المحتوى الرئيسى

وليد عثمان : تأديب الشرطة.. التجربة الفيتنامية

06/05 18:47

أحد المطالب الأساسية لضمان نجاح الثورة في تحقيق أهدافها كان عودة الشرطة، لكن الذي نجح فيه اللواء منصور العيسوي، وزير الداخلية، هو إعادة انتهاكات الشرطة، فيما بقي رجالها تتنازعهم مشاعر وسلوكيات عدة مدفوعين بغضبهم من المهانة التي تعرضوا لها في الشارع حين قرر وزيرهم الأسبق الهروب بهم وبوطن كامل إلى المجهول.غضب “باشوات” ما قبل الثورة يدفع بهم إلى سبل عدة ، ففريق منهم ألقى سلاحه وتخلى عن مهمته مفضلا البقاء في المكاتب حتى يعرف الشعب قيمة ضباط الشرطة ويتوسل إليهم أن يعودوا، وفريق آخر  قرر أن يكون أكثر “إيجابية” فخرج إلى الشارع، لا لضبط الأمن، ولا لاستعادة هيبته، وإنما للثأر ممن تجرؤوا على أسيادهم وتوهموا أن الثورة ساوت بين الأسياد والعبيد، فكان ماشهدناه في فيديو مدير أمن البحيرة السابق ووقائع مأمور طوخ وقسمي بولاق الدكرور والأزبكية وتعذيب أمين شرطة حظه التعس أنه سابق.ولا يحدثني أحد عن المخلصين والشرفاء والوطنيين في جهاز الشرطة، فأنا لا أنكر وجودهم، فعدد هؤلاء لا يزيد عنه قبل الثورة، لكنهم ، بعكس كل المجالات، قلة لا تقوى على الصمود في وجه التيار الغالب ولن توفر الأمن الذي هو ركيزة كل بناء.وإن كنت أشارك المتفائلين توقعاتهم بأن تتحسن كل المجالات في مصر، فإني أكثر المتشائمين بمستقبل الجهاز الأمني، بل وأزعم أنه سيبقى ثغرة في حرب القطيعة مع النظام الفاسد ، وسيكون بناء نظام سياسي جديد أيسر كثيرا من إعادة الشرطة المصرية إلى جادة الصواب.والمشكلة ليست في الإجراءات والتمويل ورسم الخطط الأمنية وتفكيك قطاعات واستحداث أخرى، إن رجال الشرطة هم إخوتنا وأبناؤنا وجيراننا، لكنهم تم تربيتهم بعد دخولهم للشرطة  على أنهم “الجنس السامي” بين كل فئات الشعب.المشكلة إذاً في تركيبة بشر لعبوا مع أقرانهم في الصغر وزاملوهم في المدارس والنوادي لكنهم بمجرد أن عبروا بوابة كلية الشرطة، وكلنا يعرف كيف يحدث ذلك وثمنه، اختطفوا منا أربع سنوات وعادوا إلينا مغسولي الأمخاخ  يشعرون بأنهم آتون من كوكب آخر في مهمة سامية.ولن يستطيع العيسوي ولا غيره أن يعيد هذا الجهاز إلا بشريته ليفهم العاملون فيه أنهم آدميون ما لم يتم إعادة تربيتهم وتأهيلهم على أنهم مثل بقية الناس. وبدلا من أن نفعل ذلك، نجح العيسوي في إقناع الحكومة بإطلاق يد الشرطة فيما أسماه الدفاع عن نفسها باستخدام الرصاص، وها هي المهازل التي تمثل ثمرة ذلك تترى، وكأننا تركنا لأطفال حرية اللهو بالقنابل.والأنكى أن يخرج وزير الداخلية على الملايين ليقول انتظروا الشرطة بعد شهرين أو ثلاثة، وكأنه يصدر الفزع من جانب ويبيح لرجال الشرطة، من جانب آخر، الاستمرار في التغول على القانون بحجة التصدي للبلطجية التي وجدت نفسها من، جانب ثالث، أمام فرصة تاريخية للتوحش برعاية وزير الداخلية.وكل ذلك يحدث فيما متهمون بقتل متظاهرين يتصدرون المشهد الأمني، ومحاكمة كبيرهم الذي علمهم القتل تحاط بأسياج فولاذية بحماية ضباط قيل إن منهم من يؤدي له التحية العسكرية، فضلا عن “مرمطة” أسر الشهداء ومن يناصرها في كل جلسة.اللواء منصور العيسوي فيما تبدى من تتابع الأمور ليس رجل المرحلة، لا لنقيصة شخصية فيه، ولكن لأنه يبدو من المدرسة الأمنية المتمهلة، والتمهل في عصر الثورية تهمة، في وقت كانت فيه الوزارة بحاجة ملحة إلى ثورة، وليس الإطاحة بوزير أسبق وتغيير خلفه ثم استخدام بعض مساعدي الوزير في لعبة كراس موسيقية تدور بهم بين المناصب ولا تلقي بهم في ساحة المحاكم للتثبت من مسؤولية كل منهم عما جرى.وثورة الداخلية لن تنجح بتخريج دفعة مبكرة، ولا الاستعانة ببعض جنود الأمن المركزي، فالأمر يستوجب تربية جديدة لعناصر هذا الجهاز  لفرز القابل للإصلاح منهم فيستمر. وهذه التربية أساس تكوين العناصر الجديدة  تكوينا لا يفصلهم عن آدميتهم ولا يعميهم عن حقيقة أنهم، وكل مضطلع بعمل عام، خُدام هذا الوطن بكل مكوناته، وليسوا أسياده.وفي فورة الانفتاح على كل التجارب، أرجو من اللواء العيسوي أن يطلع على تجربة فيتنام التي بدأتها قبل أيام ، وهي دولة تماثلنا في عدد السكان تقريبا وتشبهنا في أن لها تاريخا في وحشية الشرطة، لكنها أدركت قبلنا أهمية تأديب رجالها بخطوات تثبت أنها أيضا تورطت في تربيتهم بشكل يستوجب إعادة النظر.السلطات الفيتنامية قررت، مثلا، منع رجال الشرطة من وضع النظارات السوداء والثرثرة وتدخين السجائر والوقوف بطريقة غير رصينة  خلال تأديتهم لمهامهم. وبموجب الأمر التوجيهي الذي أصدرته وزارة الأمن العام هناك، يمنع على رجال الشرطة أيضا وضع أيديهم في جيوبهم، والاختباء وراء الأشجار وإيقاع الناس في الشرك وفرض غرامات عليهم.  كما يمنع على رجال الشرطة، تذكر أننا نتحدث عن فيتنام وليس مصر، القراءة وإجراء المكالمات الهاتفية الخاصة في الأماكن العامة لضبط سلوكهم.وليس خافيا على أحد أن هذه السلوكيات التي حظرتها السلطات الفيتنامية لا تمثل شيئا في سجل المظهرية والعجرفة والتعالي بين عناصر الشرطة المصرية، ولكن الالتزام ببعض منها قد يعيد الشرطة إلى مخدومها الذي هو الشعب ويفتح قنوات الاتصال التي سدت ولن تفتح بسهولة ولا بنوايا العيسوي الطيبة.وقد يرى البعض في الحديث عن هذه السلوكيات تسطيحا للقضية وتركيزا على توافهها، لكن إعادة الابن الضال إلى حضن الأسرة لن تتحقق إلا بإعادة تربيته ليكسر هو أولا الحواجز التي تفصله عمن حوله ثم يُطلب منا أن نتقبله بمحبة لا أن “نبوس إيده” ويتمنع مرات حتى يرضى عنا.وحتى لا نبقى في الشكليات، أرجو مرة ثانية من وزير الداخلية، بدلا من أن يتحدث عن نقص في الأفراد والأموال والعتاد، أن ينظر إلى تجارب مجاورة لا تقوم فيها الشرطة على هذا العدد الجبار ويتمتع رجالها بالاحترام ويتحقق بجهودهم الأمن.ولا حاجة للتعلل بالفوارق من حيث عدد السكان والموقع والمساحة وطبيعة التحديات ، فهذه عوامل لا علاقة لها بفتح ملاجئ لما يزيد عن مليون مجند في الأمن المركزي يأكلون ويتدربون ثم يعود كل منهم في نهاية خدمته إلى قريته. ولا حاجة لنا بهذه الأعداد الموزعة على الجهات المدنية في وزارة الداخلية، فما معنى أن نفرغ لكل شباك جوازات ضابطا ، في حين أن مدنيين يمكن أن يقوموا بهذه المهمة في ظل قواعد أمنية محددة سلفا ويشرف على تنفيذها في كل منفذ ضابط أو اثنا على الأكثر؟.ما الحاجة للأعداد المكدسة في إدارات المرور، رغم أن الفحص والتسجيل يمكن أن يعهد بهما إلى شركة أو إدارة خاصة بإجراءات لا تتجاوزها وبإشراف عدد قليل من الضباط؟ .هل الأكمنة المنتشرة على الطريق وفي الشوارع لا تؤدي عملها إلا بوجود “الباشا” الجالس في الكشك أو تحت المظلة واضعا نظارته السوداء ماداً رجليه في وجه الناس  وحوله كتيبة من المخبرين والمجندين بعضهم ينتقي له من يسود يومهم والبعض الآخر يعد له الشاي.اسألوا الوزير عن عدد الأفراد في شرطة السياحة والمرور والمواصلات وغيرها في وقت تغني فيه تقنية عن عشرات الأشخاص. وحتى لو لم تكن الميزانية تساعد على التوسع في استخدام التقنية، رغم أنها تسمح بالرخام وغرف النوم و”البرانص” في بعض المواقع الأمنية، فكل أفراد هذه الإدارات يمكن الاستعانة بهم في حفظ الأمن المهتريء وتكليف أعداد من الشباب العاطل بأداء مهام في هذه الجهات المدنية بعد تدريب سريع.كل هذه حلول مجربة وناجعة، بل وطرحها البعض منذ بداية الأزمة، لكن الحكومة فضلت التباطؤ في هذا الملف أيضا، رغم تأكيدها أنه لا استثمار أو إنتاج أو سياحة في غيبة، أو تغييب، الأمن الذي قال الوزير إنه سيعود بسلامة الله بعد شهرين أو ثلاثة وسبقته الانتهاكات لتكون في شرف استقباله لتكتمل عند عودته المنظمة الشرطية مجددا.مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل