المحتوى الرئيسى

ما بين مكة والبندقية.. رحلة إلى عوالم وشواطئ مجهولة

06/05 11:14

تطل السعودية على شواطئ الأرسينالة (المرسى القديم) في فينيسيا بعد غد (الأربعاء) من خلال افتتاح أول مشاركة للمملكة في بينالي البندقية للفنون. الجناح يقدم عمل الفنانتين شادية ورجاء عالم «الفلك الأسود»، الذي يقام بتكليف من د. عبد العزيز السبيل وبإشراف فني من كل من منى خزندار، مديرة معهد العالم العربي في باريس، وروبن ستارت خبير الأعمال الفنية. العمل الموحي على مستويات متعددة يمثل رحلة ومحاولة لاكتشاف الذات والعالم، وأيضا ربط لعوالم مختلفة عبر تجربة حياتية للفنانتين حملتهما من مكة حيث نشأتا إلى البندقية. وبالنسبة لشادية عالم «هو لقاء عوالم بلا عدد، هي مجموع ما يُختزَل في الكائن البشري من خلال ترحاله في العالم وفي الثقافات». وبعودة إلى الوراء تشرح شادية عالم اللحظة التي شهدت ولادة فكرة العمل: «اختار القيمان على المعرض منى خزندار وروبن ستارت دعوة خمسة فنانين سعوديين لتقديم رؤاهم في مشاريع فردية، يتم اختيار أحدها لتمثيل المملكة فنيا في بينالي البندقية، شملت الدعوة قضاء ثلاثة أيام في البندقية، وذلك للاطلاع على القاعة المخصصة للعرض السعودي في الأرسينالة، ميناء البندقية العريق، وكان هدف الدعوة أن نستلهم المكان ليقوم كل منا، نحن الفنانين الخمسة، بإعداد مشروع يتلاءم من المكان ومع مفهوم بينالي البندقية 54، ألا وهو التنوير بين الأمم والحضارات»، تتابع شادية: «سبق لي ورجاء زيارة بينالي البندقية في سنوات مضت، لكن هذه الزيارة الأخيرة جاءت مثل شحنة، بدا المكان مختلفا من منظور الفنان المطالَب بتقديم عرض في تلك المساحة المهيبة، والموقع ضمن مرسى البندقية الذي شكل في تاريخ المدينة نقطة وصل بين الشرق والغرب، حيث كانت تصنع فيه مئات السفن شهريا وبمعدل قياسي، رؤيتنا للمكان شحذتنا بشحنة غريبة، وكنا في طريقنا عائدتين للمملكة من مطار البندقية، المدعو ماركو بولو، وكان هناك إضراب عام في المطار وتأخر إقلاع طائرتنا، وكنا في حالة استغراق نبحث عن إلهام، إذ كيف نتحاور وتلك القاعة في الأرسينالة ونخرجها للحياة؟ كان يوم 15 نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، وفجأة تنبهنا لحقيقة أنه يوم وقفة الحجيج بعرفات، وأن خُمس سكان الكرة الأرضية يتجهون لمكة بقلوبهم أو يوجدون في عرفاتها، بينما أنا ورجاء في البندقية نرحل بحثا عن إلهام، هنا انبثق التناظر بين المدينتين، فالبندقية نفسها تعيش مواسم أشبه بموسم الحج بمكة، حيث يسافر إليها عشاق الفن من أنحاء العالم، وتنبهنا لاسم المطار، ماركو بولو، هذا الرحالة من أهل البندقية كنظيره الرحالة العربي ابن بطوطة، وكلاهما سافر للشرق، وحقق كشوفا تركت أثرها في عالمنا، هنا جاء فعل الترحال كوسيلة لتلاقح الحضارات، وجاء موقع مكة والبندقية في قلب الترحال واستقبال الرحالة ومزج حضاراتهم. ومن هنا انبثقت فكرة هذا الفلك الأسود». رحلة الاكتشاف يختلط فيها الماضي بتقاليده وعاداته وتراثه العبق بالحاضر الذي يستند بشكل كبير على الماضي. مكة حاضرة في العمل باللون الأسود والمكعب الأسود الذي يتوسطه، ومن خلال حصى المزدلفة الذي اختارت الفنانتان أن تنثرانه على أرضيته، ويكتمل الحضور بشريط صوتي يذيع أصوات مسجلة من أسواق وأروقة مكة. مكة أيضا تمثل نقطة جذب والتقاء لحضارات مختلفة تمر وتذهب وتترك آثارها وتتفاعل مع المجتمع المكي. إنها «بوتقة»، كما تشير شادية عالم. طفولة الفنانتين في ذلك الزخم الحضاري جعلهما جزءا من اللوحة البشرية المتنوعة: «(الفلك الأسود) هي إطلالة داخل رأسي أو إطلالة من بيت جدي بمكة في الشامية، المشرِف على الحرم، حيث أينما نظرت انبسطت رؤوس بشرية وأزياء ومذاقات ولغات، هو هذا التلاقح الذي صاغ مكة وأهلها، الذي يتمثل الآن في القرية الكونية التي يتجه لها عالمنا الحديث». «الفلك الأسود» يقدم رحلة اكتشاف للذات وللآخر عبرت من خلاها الأختان عالم من مكة إلى فينيسيا؛ تقول شادية إن العمل يدور حول الرحلة وحول الانتقال، هو تحول مستلهم من رحلات ماركو بولو وابن بطوطة، وتشير إلى أنها أرادت، مثل ماركو بولو، أن تحمل مدينتها إلى أماكن أخرى من العالم: «أن أحضر مكة إلى البندقية مستعينة بمفردات من حياتي، (فلك أسود)، مدينة مكعبة وحفنة من حصى المزدلفة». هل وجود حصى مزدلفة قد يمثل إشارة إلى إعادة النقاء والتخلص من السلبيات؟ تجيب شادية: «كما أرى، فعل الرجم فهو عملية استحضار للحظة سلبية وتوجيه الحجر إليها، إنها لحظة استجماع للطاقة البشرية لإسقاط لحظة سلبية وإعلاء لحظة إيجابية، بهدف إحداث تغيير إيجابي. من هنا جاء استغلالي لحصى الجمرات، الذي جئت به من مكة خصيصا ليحتل قلب مكعبي الأسود، لأن هذا الحصى قد لمسته أيدي ملايين البشر، ما هي بمجرد حجارة، وإنما منحوتات نحتتها أيدي البشر وعرقهم ورغباتهم العميقة للتغيير الإيجابي». عنوان العمل مستوحى من قصة خيالية اعتادت الأختان سماعها من جدتهما: «في مطار ماركو بولو، حين كنا نبحث عن إلهام، وفجأة وفي نفس اللحظة هتفنا أنا ورجاء: (الباب الأسود). تذكرنا في نفس الوقت حكاية جدتي وهي حكاية مُحَرَّفة من حكايات ألف ليلة وليلة، عن الملك الذي تزوج فتاة فقيرة عادية، وليلة عرسهما أخذها لقصره وأطلعها على فخامته وبلغ بها لبهو في السطح، ينفتح البهو بمئات الأبواب، وقال لها: «بوسعك الولوج لكل هذه الأبواب، إلا هذا الباب الأسود»، وبالطبع فإن الملكة ستعبر وتضيع في عوالم بلا نهاية، في الحياة بمعاناتها ومفاجآتها خارج نعيم القصر المقيم. هذه كانت حكاية جدتي المفضلة، وربما كان خبثا منها أن تغرس فينا مبكرا الخوف من الاختراق للمجهول، من المغامرة. وربما أدَّت لرد فعل عكسي لم تتوقعه، وهو تحفيزنا لمعرفة العوالم التي ابتلعت تلك الملكة المغامِرة». بشكل ما يصبح «الفلك الأسود» هو ذلك الباب المحرم والغامض الذي يخفي وراءه عوالم مجهولة ومدنا واسعة ويخفي خلفه ألغازا كثيرة. الرحلة لا بد منها، وعبور الباب المحرم يفتح أمامنا محاولات لاستكشاف مدينتين، ولكن قبلها استكشاف الذات البشرية. ولكن شادية ترى أن الاختراق هنا ليس للممنوع بقدر ما هو «اختراق للمجهول، للجديد، لما وراء المفاهيم المسبقة والقوالب الجاهزة، هو فعل الاكتشاف والكشف. لذا فلقد أقمت بوجه المتفرج وبمجرد دخوله لقاعة العرض هذا الترس الأسود، 7 × 3.5 متر من السواد الكامل، فإما أن يصده عن الدخول أو يدفعه لقبول التحدي المضمر، ويتحرك لما وراءه ويكتشف الأفلاك التي تبادله التنوير. والاكتشاف هنا هو اكتشاف للممكن، للقوى الخفية التي قد نمضي من هذه الحياة دون أن نكتشفها في أنفسنا، هناك دوما مسافة بعد نهاية الممكن، مسافة إضافية، حين نستنفد أقصى طاقاتنا، لا بد أن نواصل الدفع، عندها ستنفتح تلك المسافة وما بعدها وبعدها، في كل انغلاق هناك فرجة، وفي كل نهاية تكمن بداية ما». المتفرج هنا يجد نفسه أمام العمل المغلف بالسواد، ويجد انعكاسا لنفسه عليه عبر عدد هائل من الكرات المعدنية، هذا الانعكاس يمثل نوعا من التواصل بين العمل وبين المشاهد، ومنه ينتج حوار وتفاعل، «حين يعبر المتفرج حاجز الأسود، ويدور لما وراء، يجد نفسه بمواجهة لذاته أولا، وقبل كل شيء، ذاته تنعكس على 3457 فلكا، وكلها منعكسة على مكعب يبادلها التنوير». اللون الأسود قد يبدو مهيبا وقويا، وأيضا قد يعبر عن المجهول وما خلفه، الأسود هو انعكاسات كثيرة من حياة الأختين عالم، فهو لون الكعبة ولون الحجر الأسود، وأيضا هو لون العباءة السوداء التي ترتديها النساء في السعودية. تقول شادية: «ذاكرة (الأسوَد) لها جذور عميقة في تركيبتنا أنا ورجاء، فمثلا ثوب الكعبة الأسود ظل دوما يخفي المطلق وراءه ويُشَكِّل ألف علامة استفهام، ويثير فضولنا ومخيلاتنا. أيضا الحجر الأسود، الذي جلبه جبريل من السماء، كانت أمي تأخذنا للحرم حين كنا أطفالا كل عصر جمعة، تدفع برؤوسنا في تجويفه وتأمرنا: (قبلوا الحجر الأسود، لكي يشحذ أفهامكم وتحتد ذاكرتكم)، هذا الحجر الفردوسي بسواده مغروس عميقا في ذاكرتنا، وربما حفز أفهامنا وفضولنا لكشف المزيد من المجهول، من هنا انطبع الأسود بصفته اللامحدودة، الدعوة للاختراق ولما لا عين رأت ولا أذن سمعت، هذا الوعد المحفوف بالخطر أو الرهبة». اللون أيضا قد يمثل «الفرد السعودي الذي ظل مجهولا للعالم الخارجي»، ومن هنا تنبع أهمية مشاركة المملكة في البينالي، التي تراها شادية محاولة «لإلقاء بعض الضوء على هذا المجهول». ومن جانبه، يقول روبن ستارت المشارك في الإشراف الفني على الجناح إن العمل «يقوم على طبقات متعددة من الرؤية؛ فعلى أحد المستويات هناك الذكريات الخاصة بالفنانتين، التي تمثل العنصر الشخصي والمباشر في العمل، قصص الطفولة الخاصة بهما تشجع المتفرج على المشاركة في هذه الرحلة والمغامرة بعبور (الفلك الأسود)، وهنا سيكتشف أن الغرض من هذه الرحلة هو تقديم مكة إلى البندقية». مكة تمثل الروحانية الخالصة، وبوضعها إلى جانب البندقية قد يثير التساؤل حول العلاقة بين الروحانية والفن الذي تمثله البندقية، وهنا يقول ستارت: «أعتقد أن الروحانية قد تكون من الأشياء التي يلمسها المتفرج من العمل، ولكن القول إنها مقصورة على مكة، أو أن الفن قد يكون ملازما لاسم البندقية، أعتقد أنها مسألة تعود للمتلقي».

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل