المحتوى الرئيسى

«قدس موحدة» .. «ضفتان»!بقلم:محمد السهلي

06/05 19:42

محمد السهلي القدس والاستيطان ثابتان مهمان في المشروع الصهيوني، وينبغي وفق هذا المشروع أن يبتعد المفاوض الفلسطيني عنهما عند مناقشة حدود الدولة الفلسطينية يسعى بنيامين نتنياهو لإتمام قاموسه الخاص بما يتصل بمستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1967، ولن يفاجأ المتابع عند بحثه في هذا القاموس إذا وجد متلازمة تعبير الرفض «لا» وهي تسبق كل عنصر من عناصر الحل المطروح فلسطينيا، وهو أيضا يشكل تطورا نوعيا عما كان معتمدا في عهود أسلافه ممن تتابعوا على منصة الحكم في إسرائيل. في موضوعة الاستيطان مثلا، حاول أحد أسلافه أن يسوَّق تصنيفا خاصا للمستوطنات مابين «أمنية» وهي ضرورة لازمة لسلامة أمن إسرائيل، و «سياسية» يمكن أن يتم التداول في مستقبلها مقابل اشتراطات تؤمن مكاسب إسرائيلية إضافية في حال تم الاستغناء عن بعضها. تلك كانت معادلة للتسويق، ولكن نجاح المناورة وفر للحكومات اللاحقة من الوقت ما يكفي لأن يصبح الخطاب أن جميع المستوطنات «حيوية». ولتمرير ذلك تم إنشاء تصنيف جديد مابين المستوطنات «القانونية» أي التي أقيمت بتخطيط مسبق من الحكومة، وتلك البؤر «غير القانونية» التي نشأت بفعل «اجتهاد» المستوطنين، ونجحت هذه المفاضلة في استقطاب الاهتمام الأميركي فأودعت في خطة خارطة الطريق التي نصت في بعض منها على إزالة البؤر «غير القانونية» التي أقيمت منذ عام 2001، أي منذ تسلم شارون سدة رئاسة الوزراء. عمليا، لم يمر التمييز ما بين «الأمنية» و«السياسية» ولا بين «القانونية» وتلك التي غير ذلك، لسبب بسيط مفاده أن كل هذه التصنيفات لم تمس «شرعية» الاستيطان برمته على امتداد الأراضي الفلسطينية المحتلة بعدوان 67 وخاصة في مدينة القدس التي وضعت لها خطة واحدة لم تتغير منذ احتلالها: التهويد. فالقدس وضعت ومنذ احتلالها في سيناريو خاص ومحكم. وهو خاضع للمناورة ولكن ليس «للتنازل» وفق الرؤية الصهيونية، فوسعت حدود المدينة لتسهيل اقتسامها من خارجها. وعرضت فيها ضواح عدة من المدينة لتكون إحداها عاصمة للدولة الفلسطينية المتوقعة في سياق الطرح الذي قدم في مسار أوسلو. لكن كل حكومة إسرائيلية خاضت ولو نظريا في مسألة تقسيم المدينة وجدت نفسها أمام انتخابات مبكرة، وبعضها لم تكمل العامين من ولايتها (حكومة باراك مثلا). وعندما كان موضوع الاستيطان يطرح للتداول وخاصة منذ منتصف العام 2009 وتصاعد الحديث عن ضرورة استئناف المفاوضات، كانت القدس تستثنى من العروض الإسرائيلية على اعتبار أن البناء الاستيطاني فيها معادل للبناء في تل أبيب كما صرح بذلك مرارا بنيامين نتنياهو، وهو يعتبر كما الكثير من غيره من قيادات الأحزاب الصهيونية أن لا رجعة عن قرار ضم القدس، وبأن هذا القرار يستند إلى تغيرات جوهرية تمت على الأرض منذ احتلالها، ويسعى لإدخال ذلك ضمن هذا الاعتبار الذي وافق عليه مؤخرا الرئيس الأميركي أوباما في خطابه أمام «إيباك». فالمسألتان، القدس والاستيطان، ثابتان مهمان في مشروع الحل الصهيوني لمستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وينبغي وفق هذا المشروع أن يبتعد المفاوض الفلسطيني عن هذين الثابتين في حال ناقش مسألة حدود الدولة الفلسطينية. ويضاف إليهما بالطبع ملف الأمن، وهذه الموضوعات الثلاثة لا يمكن أن تحل بالنسبة لتل أبيب وفق ما قاله أوباما عندما ذكر حدود العام 67 مرفقة بتبادل الأراضي. أحد مكامن أخطاء أو خطايا المفاوض الفلسطيني تتعلق باعتقاده بأن الخلاف «الحدودي» مع الاحتلال بشأن الدولة الفلسطينية يمكن أن يحل بنسب معينة من تبادل الأراضي، وحاول المفاوض الفلسطيني أن يؤكد «حرصه» من خلال مسألتين تتعلقان بالتبادل وهما: نسب تبادل منخفضة والمساواة في المساحة والنوعية بالنسبة للأراضي التي يتم تبادلها. ومع أن المفاوض ارتكب هنا خطأ مبدئيا بفتح شهية الاحتلال لزيادة نسب التبادل، إلا أن المشكلة الأكبر تتعلق بجوهر إستراتيجية الاحتلال تجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة في ملفات القدس والاستيطان والأمن، وهذه الملفات لا تحل بالنسبة له وفق نسب تبادل بل بـ «نسب استقطاع» ومن جانب واحد. ولهذا السبب تكررت سيناريوهات المشاريع الإسرائيلية التي تقول بقيام دولة فلسطينية بحدود مؤقتة وإحالة ما تبقى من القضايا العالقة بما فيها الحدود إلى مفاوضات بعيدة الأجل يتم خلالها تكريس الواقع الإحتلالي بأساليب مختلفة والاحتفاظ بغور الأردن والقدس وضم المستوطنات والأراضي التي تقوم عليها ومحيطها الحيوي والثروات الطبيعية التي تستولي عليها. القدس موحدة وعاصمة أبدية لإسرائيل، وهذا ما لم يخفه بنيامين نتنياهو في خطابه مؤخرا أمام «إيباك» وأمام مجلسي الكونغرس. أما بالنسبة للضفة الفلسطينية فللفلسطينيين حصتهم منها وهي تلك التي تقوم عليها السلطة الفلسطينية مع بعض التحسينات التي تتعلق بزيادة الولاية السياسية والأمنية دون أن يرتبط الأمر بأية علائم سيادية حقيقية داخل الضفة الفلسطينية أو حدودها التي ينظر نتنياهو وائتلافه الحكومي إلى أن هذه الحدود لا تفتح سوى على دولة واحدة هي إسرائيل. أي باختصار «جزيرة» فلسطينية في محيط استيطاني ومحاطة بالجيش الإسرائيلي الذي يريد أن يتولى ملف الأمن منها وإليها. لهذه الأسباب كنا دائما نؤكد على أن العناوين التي كان يتم طرحها كعناصر للحل المتوقع للصراع لا تفتح على قيام دولة فلسطينية مستقلة بعاصمتها القدس، مهما كانت سلاسة المفاوضات التي تجري لأن أفق هذه المفاوضات كان على الدوام محكوما بالرؤية الإسرائيلية لمستقبل الأراضي الفلسطينية من خلال الإمساك بملفات القدس والاستيطان والأمن من جانب واحد. لقد أثبتت التجربة المريرة للمفاوضات مع الاحتلال الإسرائيلي وحتى في أفضل الظروف إلى أن النبضات التي حصل عليها المفاوض من الانسحابات الإسرائيلية منذ توقيع أوسلو كانت هي الحد الأقصى الذي تسمح إستراتيجية حل الصراع المعتمدة لدى تل أبيب، أما أوسع من ذلك فإنها بحاجة إلى مفاوضات من طراز مختلف وقواعد مغايرة تماماً تضع هذه المفاوضات في مكانها الطبيعي، أي أن تكون حلقة من حلقات الصراع مع الاحتلال وليس واجهة وحيدة للتعامل معه. وبمعنى آخر تكون هذه المفاوضات جزءا من البرنامج الوطني التحرري وليست بديلا عنه. الدخول في المعادلات الخاطئة خدم التوسعية الإسرائيلية، وزاد الخطورة على مستقبل مدينة القدس ووضع قيام الدولة الفلسطينية ذاتها في أفق مسدود لا يفتح إلا على كيان بلا شخصية وطنية سيادية ولا مستقبل استقلالي حقيقي. هذه المخاطر جميعها ينبغي أن تدفع بالتعجيل باستعادة الوحدة، وإعادة الاعتبار للبرنامج الوطني التحرري وفي المقدمة إنهاض المقاومة الشعبية في وجه الاحتلال بكافة أشكاله.. وهذا ممكن.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل