المحتوى الرئيسى

مقاولو الهدم ومهندسو البناء

06/05 12:14

 إذا علمت أن أحد المشاغبين يتربّص بك، وكان لك صاحبان أحدهما أستاذ جامعى مسالم، والآخر فتوّة جاهل، فمن تلتمس صحبته لملاقاة هذا المشاغب؟ الإجابة قطعاً فى صالح الفتوة الذى يعرف كيف يوظّف قوته ومهاراته القتالية لنجدتك، فإذا ما تخلّصت من هذا التهديد فإنك بالطبع تفضّل صحبة الأستاذ الجامعى فى سائر أحوالك خاصة إذا كان الرجل ذا رأى وبصيرة وعلم وفير. كذلك الحال إذا ما أردت أن تشيد بناءً جميلاً على أطلال بيت متهدّم، عليك أولاً أن تذهب إلى مقاول هدم يُعمِل معاوله فى الأطلال حتى تتساوى بالأرض، فإذا انتهى من عمله فإنك لابد ذاهب إلى مهندس معمارى محترف كى ينفّذ لك التصميم الجميل لبنائك.هذه ثورتنا انطلقت بسواعد وحناجر الشباب، والتحق بها الكهول والشيوخ وحتى الأطفال، فأتم الله نصرهم على آلة القهر والعنف التى تسلّح بها مغتصبو خيرات البلاد، فكانت ميادين مصر تموج بالصيحات، وتخط دماء الشهداء والجرحى آيات من الفداء والتضحية كان شباب الأمة مدادها ويراعها. والحكمة الاقتصادية تعلّمنا أن التخصيص الامثل للموارد يقتضى منا وضع العناصر الشابة القوية فى مقدمة صفوف المعارك يخوضون غمارها بما آتاهم الله من بسطة فى الجسم هى ميزة نسبية لهم على سائر فئات المواطنين، كذلك تعلّمنا الحكمة العسكرية انتخاب الجنود من الشباب القوى غير ذى العلة أو العطب، وقد تجرّد الشباب لهذه المهمة، وأعزنى الله ونفر من أصحابى بنصرتهم حتى تمت المهمة بالظهور على مبارك وبطانته، ووقع أمرهم فى يد القضاء، كما وقع أمر مستقبل الأمة فى يد خبراء التخطيط والتصميم والبناء. ولأن مصر أكبر من أى بناء جميل، فحاجتها لا تقتصر على المهندسين وحسب، بل تمتد لعلماء السياسة والاقتصاد والطب والمساحة والكيمياء..وسائر العلوم والفنون والآداب. ليس معنى هذا أن كل من خرج من الشباب هم مجرد كتل من العضلات لا عقل لها ولا تديبر، ولا معنى هذا أن المرحلة الحالية والتى تليها لا حاجة لها بفتوة الشباب وإصرارهم وبأسهم وجلدهم، حاشى لله، لكن ما أعنيه أن التخصيص الأمثل لمواردنا البشرية يقتضينا فى هذه المرحلة أن نضع العلماء والحكماء فى مقدمة الصفوف وأن يتأخر صغيرو السن قليلى الحكمة والخبرة صفّاً أو أكثر ولا يغادروا الجيش أبداً فكلنا جنود فى معركة بناء الوطن. وإذا كان بعض أولى الأمر يصرّون على نسبة الثورة للشباب، ودعوة كل من هو فى فئتهم العمرية لتقرير مصير البلاد بقصد كشف عورات هؤلاء الشباب الفكرية والعلمية، فالله لا يحب المستهزئين، وإن كانت دعوتهم بدافع نسبة الفضل إليهم ووضع الأعناق تحت تصرّفهم، فمصر لم تفتح على أيديهم وأهلها ليسوا سبايا أو عبيداً كما أن شبابها ليسوا غزاةً ولا منتقمين!، وإن كانت دعوتهم بدافع إقصاء أهل الحجا والرأى ممن لا يرضى عنهم بعض المتقوّلين المتأبدين فى وسائل الإعلام، فقد فعلها السنهورى باشا وسليمان حافظ بين عامى 1952 و1954 نكاية فى حزب الوفد والوفديين وغيرة منهم، فكان غراماً على البلاد أن حرمت خبرة ووطنية أعلام مثل النحاس باشا وفؤاد سراج الدين باشا، ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين.علمت من أحد شيوخ القضاء أن الشباب الذين تتم دعوتهم لمؤتمرات الحوار لا يعرفون توقيراً للكبار فأمّنت على قوله وزدت: "ولا الصغار"، وكنت قد سقت فى مقال سابق خبرة سيئة جمعتنى ببعض هؤلاء المنتسبين لشباب الثورة المنتحلين لصفات "الوطنية الحصرية" وكيف أنهم يتعمدون الظهور بثوب المستهين المتعالى على الإصغاء والتعلّم، حتى أن بعضهم كانوا يتبادلون النظرات المستهجنة لشاب مهذّب لأنه خاطب وزير الثقافة بلقب معالى الوزير، فاستشعر الوزير الحرج وأصر على ألا يدعى بغير لقبه الأكاديمى، وتلك طرفة من أفعالهم التى تملأ النوادى والمؤتمرات.توسّطوا فى أموركم يرحكمكم الله، فدعوة الإسلام الثورية بطبيعتها لم تقض على كل أعراف العرب فى عصر جاهليتهم، بل انتخبت منها ما يناسب صفات المسلم الحق. كذلك سائر الأديان لم تأت لتهدم ما قبلها، بل لتمامه والبناء عليه. فرق آخر بين مقاول الهدم ومهندس البناء أن الأول يستخدم قوته للهدم غير عابئ بما يبقى من لبنات صحاح تنفع فى إعادة البناء، بينما مهندس البناء إذا ما راعى الاقتصاد فى عمله فعليه أن ينتخب من لبنات البيت القديم ما يصلح لإعادة البناء. 

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل