المحتوى الرئيسى

الأبطال الوهميون

06/05 11:37

خالص الجلبي يذكر (روبرت جرين) صاحب كتاب القوة (Power) عند القانون 36 من قواعد لعبة القوة، أنه "إذا اعترفت بمشكلة تافهة فإنك تعطيها وجودا ومصداقية، وكلما زاد اهتمامك بعدو فإنك تجعله أقوى، والغلطة الصغيرة كثيرا ما تصير أسوأ عندما تحاول إصلاحها، والشيء الأفضل أحيانا هو ترك الأمور وشأنها، فإن كان هناك شيء تريده ولا تستطيع امتلاكه، فاظهر احتقارك له، فكلما قل الاهتمام الذي تظهره فإنك ستبدو أكثر تفوقا". وقصة (بانشو فييا) من القصص التاريخية المثيرة على هذا القانون، فقد بدأ حياته كزعيم لمتمردين من عصابة قطع الطرق، ولكنه بعد اندلاع ثورة المكسيك عام 1910م أصبح بطلاً شعبيا، غير أنه بعد سنوات قليلة من القتال المرير، برز الجنرال (كارّانزا) منتصرا في الثورة، وعاد (فييا) وجنوده إلى وطنهم في ولاية (شيهواهو) الشمالية. وتضاءل جيشه وعاد إلى قطع الطرق مما أضر بشعبيته، وأخيرا ـ ربما نتيجة اليأس ـ بدأ يشتم الولايات المتحدة والغرباء وأنهم خلف متاعبه. وفي آذار من عام 1916م ولسبب مجهول، أغار بانشو وعصابته على كولومبوس بولاية نيو مكسيكو؛ فقتلوا 17 أمريكيا بين جندي ومدني. وكان الرئيس الأمريكي يومها (وودرو ويلسون) مثل كثير من الأمريكيين معجبا بفييا، أما بعد تلك الغارة فكان لا بد من معاقبة قطاع الطرق، فلما استشار من حوله قالوا له إن السكوت على هذا يعني إعطاء أسوأ الإشارات فلا بد من إثبات قوة أمريكا! كان الضغط على ويلسون قويا، وقبل أن ينتهي الشهر وبموافقة حكومة (كارّانزا Caranza) أرسل جيشا من عشرة آلاف جندي للقبض على بانشو فييا، وسمي ذلك المشروع (الحملة العقابية)، كما كان الحال في حملة إسرائيل على لبنان في صيف 2006م باسم (الجزاء المناسب)، وكان قائد الحملة هو الجنرال المندفع (بيرشينج) الذي دحر من قبل المحاربين غير النظاميين في حرب الفلبين، وكذلك الهنود الحمر في الجنوب الغربي الأمريكي، فكان من المؤكد أنه سيدحر الشقي بانشو فييا ويأسره ولكن ما حصل شابه ما حصل لحسن نصر الله مع إسرائيل، فالتمع برقه وسما نجمه. الشعب المكسيكي الذي كان قد سخط على بانشو فييا صار يعبده الآن، لأنه يواجه جيشا أمريكيا، فبدأ الناس يعطون الجنرال بيرشينج معلومات مضللة، فترسل الطائرات وتقصف المناطق أما بانشو فييا فلم يره أحد أبدا. وبدا أن قاطع الطريق، ظل سابقا العسكريين الأمريكيين بخطوة إلى الأمام على الدوام. وبحلول صيف 1916م كانت الحملة قد تضخمت إلى 123000 رجل، فراحوا يعانون من الحرارة المسببة للجنون، والبعوض، ووعورة التضاريس، وأخذوا يزحفون بجهد جهيد وحر السموم عبر الأرياف وسط أناس ساخطين على وجودهم، فأثاروا ثائرة السكان المحليين، والحكومة المكسيكية على حد سواء. وفي إحدى المراحل كان بانشو مختبئا في كهف جبلي يتعافى من جرح بالرصاص. وطوال الطريق عبر فصل الشتاء، ظل يمارس لعبة الفأر والقط، وأخذ الأمريكيون يرون القضية ضربا من المهازل التهريجية الرخيصة الفظة، بل راحوا يحترمون بانشو فييا ويعجبون به، كما حصل لنصر الله اللبناني في وسط عربي محبط، وحكومات استبدادية عاجزة، لا تحسن في عمومها إلا الإساءة لمواطنيها ودفعهم للفرار من وطن لم يبق وطنا بل قبرا ولحدا. وفي كانون الثاني من عام 1917م بعد 11 شهرا من الحملة وارتفاع عدد الجنود أحد عشر مرة، وفداحة الإصابات، أمر ويلسون بسحب القوات الأمريكية، وطوال الطريق، والقوات الأمريكية قافلة للوطن، كانت مشغولة بصد هجمات قوات المتمردين، التي كانت تتمتع بالعبث بها وضربها كيفما اتفق، في ذل ما بعده ذل لأقوى دولة. وأدت الحملة العقابية عكس مفعولها. فقد تركت بانشو فييا ليس طليقا فحسب؛ بل متمتعا بشعبية أكثر من ذي قبل. إنها قصة تذكرني بحسن نصر الله مع فارق أن بانشو فييا بقي بطلا عند قومه حتى موته، أما الأخير فقد نطق في مذابح سوريا ما جعل الجماهير تضعه في خندق الطغيان سواء بسواء؛ فقد انكشفت العورة وبانت السوءة، ولم تبق ثمة ورقة توت وعنب للتغطية والتعمية. * نقلاً عن "الوطن" السعودية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل