المحتوى الرئيسى

> الشعب يريد تطهير الحظيرة

06/05 21:18

كتب - فيروز كراويةباحثة ومطربةتنهال المطالبات بعودة وزارة الثقافة للعب دور وسط الناس. في تسليم واضح بأن هذا الكيان غائب عن الشارع وقضاياه ومزاجه والجدل المشتعل في أرجائه. ويشعر المثقفون لأول مرة بوضوح شديد أنهم غائبون، ولا يستدعيهم أحد للعب أي أدوار كمشاركين فاعلين في هذه اللحظة التاريخية الفارقة في مصر، ويبدون شديدي القلق من اكتشافهم لتواضع الجهد الذي بذلوه خلال العقود الماضية حتي غدا عملهم بلا ثمار وكلامهم بلا جمهور. في المقابل، يسارعون لمطالبة الدولة (ممثلة في وزارة الثقافة) بمزيد من التمكين لعلهم ينقذون ما يمكن إنقاذه وينضمون لحركة المجتمع التي همشتهم أو انعزلوا هم عنها مكتفين بسكني «الحظيرة». والحظيرة كلمة أطلقت علي وزارة الثقافة في عهد فاروق حسني، الذي كان دائم السقطات اللفظية الفرويدية التي تكشف أكثر مما ينبغي التصريح به. وكانت وزارته، علي ضآلة تأثيرها الثقافي والاجتماعي، مادة مسلية لمفتعلي المعارك الصحفية وكذلك أعضاء البرلمان المتصيدين الذين يكرهون الثقافة (ويتحسسون مسدسهم) بينما لا يدركون أن لدينا القليل جدا منها في وزارة حسني (أي حسني فيهما؟). المهم أن فاروق حسني تباهي ذات يوم أنه جمع داخل وزارته/ حظيرته أغلب مثقفي مصر. وطبعا ذهبت الأذهان كلها لأن الدولة سعت عبر احتواء هؤلاء داخل فعاليات ومناصب وجوائز ومنح وسفريات لتدجينهم وإسكات صوتهم. وقد يكون جزء من ذلك صحيحاً، ولكن الكارثة بالضبط لم تكن في أفراد خفت صوتهم أو حسهم المعارض لنظام استبدادي، ولكنها كانت- في رأيي المتواضع- في غرس أخلاق التشكيل العصابي الذي اختطف مصر طول عهد مبارك داخل عقل ونفس أناس يديرون شأن الثقافة. ونحن نفترض في الثقافة أنها غير هامة لدرجة أن ينشأ داخلها تشكيل عصابي، ونفترض في ناسها أن يكونوا أرقي من أن يمارسوا عملهم عبر آليات العصابة. ولكن هذه الافتراضات لا تنجح في تفسير أدوار وزارة فاروق حسني في خدمة نظام استبدادي. فأهم ما يثبت أن الثقافة مهمة، هو ما فعلته سياسات نظام مبارك لاقصائها عن التأثير في الناس. فيتم استنزاف موارد الوزارة وميزانياتها في خدمة أعضائها (حيث توسع عدد أعضائها بشدة) أكثر من خدمة المجتمع، وينهمك هؤلاء الأعضاء في ترتيب بيتهم علي هواهم، فيسرفون في الإنفاق علي ما يعتقدون أنه جوهري، بينما المجتمع من حولهم يرتب أولويات أخري ويستدعي من يجيب علي أسئلته من قناة الناس والرحمة وبرنامج "البيت بيتك". ويتمدد المثقفون داخل الحظيرة، ويتمدد إلي جانبهم كيان بيروقراطي يقوم بالأعمال التي لا يحب المثقفون القيام بها (لكنها في واقع الأمر تتجه بمصير الجميع للهاوية)؛ يتحكمون بالميزانيات، ويحددون المخصصات، وينفرون من لا يحبون فينفد بجلده، ويقربون من يخضع فيصبح نجم نجوم الحظيرة. ويتسع المجال الثقافي قليلا في السنوات الأخيرة بظهور دور نشر خاصة وصحف مستقلة ومؤسسات ثقافية أهلية وساقية الصاوي ومسارح علي شاكلتها، فلا تكترث وزارة الثقافة إلا بالحفاظ علي خرابها. ويزيدها التحدي الخارجي (كما كان يزيد من عزم أسامة سرايا) إصرارا علي الاصطفاف في معركة العصابة الحاكمة حتي لو بتكريس كل قيم المحسوبية وتشويه المعارضين وخسارة كل دور وتأثير واحترام قد تبقي. فمسارح دار الأوبرا يتم تأجيرها لمن يدفع أكثر، بينما تقدم أسوأ الشروط لأي فنان من خارج دوائر الحظيرة، وهي مع تهالك قيمتها وأجهزتها وندرة جمهورها ودعايتها المتدنية، إلا أنها بعجرفة شديدة لا تستدعي أحدا (لا فنانين ولا جمهوراً) بل تعرض الفتات وتقابل بالرفض ولا تهتم (اللي عاوزني يجيلي أنا ما بروحش لحد). والمسارح هي نموذج تسير علي شاكلته سلاسل النشر وقطاعات السينما والأوركسترا السيمفوني والبيت الفني للمسرح وغيرها من مؤسسات الوزارة. ونشأت عن هذه الحالة الطاردة الفاسدة ظاهرتان. الأولي هي أن بات كل مبدع في الحقل الثقافي (خصوصا الشباب) يمتلك مبادرة جديدة أو موهبة خصبة يربأ بها أن تدفن داخل أروقة الحظيرة، ويبتعد من تلقاء نفسه عن المشاركة في كيان يفترض أنه ملك لكل مثقف مصري. ويبحث هذا المبدع عن وظيفة تكفيه شر الحاجة المادية بينما يواصل نضاله ليظهر مشروعه للنور علي يد ناشر خاص أو مسرح خاص أو قناة تليفزيونية أو صحيفة خاصة. والظاهرة الثانية، هي أن من هم بداخل الوزارة إزدادوا انغلاقا علي أنفسهم وتحفزا تجاه كل من هو آخر، وازدادوا نهما للسيطرة علي مؤسساتهم بينما غاب من يشارك بالنقد أو بالرقابة. فالسلطة التي باتت مطلقة اليد، لا تجد من يردها، اعتادت علي تقريب المحاسيب وتوزيع المناصب بحيث تنشأ شبكة جهنمية من المصالح تقتات علي بعضها البعض، وبالتالي يحمي أصحابها بعضهم. لم يكن مدير صندوق التنمية الثقافية والمدير الإداري لمركز الإبداع الفني (التابع لصندوق التنمية الثقافية) ليسمحا بمرور مقالات الروائي الموهوب والصحفي طارق إمام منتقدا تهافت ثقافتهم وانعدام كفاءتهم دون أن يتذكروا أن مروة عبدالله (زوجة طارق) منسقة لعروض السينما بمركز الإبداع الفني. عبر ثلاث مذكرات متتالية يبعث بها المدير الإداري لمدير الصندوق تحول مروة لتحقيق (متهمة في واحدة من المذكرات أنها مصدر طارق إمام الذي لم يذكر مصادره) وتمنع بأمر غير مكتوب من العمل- حسب روايتها-. هذا النوع من التآمر الرخيص الذي يخلط العام بالشخصي، ويستر العجز عن القيام بالدور في رداء التحكم والاستبداد بمقادير البشر. لا أعتقد أن أحدا تعامل مع تلك الكيانات البيروقراطية المستفحلة داخل الحظيرة إلا ويعلم أن الموظفين المتنفذين الراقدين علي كراسيهم لا ينتوون بأي حال تطويرا ولا تغييرا، وأن هؤلاء لا يشغلهم شأن الثقافة ولا ينتمون لقيمها، وأن ما ذكره طارق إمام من وقائع يحدث مثلها وأفدح منها يوميا علي مشهد من مثقفين وفنانين يغضون الطرف عن ذكرها فما بالنا بمحاربتها. وما أخطر أن يصبح المثقف المتواطيء والبيروقراطي المستبد "إيد واحدة".

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل