المحتوى الرئيسى

د. أسامة عطوان يكتب: صرخة فى وجه مشروع قانون النظام الانتخابى

06/05 14:19

منذ أعلن المجلس العسكرى الذى يقود البلاد ويتولى زمام الأمور فى المرحلة الحالية عن مشروع قانون انتخابات مجلس الشعب وطرحه للمناقشة المجتمعية من خلال مؤتمر الوفاق الوطنى وأنا أتنقل بين البرامج الفضائية ومواقع الإنترنت وأقلب أوراق الصحف بحثا عن الشرح والتحليل وسعيا وراء الاستنارة برأى الخبراء الذين يطالعوننا بآرائهم صباح مساء علّنى أجد مايشفى غليلى ويشبع فضولى فى المعرفة فوجدت أكثرهم بعيدين كل البعد عن القراءة الواقعية لتطبيق القانون وكأنهم يبطنون خلاف مايظهرون فيَقبلون مايجب أن يرفضوه، ويرفضون ماكان لزاما عليهم أن يقبلوه مُجمعين على السير فى ذات الطريق الذى يحذرون منه، وكلما هممت بالكتابة صارخا فى وجه هذا القانون عدت أدراجى خشية أن أبدو كمن يدعى العبقرية فى وادى عبقر واثقا أن كثيرين يرون ماأرى ويذهبون ربما أبعد مما سأذهب، حتى جاءت حلقة " فى الميدان" والتى قدمها الإعلامى محمود سعد على شاشة قناة التحرير مساء السبت واستضاف فيها الدكتور " معتز عبد الفتاح" ليفسر لنا مشروع القانون ونظام الانتخاب المقترح فتأكدت أن الكارثة واقعة لامحالة وأن تحليلى المتشائم ورؤيتى السوداوية تبدو أكثر تفاؤلا من الواقع بكثير فحاولت الاتصال بالبرنامج ولكن الوقت كان قد فات وانتهت الحلقة وأنا أعض أظافرى وأضرب كفا بكف.والحقيقة أن مشروع القانون – كما قدمه المجلس الأعلى للقوات المسلحة - جاء غاية فى التعقيد صعبا على الفهم والإدراك، فشل فى سبر غوره الخبراء والعالمون ببواطن الأمور فكيف سيكون أمامه العامة والبسطاء؟!، وإن بقيت له من ميزة واضحة فدلالته على أن مصر قد حباها الله بعدد هائل من ترزية القوانين عمل بعضهم فى خدمة صانع القرار فى بلاط النظام السابق ليعد له ماشاء من قوانين تُحكم قبضته وتكبّل معارضيه مررها "رغما عنا" برلمان تحت الطلب، بينما يلتف البعض الآخر الأكثر مهارة وعبقرية حاليا على صناع القرار لإعداد قوانين تذهب بهم إلى عكس مايريدون وسط ابتسامات الضحايا من القوى السياسية وشباب الثورة وعباقرة التحليل السياسى غير مدركين أن السم فى العسل وأن القانون المقترح ظاهره الرحمة وباطنه العذاب وأن الطريق إلى جهنم مفروش دائما بالنوايا الحسنة.وإذا كانت هناك من نقطة ضعف واضحة لصناع النصوص العباقرة فهى ضعف الصياغة وتناقضها فى مناطق كثيرة أضفت على المشروع كثيرا من الاضطراب وهو مارصده الخبراء والمحللون متصورين أنهم " جابوا الديب من ديله" رغم أنهم فى واقع الأمر أمسكوا بالذيل وتركوا الذئب يرتع كما يشاء، ورغم هذا فأننى لن أقف كثيرا أمام ذلك لأن الصياغة النهائية للمشروع ستتفادى هذا الخلل بكل تأكيد بينما يظل جوهر المشروع كماهو إلا قليلا، ويظل القانون بتوجُّهه الحالى كارثة بكل المقاييس لم يصل نظام مبارك فى جبروته وتسلطه إلى صياغة مثلها.نعود إلى مشروع القانون الذى جمع بين القائمة النسبية المغلقة إرضاء للأحزاب ولشباب الثورة وإخمادا للأصوات التى تطالب بها "باعتبارها النموذج الأمثل لتحقيق العدالة فى تمثيل القوى السياسية" وبين النظام الفردى بكل ماله وماعليه، فخصص المشروع للانتخاب بالقائمة ثلث المقاعد وترك الثلثين للنظام الفردى المعتاد فلا فاز بمزايا القائمة ولاحافظ على مزايا النظام الفردى ولكنه صاغ قانونا يفرغ الانتخابات من أهدافها المعلنة ويعطى لفصيل واحد وهو تيار الإخوان المسلمين أكثر من ثلثى مجلس الشعب لو أرادوا ودون مجهود وبأقل تكلفة وبصيغة لم يكن ليجرؤ مكتب الإرشاد على إعدادها لو أوكلوا إليه إعداد القانون، .. فحين خص مشروع القانون القائمة النسبية بثلث عدد المقاعد فى كل محافظة "وكأنه يستجيب لمطالب القوى السياسية التى تنادى بها" فإنه فى الحقيقة قد أقصى ثلث عدد المقاعد خارج الانتخابات الحقيقية وأهداها لجماعة الإخوان المسلمين مقدما وقبل إجراء الانتخابات، وليس ماأقوله تجنيا أو افتراء إذا قرأنا جيدا نص القانون وطريقة حساب النتائج، فإذا افترضنا مثلا أن هناك محافظة يمثلها "30" نائبا فى البرلمان خصصت لهم فى النظام الفردى المعتاد "15" دائرة فإن ثلث العدد الذى ستجرى عليه الانتخابات بالقائمة النسبية سيكون "10" مقاعد تضمها دائرة واحدة تشمل المحافظة بكاملها أو عدة دوائر سأفترض متفائلا أنهما دائرتان فقط يتم تقسيم المحافظة إليهما فتصبح القائمة فى هذه الحالة مكونة من خمسة مرشحين لكى يفوز أحدهم لابد أن تحصل قائمته على 20% من عدد الأصوات الصحيحة على الأقل .. فكم سيكون عدد القوائم المتنافسة فى الدائرة الواحدة خصوصا ومن حق المستقلين تقديم قوائم خاصة بهم لم يشر القانون هل هى واحدة أو أكثر؟! .. المتوقع فى النهاية أن يزيد عدد القوائم المتنافسة بشكل ربما لايقل بحال عن عشرة قوائم، فإذا كانت كل القوى والتيارات والأحزاب والإعلام والخبراء يؤكدون أن الإخوان هم الفصيل الوحيد القوى والجاهز فلاشك أنه الأكثر قدرة على تخطى نسبة 20% للحصول على أحد مقاعد القائمة المذكورة بينما ستفشل كل القوائم الأخرى - على الأقل لكثرتها - فى الوصول إلى تلك النسبة .. فأين ستذهب المقاعد الأربعة المتبقية فى القائمة ؟! .. للأسف فإن مشروع القانون يعطيها للقائمة التى استطاعت الحصول على أعلى الأصوات فى الدائرة ليحصل من فاز ب 20% من الأصوات على 100% من المقاعد، وتتحول القائمة إلى مقصلة لكل الأحزاب والتيارات وهدية شرعية بسيطة لمكتب الإرشاد ولا أظن أن هذا هو مايهدف إليه المجلس العسكرى، والغريب فى الأمر أن المثال الذى ضربته يخص واحدة من أكبر المحافظات المصرية فماذا عن المحافظات الصغيرة التى يخصص لها عدد محدود من المقاعد كتلك المحافظة التى يمثلها فى البرلمان ثمانية نواب فقط؟ .. ماهو الثلث الذى ستجرى عليه الانتخابات بالقائمة؟! هل هو ثلاثة مقاعد مثلا فى قائمة واحدة تمثل المحافظة بكاملها؟ ليكن .. إذن لابد أن تحصل القائمة على أكثر من 33% من عدد الأصوات الصحيحة لتفوز بمقعد واحد من مقاعد القائمة وهو افتراض فى غاية الصعوبة فى ظل عدد القوائم الكثيرة المتنافسة، ومن يستطع الحصول على هذه النسبة يكون فى الواقع قد استولى على المقاعد الثلاثة للقائمة، ولست أظن مطلقا أن فى ذلك عدالة أو ديمقراطية، بل إنه من المحتمل أن تفشل كل القوائم فى الحصول على المتوسط الحسابى للفوز بأى مقعد من مقاعد القائمة ولاأعرف كيف سيكون الحل ساعتها .. كل ذلك وأنا أتجاهل عامدا مايطلقون عليه العتبة الانتخابية وهى النسبة العامة التى سيحددها القانون للقائمة على مستوى الجمهورية للتمثيل فى البرلمان وهى نسبة مهما كانت ضئيلة فهى كافية لاستبعاد بعض المقاعد المتناثرة التى قد تفلت من المقصلة التى ذكرتها وذلك حين تنجح إحدى القوائم فى تحقيق نسبة مرتفعة فى دائرة أو عدة دوائر بينما تفشل فى تحقيق النسبة العامة التى يشترطها القانون، كما لا أعرف كيف سيتم حسابها بالنسبة للمستقلين الذين لاتربطهم رابطة ولاتضمهم جماعة.نذهب إلى الانتخاب بالنظام الفردى الذى خصص له المشروع ثلثى عدد المقاعد بعد أن اختطفت القائمة ثلثها الباقى فنكتشف أنه لابد من إعادة تقسيم الدوائر من جديد لتعويض ماأخذته القائمة ليهبط عدد الدوائر الفردية من خمس عشرة دائرة فى المثال الذى ذكرناه سابقا إلى عشرة دوائر فقط يخص كلا منها نائبان أحدهما للعمال على الأقل، وبنظرة بسيطة لاتحتاج إلى تدقيق سنجد أننا قد ألقينا بالمرشح الفرد إلى ملعب جديد غير ملعبه الذى اعتاد عليه وارتبط بأهله وهم الأدرى به وأقدر على تقييمه، وهى مذبحة للأفراد لن ينجو منها سوى المرشح المرتبط بحزب قوى موجود فى كل مكان - وهو افتراض مستحيل حتى لو تم التنسيق بين جميع الأحزاب على دعم مرشح بعينه فى كل دائرة - أو بجماعة منظمة وقوية وأتباع مخلصين لايعنيهم كثيرا اسم المرشح وإنما فقط انتماؤه لجماعتهم وهى جماعة الإخوان المسلمين، وبذلك نكون قد أعطينا ميزة إضافية للإخوان تمكنهم لو أرادوا من اكتساح المقاعد الفردية أو معظمها وتمكنهم من عقد الصفقات والتربيطات لصالح من يريدون وضد من لايريدون فهل هذا هو مايهدف إليه مشروع القانون؟!!!!..الأصل فى القوائم النسبية أيها السادة أن تقودنا إلى تمثيل القوى السياسية والحزبية وعلى رأسها جماعة الإخوان بقدر وجودها الحقيقى فى الشارع أما القائمة المزمعة فستكون السبب فى إقصاء معظم القوى وخصوصا الناشئة منها بدلا من دعمها كما هو مفترض، والأصل فى الانتخابات الفردية التصاق المرشح بدائرته ومعرفته الشخصية بناخبيه فإذا تغيرت معالم الدائرة التى يرشح لها قبل ثلاثة أشهر من إجراء الانتخابات فقد انتفت هذه الميزة تماما وانتقلت لتصبح ميزة إضافية للجماعات السياسية المتواجدة فى كل مكان ولاينطبق ذلك سوى على الإخوان وكأننا نتعمد إضعاف منافسيهم من الأفراد، ولن يختلف الأمر كثيرا إذا استقر الرأى على تقسيم المقاعد النيابية إلى نصفين أحدهما للقائمة النسبية والآخر للفردى لأنه فى هذه الحالة سنكون أمام خيارين الأول أن تبقى الدوائر الفردية كما كانت فى السابق على أن ينتخب من بين مرشحيها مرشح واحد بدلا من اثنين كما كان الحال سابقا ولكننا سنصطدم بنسبة العمال والفلاحين وسيكون إلغاء هذا الشرط أساسا لتنفيذ هذا السيناريو، أما الخيار الآخر أن تندمج كل دائرتين فى دائرة واحدة ينجح فيها مرشحان أحدهما للعمال على الأقل لنحافظ على نسبة العمال والفلاحين وسيؤدى ذلك إلى إعدام المرشحين الأفراد حتى لو كانوا من التابعين للأحزاب القديمة أو الجديدة لصالح من يملك قاعدة راسخة ومستقرة وممتدة.أتمنى ألا تسقط القوى الوطنية الناشئة والتى تمثل شباب الثورة ومفجريها وعموم الوطنيين فى هذا الفخ المعد بإحكام لإقصائها أما رموز القوى التقليدية القديمة فلست قلقا بشأنهم فهم يعرفون كيف يدبرون أمورهم ولن يكون ذلك إلا من خلال استعطاف الإخوان والتنسيق معهم حتى لا تكون الانتخابات النيابية بمثابة حكم الاعدام السياسى عليهم خارج وداخل أحزابهم.لست أشكك مطلقا فى نوايا القائمين على الأمور أو الباحثين فى شأنها ولكننى أتصور غياب الجزء الأهم من الصورة السياسية الواقعية عنهم، فمن ينادون بالقائمة من أجل تمثيل متوازن سيحصلون على قائمة تهدى ثلث مجلس الشعب لمن يحاولون تقليم أضافره فإذا بهم يطلقون على الجميع مخالبه وأنيابه، ومن يبحثون عن ترشيد الانتخاب بالنظام الفردى من أجل تجنب العنف والبلطجة وللتخلص من هيمنة المال نقدم لهم نظاما فرديا فى دائرة أكثر اتساعا تدفعهم لمزيد من العنف وتعطى فرصة إضافية غير متكافئة لمن يملك المال للسيطرة على الدائرة الجديدة، وحين يجتمع النظامان معا كما فى مشروع القانون فقد أضفنا مزيدا من العبء على الناخبين الذين يتعامل معظمهم بالكاد مع الرموز، وربما يكتمل العرس بإجراء انتخابات مجلس الشورى فى اليوم نفسه ليحمل الناخب كومة من الأوراق تحتاج إلى مدرس خصوصى متمكن ليذهب معه خلف الستار ربما أفلحا معا فى التصويت دون أن يبطل الصوت وعندها ستكون الانتخابات البرلمانية ليلة من ألف ليلة وليلة.هذه قراءتى فى مشروع القانون قبل إقراره وشهادتى لاأستطيع كتمانها وصرختى قبل أن تقع الكارثة أما رؤيتى عما يجب أن يكون فلأنها ربما تسبح فى عكس التيار فسيكون لها حديث آخر.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل