحدث حول القصر الرئاسي في صنعاء وماذا فعل الناجون من مجزرة تعز وكم سقط في حمص وحماه ودرعا. اننا نعرف ان أحداثاً، أحداثاً دامية، أحداثاً مؤلمة وأحداثاً صادمة ومروعة تحدث في هذه البلدان. نعرف أنهم أحرقوا الناس في الخيام في بلدانهم وعذبوا حتى الموت في بلد آخر، وأن الأطفال، حتى الأطفال، ينالون حصتهم من التعذيب، وأن الشبان يخرجون وما زالوا يخرجون رغم كل شيء. يخرجون وأرواحهم على أكفهم. يخرجون رغم أن الطريق مزروعة بالجثث. يخرجون بعد أن يودعوا أهاليهم وأطفالهم خوفاً من لاعودة. هناك لا هنا ما يستحق أن نخاف منه ونخاف عليه. هناك لا هنا ما يستحق أن نسميه مستقبلاً، ما يستحق أن ندرجه في الزمن، أن نرى فيه علامة حاسمة. أن نضعه فاصلاً بين ماض ومستقبل، فاصلاً بين عام وعام، بين عقد وعقد. هناك لا هنا الزمن يمشي ويسرع ويصل إلى غاية. هنا تتكوم الأيام، شهر شهران وثلاثة فأربعة بدون دولة لكن من يهتم ـ الأيام تمشي من تلقائها، الأشياء تحدث من تلقائها، لا نحتاج إلى أن يحدث شيء. الأمور تتكرر، انها مطحنة وقت، مطحنة شهور وأعوام. لن نصدق ان الزمن حقاً موجود. انه موجود فقط كتعداد، موجود فقط كتكرار. نشرة الساعة الثامنة هي تقريباً ذات نشرة البارحة فنحن نشخص تقريباً لنفس الأشخاص، نفس الجهات، نفس الكلام، نفس الجمل، نفس التعليقات، نفس الملاحظات، نفس النكات لمن ينكتون وفي بلد كبلادنا يمكن أن نستملح أي عبارة، شرط أن يتكلموا، شرط أن ينكتوا. ما يجري فوق شاحب وباهت حتى لنعجب كيف يمكن أن يعيشوا هكذا، انه في الحقيقة معاق، ومتعثر حتى لنعجب كيف يقدرون على تكراره. انه مكسوف حتى لنستغرب كيف يمكن أن يحدث. في ذات الوقت، وأحياناً على مسافة ساعات قليلة، هناك أناس يضعون حياتهم في الميزان، يخسرونها بلا ندم، هناك وعلى مسافة ساعات قليلة، ثمة أشياء تساوي الحياة، ثمة أمور تستحق الموت. ثمة أهداف ثمينة تستحق أي خسارة ومن أي نوع، على مسافة ساعات ثمة ما يمكن تثمينه، ما يمكن أن يكون غالياً وثميناً لدرجة تنفق في سبيله الحياة نفسها. على مسافة ساعات زمن حي يقاوم ويصارع ويتعثر وينهض لكنه زمن حقيقي. ففي بلاد أخرى ثمة ماض ومستقبل، في بلاد أخرى قيم وغايات وأهداف حقيقية. في بلاد أخرى بشر حقيقيون. *نقلاً عن "السفير" اللبنانية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل