المحتوى الرئيسى

نور من قلب مصر اسمه محمد نور

06/06 08:10

نحن مجتمع الجرى فى المكان، بل نستطيع أن نقول إننا مجتمع العودة إلى المربع رقم واحد دائماً، الجرى فى المكان تمرين عسكرى مشهور، المفروض أنك بعد ممارسته تكتسب لياقة بدنية لتنطلق للأمام، لكننا فى مصر أدمنّا هذا التمرين ولم نتقدم بعده خطوة!، وفى معركة العقل والثقافة نحن دائماً نلعب لعبة السلم والثعبان ونخسر فيها ونعود فى النهاية إلى المربع رقم 1 لدرجة الإدمان. ما إن نطمئن على أننا قد حسمنا أمراً فكرياً منذ مائة عام حتى نفيق ثانية على كابوس أنه لم يحسم بعد!، ومثال واضح على ذلك ما يثيره البعض الآن من غبار تكفير طه حسين بعد أن برأه القانون وكرمه المجتمع وأصبح طه حسين رمزاً للاستنارة وعميداً للأدب!، بعد كل هذه السنوات يخرج علينا من يكفر طه حسين، إنها كوميديا مصرية سوداء استفزت المبدع خيرى شلبى الذى هاتفنى تليفونياً وهو يكاد يبكى على حال العقل المصرى، وطلبت منه أن يكتب عن رئيس النيابة محمد نور الذى حقق مع طه حسين وأصدر ملف التحقيق فى كتيب صغير، وكشف لنا العم خيرى عن هذا الكتيب الرائع وحققه، وسأقتبس من كلام العم خيرى بعض الفقرات التى كتب فيها عن عملاق اسمه محمد نور لا تقل قامته التنويرية عن طه حسين. كتب العم خيرى «فوجئت فى الآونة الأخيرة ببعض الأصوات الإخوانية على مواقعهم الإلكترونية وبعض الفضائيات المصرية تردد نفس الشائعة القديمة التى تدين طه حسين بالكفر والإلحاد وأنه قد استتيب فى تحقيقات النيابة!، وحسماً لهذه القضية التى شغلت مصر كلها فى آخر عشرينيات القرن العشرين واتضح أنها لا تزال تشغل بعض السلفيين دون إلمام بحقيقة الموقف أو ربما الإصرار على رفضها أضع أمام جميع القراء هذه السطور الأخيرة من قرار النيابة الذى كتبه الأستاذ محمد نور، رئيس نيابة مصر فى الثلاثين من مارس عام ألف وتسعمائة وسبعة وعشرين حيث يقول بالنص: «... وحيث إنه مما تقدم يتضح أن غرض المؤلف لم يكن مجرد الطعن والتعدى على الدين، بل إن العبارات الماسة بالدين التى أوردها فى بعض المواضع من كتابه إنما قد أوردها فى سبيل البحث العلمى مع اعتقاده أن بحثه يقتضيها، وحيث إنه من ذلك يكون القصد الجنائى غير متوفر فلذلك تحفظ الأوراق إداريا». أما تفاصيل التحقيق فتشهد أننا أمام رئيس نيابة على ثقافة رفيعة قبل أن يكون رجل قانون، ملماً بقضايا عصره الثقافية والفكرية والعلمية والسياسية والاجتماعية وله فى كل ذلك وجهات نظر عميقة، لقد أدار دفة التحقيق مع طه حسين بوعى كامل وبموضوعية وتركيز، لم يلجأ إلى تكفير الرجل أو اتهامه بالعلمانية الملحدة بل لعله لم يتهمه بشىء إنما كان يتساءل ويناقش ويقارع الحجة بالحجة، ليس بحثا عن إدانة بل ليستبين منه حقيقة ما يقصد، بل يفتح له المنافذ ويساعده على تدعيم موقفه القانونى وكان كبيرا عزيز النفس حقا، احتمل استعلاء طه حسين على مبدأ التحقيق من الأساس، ومراوغته فى الإجابة، وإمساكه عن التصريح، ولو كان ذلك الرجل ضعيف النفس لاتخذ من طه حسين موقفا مضاداً يغطى شعوره بالنقص وفى نفس الوقت يكسب رضا التيار السلفى الذى هيج الرأى العام والبرلمان والأزهر الشريف، لدرجة أن أربعة من علمائه كتب كل منهم كتابا يرد به على كتاب طه حسين، وكان هذا أعظم ما فى الأمر الرد على كتاب بكتب، وكانت الفرصة متاحة أمام رئيس النيابة لأن يظهر نفسه فى صورة حامى حمى الأخلاق المدافع عن الدين الحنيف، لكنه كان رجلاً شريفاً يقدر قيمة العلم وقدر العلماء، وكان إلى ذلك قبسا من النهضة الثقافية التنويرية التى أنتجت طه حسين والعقاد وسعد زغلول وسواهم». info@khaledmontaser.com  

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل