المحتوى الرئيسى

وطنٌ عابقٌ برائحة الوجع بقلم ريم بركات

06/05 21:22

.. هنا.. عندما تحاول أن "تأخذ وتعطي" مع الشعب الفلسطيني في القضايا السياسية فإنّ النتيجة ستكون واحدةً ولن تتغير مهما حاولت، وهي أن تنظر إلى ملامح مُحدثك لتجده يعضّ على شفتيه امتعاضاً وتحمرّ وجنتيه غضباً لعدم رغبته في الحديث بمثل هذه الأمور.. ولا بدّ أن ينسحب بهدوءٍ أو بغيره من المجلس الذي يجمعكما معاً بوسيلةٍ أو بأخرى .. بل ربما تصل به أحياناً إلى أن يشيح بنظره عنك في أحد الشوارع حتى لا يضطر إلى إلقاء التحية على مَن تجاوز الخطوط الحمراء وتعدّى على صمت الفلسطينيّ ! ومع ذلك فإنك قد تجد قلّةً ممن إذا فُتحت أمامه أبواب الحوار السياسي فإنه لا ينفكّ يحدثك عن مأساة شعبه والمعاناة التي تعرّض لها عندما كان قابعاً خلف قضبان السجون، ولا بدّ أن يغريك للالتحاق بالحزب السياسيّ الذي ينتمي له ويرفق بحديثه شتائم لبقيّة الأحزاب، وحينها ستجد نفسك مرغماً على إعلان انتمائك إلى كل الأحزاب نتيجةً لمصافحتك إلى مَن ينتمي لها طوال نهارك هذا .. وصدقني في تلك اللحظة ستنسى أنك كنتَ يوماً فلسطينياً ! نحنُ شعبٌ اعتاد أن يقتات على رغيف الخوف، وأن يرى في مرآة ذاته أشياء كثيرةً تشبه الضعف وتجبره على الاختباء من ظلّ الحكومة أو ربما من ظل الاحتلال .. أنا فلسطينيٌّ كالبقية، كان والدي يحذرني من الخوض في الأحاديث السياسية كلما هممتُ بتخطّي عتبة المنزل وفي أغلب الأحيان كان يمنعني من تخطّي هذه العتبة خوفاً من أن تأخذني حماسة الشباب إلى ما لا تُحمد عقباه … على مقاعد الدراسة، إن طالبت بتغيير موعد أحد الامتحانات فإنك ستتهم بالانضمام إلى المجموعة الفاسدة لتي تدسّ نفسها في السياسة دون أن تعي، وفي الشارع إن قلتَ لجارك "صباح الخير,أتمنى أن يكون نهارك هذا خيرٌ من سابقه" ستكون مجرماً بحقّ السلطة العليا لأن قولك هذا يدلّ على جهلك بكثيرٍ من الأمور الجيدة التي تعرّض لها جارك بالأمس، والتي لربما تتعرض لها أنت الآن … اليوم .. وجدتُني أعضّ على شفتيّ امتعاضاً كلما نظرتُ إلى راكبٍ شاركني مقعداً في سيارة الأجرة الصفراء، كان يؤمن أننا نحن معشر الضعفاء خُلقنا من أجل هذه الحياة التعيسة، وأنّ الفيسبوك كان سبباً في إعادتنا مئة عامٍ إلى الماضي تخلّفاً، وكان شجاعاً جداً حتى أنه قال صارخاً " لو انهدمت القدس مستحيل اطلع أقول لا إله إلا الله في ساحاتها، يعني مفكرين انه روحي رخيصة !! ".. حينها.. أسندتُ رأسي على كفّي ونظرتُ طويلاً من نافذة السيارة إلى الأراضي الخضراء التي مررنا بها، أحقّاً أنّ هذه الأرض لا تستحق أن نضحي بأرواحنا من أجلها! أحقاً أننا بتنا نحارب من أجل البقاء على قيد الحياة بدلاً من أن نحارب من أجل نيل الشهادة في سبيل الحق ؟ علامات استفهامٍ كثيرة حلّقت في فضاءٍ ضيّقٍ داخل جمجمتي، ولكنني بعد أن وصلتُ غايتي وفتحت باب السيارة للخروج منها، نظرتُ إليه نظرةً خاطفة وقلتُ لنفسي ربما كانت هذه كلمة مكبوتة في صدر كل فلسطينيّ! وكاذبٌ من يقول لكم غير ذلك، لكنّ الأمر يتطلب شيئاً من الشجاعة التي قلّ ما نجدها في زمننا هذا، ها نحن قد قضينا مئة عامٍ وأكثر من المقاومة كشعبٍ فلسطينيّ ضد الكيان الصهيوني، مئة عامٍ وأكثر ونحن نناضل ونصرخ ولكنّ صدى أصواتنا ما زال يرتد ليصفعنا وجعاً .. بُحّتْ حناجرنا وهرمت أجسادنا وما زلنا نعتقد أننا خيرُ أمةٍ أُخرِجت للناس-لا بأس بذلك لأننا حقاً خيرُ أمّةٍ أُخرجت للناس ولكنّ المشكلة تكمن في أننا لم ندرك المعنى الحقيقي لهذه الكلمة بعد، ولم ندرك أنّ من أراد ان يستنشق عبير الوردة لا بدّ له من التألم عند اقتلاع أشواكها . بقلم ريم بركات فلسطين

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل