المحتوى الرئيسى

البدع في كتابة القرآن بقلم:موسى حجيرات

06/05 19:07

البدع في كتابة القرآن موسى حجيرات إنّ القرآن الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، نزل دفعة واحدة من السّماء السابعة إلى السماء الدنيا. ومن هناك نزل عليه آية آية أو آيات مجتمعات أو سورا حسبما تقتضي مناسبة التنزيل، ولذلك كان لكل آية أو مجموعة آيات أسباب نزول، عرفها الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته وتحولت فيما بعد علما غنيّا. أمّا تنزيل القرآن فكان أن يأتي جبريل بما ينزّل إلى محمد، ويلقنه إيّاه حتّى يدرك أخذه له. أمّا محمّد صلى الله عليه وسلم فكان يسمع ما ينزّل فيقرأه، ويعاود قراءته حتّى يستدخله؛ فيستظهره حتّى يحفظه، فكأنّما خطّه سطورا في ذاكرته لا تعفو، وإن طال عليها الأمد. وبعد حفظه كان يبلغه صحابته وأتباعه، ويردّده لهم، ويعاود تسميعهم إيّاه حتّى يستدخلوه هم أيضا، ولأنّه أدرك أنّ طبيعة المرء النسيان، وأدرك أهميّة ما يصل من الله تعالى، أمر بكتابته فكان كتّاب الوحي، وأصبحوا جماعة من تخصّصهم كتابة ما ينزّل عليه صلى الله عليه وسلم. لقد اكتمل تنزيل القرآن في عهد النبوّة، وعلى امتداد فترة الدعوة إلى الله في مكة في أيّام الدعوة الأولى ثم في المدينة بعد ذلك. لكن القرآن لم يجمع بكتاب واحد، وذلك لصعوبة طرق الكتابة وأدواتها. فكان يكتب على الرقاع والجلود وعظام الحيوانات. لقد دأب الصحابة على أخذه أجزاء وآيات للعمل بها وتدبّرها، وذلك لحرصهم على تطبيقها، والعمل بمقتضاها، ولم يهتموا بحفظه شفاها فقط. وقد حفظه معظم الصحابة والأتباع عن ظهر قلب. فكان كلّ منهم قرآنا يدبّ على الأرض. أمّا في أعقاب معركة اليمامة حيث قتل الكثير من حفظة القرآن، فخشي كبار الصحابة، وخاصّة عمر بن الخطاب، أن يضيع القرآن، وينقرض إذا مات حفظته، لذلك استشار الخليفة أبي بكر بجمعه؛ فوافق لإدراكه خطورة الأمر؛ فكلفوا زيد بن ثابت بكتابته، وجمعه. فكان هذا الجمع الأول للقرآن، والذي هدف إلى حفظه من الضياع، ولكن حين انتشر صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم في أصقاع المعمورة يبلغون رسالة ربّهم، ويهدون بهدي نبيّهم، وكان للقرآن قراءات مختلفة، وكان اختلافها أحيانا بطريقة أخذها لذلك تباينت القراءات مما جعل المدركين من أولي الأمر يقفون على حقيقة الخطر الكامن وراء ذلك، وأنّه سيؤدي إلى تعدّد نسخ القرآن المختلفة، فأمر عثمان في عهد خلافته بجمع القرآن في نسخة واحدة لحفظه، وموحّدة لتحاشي التباين بين الأمصار المختلفة. فقد تمّ جمعه، ونسخه سبعة مصاحف حسب أشهر الروايات، ووزعها نسخة في مكة، ونسخة في اليمن، وفي البحرين، وفي البصرة، وفي الكوفة ونسخة في المدينة سميّت المصحف الإمام. لقد أدرك المسلمون أنّ القرآن كتاب هداية وتشريع، فيه مواعظ وعبر، كما أنّ فيه بيان للأحكام. لقد أدركوا أهميّته، فهو معجزة باهرة أتى بها نبيّ الأمّة من عند الله تعالى، وهو حجة دامغة للردّ على الكفرة والمشركين، بل على أبناء الديانات الأخرى إثباتا لوجود خالق خلق الكون، والناس، والعوالم المختلفة، وهو معبود وحده بحقّ ولا إله غيره. وقد أدركوا أنّه آية بالغة من البلاغة والنحو والصرف والمنطق، وهو هداية لهم في عباداتهم ومعاملاتهم، كما أنّ فيه شفاء لهم من أمراضهم وأسقامهم، وفي رحمة لهم؛ فجعلوه مصدر استرشاد لهم في كافة شؤونهم ودلّ على ذلك قوله تعالى:"كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ" (ص: 29). إنّ إدراكهم هذا للقرآن، وقيمته، وقدره جعل من المفروض تعظيمه، وصيانته، كما أوجب تنزيهه، والحفاظ عليه، وتقديسه، ومهابته. وأهمّ ما في أمر تقديسه وتنزيهه كتابته، حيث كتب القرآن، ومنذ بداية تنزيله على أيدي كتبة، وفي أماكن محدّدة، وعرف، وبشكل تامّ، ما الهدف من كتابته، فكانت إمّا لحفظه، وإمّا كما ذكر، لتوحيد نسخه. لقد أمر العباد بتلاوة القرآن، وتدبّر آياته، ومعرفة بيانه، والسيّر حسب نصوصه، وأحكامه، ولم يؤمر أحد بكتابته لأهداف أخرى أو استعماله استعمالات ماديّة صرفة بعيدة عن الدين والشريعة. إنّ أمر القرآن وإدراك أهميّته وقدره جعل هناك من يبالغ في ذلك حتّى وصلوا إلى البدع والمحدثات التي ما أنزل الله بها من سلطان. هذه البدع والمستحدثات التي ظهرت فيما بعد، وما زالت حتى عصرنا هذا، ويظن البعض أنّها أسس دينيّة، وأنّها سنّة مطهّرة مع أنّ مبتدعها ومتّبعها آثمين فيما لم يرتجعوا، ويتوبوا إلى الله. ومن هذه البدع ما يلي: 1. كتابة القرآن أو آيات معيّنة منه للترويج للبضائع في الأسواق والحوانيت، وهذه الآيات المكتوبة على صحائف كبيرة ومعلّقة لا تسلم من تراكم الغبار والأوساخ عليها، وكأنّ كاتبها يدفعها لذلك، وهذا هو استخفاف بالقرآن وآياته، فلم يتنزل القرآن لذلك. فهل كلام الله المنزّل يناسبه أن يكون مروّجا لبضائع، لبيعها أو لإغراء الناس بشرائها؟ 2. كتابة القرآن أو آيات معيّنة منه، أو أحيانا الأحاديث أو اسم الجلالة أو اسم سيّد البشريّة محمد صلى الله عليه وسلّم، على الثياب وعلى الساعات أو الحقائب أو على خرق توضع على المعاصم أو الرقبة، وحينها لا تسلم الآيات المكتوبة من إدخالها إلى الخلاء، مثلا، أو أماكن قذرة أو أماكن صخب وضجيج أو أماكن الدخان والمخدرات وغير ذلك مما لا يليق بها ولا بقيمتها وقدرها. 3. كتابة القرآن أو آيات معيّنة منه، وتعليقها بغية طلب الرزق، وقد قيل وأثِر وجرِّب أنّ الرزق يطلب من المولى جلّ وعلا بتعبّده والتقرّب إليه بالمداومة على الفرائض، والإكثار من النوافل كما يطلب بحسن الخلق، وحسن المعاملة، والاهتمام بالمطعم الحلال، والمشرب الحلال، والملبس الحلال، ولم يطلب بآية تكتب وتعلق، ويسأل بها وبوساطتها وجاهها أبدا. 4. كتابة القرآن أو آيات معيّنة منه، وتعليقها على المريض، على أحد أعضائه الذي يشكو منه الألم أو تعلق في رقبته أو معصمه أو تكتب على جسمه أو تغسل ويشرب حبرها. إنّ القائل إنّ ذلك اعتمادا على ما ورد في القرآن من أنّ فيه شفاء ورحمة، لقوله تعالى: "وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ" (الإسراء: 82) ، فهذا صحيح، فالقرآن فيه شفاء ورحمة، ولكن هذه الطريقة مبتدعة ومستحدثة. إنّما المشروع هو أن يقرأ شيئا من القرآن على المريض، أو ينفث عليه، أو تقرأ بعض الآيات على أجزاء من جسده، وهذه هي الرقية الشرعيّة. وأبسط أن يدعو الشخص للمريض بالشفاء والعافية، ولو اعتمد على شيء من القرآن كان خيرا. 5. كتابة القرآن أو آيات معيّنة منه على الجدران، جدران المنازل أو المتاحف أو الأماكن العامة أو المصانع أو جدران الحدائق، ولأيّ غرض كان، كأن يكون للزينة ويكتب بأشكال مختلفة كأشكال الطيور أو أجسام الحيوانات أو بأشكال فنيّة غريبة تستدعي التحديق بها، والتنبه لمعرفة ما فيها من آيات وسور. أو للتذكير كأن يكتب، مثلا، "أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ" (الرعد: 28)، ويقال إنّما تكتب هذه المقاطع لتذكّر الناس، وهذا عمل خير ومستحبّ. أو أحيانا كتابة مقاطع من آيات للاعتبار كأن يكتب، مثلا، على جدران المقابر أو تابوت الموتى أو المدافن، وحتّى على جدران المساجد فإنّ كتابة آيات القرآن غير جائزة، وبالأخص في قبلة المصلين لأنّ ذلك يؤدي إلى الوسوسة في الصلاة وإشغال المصلين عن تتبع ما يقرا الإمام أو التركيز في صلاتهم، وحضور القلب للصلاة؛ فيخسرون صلاتهم لأنّ ليس للمصلي في صلاته إلا ما عقل منها، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها" (الألباني: 6941). 6. كتابة القرآن أو آيات معيّنة منه بغية الحماية، ككتابة الحجب، مثلا، أو كتابة الحرز للحماية، فإنّ هذا الأمر هو بدعة مشؤومة وغير مشروعة أبدا. ولو فكر مبتدعها أو متّبعها قليلا لوجد أنّها منافية للهدف الأساسي الذي لأجله نزل القرآن. وخلاصة القول إنّ هناك بدعا كثيرة متعلقة بكتابة القرآن والأهداف منها، وأصبحت بمثابة ظواهر تنتشر في هذا العصر وفي كافة أقطار الأرض، وأصبحت لانتشارها الواسع واعتياد الناس عليها ترى وكأنّها السنّة والشريعة؛ فدأب الناس على فعلها، ونظروا بغير عين الرضا لمن لا يتبعها.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل