المحتوى الرئيسى

مسامير وأزاهير 246 ... ربيع التغيير العربي والفوضى الخلاقة!!بقلم:سماك العبوشي

06/05 00:29

مسامير وأزاهير 246 ... ربيع التغيير العربي والفوضى الخلاقة!!. تساؤلات شتى وطروحات عدة راحت تطرح هنا أو هناك، تدور جميعها حول ربيع التغيير العربي، فتصفها تارة بأنها مقدمة للفوضى الخلاقة التي تبنت طرحها الولايات المتحدة الأمريكية، وتارة أخرى بأن التغيير في حقيقته كان صنيعة الفيسبوك ضمن سياق مخططات أمريكية رامية إلى إعادة رسم الخارطة الجيوسياسية على نحو جديد يخدم المصلحة الأمريكية، وغيرها مما ينشر في المواقع وما يذاع في محطات الفضائيات المشبوهة!!. أقول يقيناً رداً على تلك الطروحات والتساؤلات بأن ربيع التغيير العربي إن هو إلا ثورة عربية صادقة نحو تحقيق مستقبل عربي زاهر، فلقد كان أمراً منطقياً حدوث انفجار بركان الغضب العربي يوماً، في ظل أنظمة عربية تميزت بقسوتها واستبدادها وفسادها وإفسادها وغلظتها وممارساتها القمعية ضد أبناء شعوبها، كما كان أمراً بديهياً وحتمياً من أن ينعتق المارد العربي من أسره وينطلق من قمقمه الذي ظل حبيساً له زمناً طويلا، كما وأن ربيع التغيير العربي لم يكن تالله هبـّة انفعالية عفوية كما حاول أن يصفها البعض من أصحاب الأجندات الخاصة، وإنما جاءت انعكاساً طبيعياً وحتمياً لتراكم كبير وهائل لمشاعر الخيبة والهوان والإحباط بالمهانة والعبثية التي عانها شعبنا العربي نتيجة أداء أنظمة عربية اتسم أداؤها بالإخفاقات المتكررة وعدم قدرتها على تحقيق طموحات أبناء شعوبها في حياة حرة كريمة، وأزيد من البيت شعراً فأقول بأن تلك الطروحات الشوهاء عن فوضى خلاقة وأنها صنيعة أمريكية إنما هو تجن وافتراء على الحقائق الموضوعية والأهداف النبيلة لتلك الثورات االجماهيرية، كما وأنها تقليل من شأن هذه الثورات الشعبية العربية واستخفاف كبير بإرادة وطموحات أبناء شعبنا العربي في حياة حرة كريمة وتعد فاضح على تضحياته الجسام!!. وفي المقابل فإننا لا ننكر البتة بأن مصطلح "الفوضى الخلاقة" الذي أطلقه مفكرون غربيون وتبنته الإدارة الأمريكية السابقة وعلى لسان وزير خارجيتها السابقة كوندوليزا رايس وراحت تؤسس عليه في رسم خارطة جديدة للشرق الأوسط الجديد كان قد سبق انفجار الأوضاع في عالمنا العربي بسنوات طوال، كما ولا ننكر بأن الدوائر الغربية كانت قد استبقت ربيع التغيير العربي بسنوات طوال فأطلقت مفهومها ذاك ليكون بوصلة لخارطة طريقها لترتيب أوضاع عالمنا العربي متى ما تحققت ظروفها الموضوعية، وذلك بعدما أحست بأن الهوة تزداد اتساعاً بين الشعوب العربية وقادتها، وها هي دوائر الاستكبار العالمي اليوم تحاول بخبث ومكر استثمار ربيع التغيير العربي وتسلق وامتطاء ظهره لتحريف بوصلته عن وجهته الصحيحة وتشويه صورته الزاهية من خلال الإيحاء بأن ما يجري من تغيير عربي نحو الأفضل إنما كان نتاجاً لتلك النظرية وأنها لن تخرج بالتالي عن دائرتها، ولا أستبعد البتة تربص تلك الدوائر الغربية للانقضاض على مكتسبات ربيع التغيير العربي من خلال زرع سوء الظن بأهدافها وأنها ما كانت قد تحققت لولا تمهيد الولايات المتحدة الأمريكية لفكرة الفوضى الخلاقة التي ترمي لصالح دول المنطقة العربية، وتصويرها أن ربيع التغيير العربي إنما هو وليد شرعي لفكرة مصطلح "الفوضى الخلاقة" !!. لقد استقرأت الدوائر الغربية حقيقة الأوضاع العربية الفاسدة، وتنبأت مبكراً بأن شعوبنا العربية ستنفجر إن عاجلاً أو آجلاً بوجه فساد أنظمته ووسائله القمعية وفشله بالارتقاء بشعوبه نحو حياة حرة كريمة، فأطلقت تلك الدوائر مصطلحها ذاك تمهيداً لتغيير أوجه قادة وحكام عرب وإسقاط نظم كانت مرتبطة بشكل أو بآخر بتلك الدوائر، بعدما صارت عبئاً ثقيلاً عليها، في محاولة خبيثة منها لتغييرها بأنظمة بديلة جديدة تأتمر بأمرها وتنفذ لها مخططاتها، بعيداً عن تطلعات الشعوب العربية التي سعت بربيع التغيير لتحقيق غد مشرق وضاء، ولعل خير ما نستشهد به، إجابة وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية ومستشار أمنها القومي الأسبق هنري كيسنجر حين نوه صراحة وبمنتهى الوقاحة أن لا وجود لمفهوم الصداقة لدى لأمريكا، وإنما هناك مصالح لأمريكا!!، وهكذا كان الأمر، فالدوائر الغربية الاستعمارية كانت من الذكاء والحنكة السياسية ما يجعلها تتخلى بمنتهى البساطة والسلاسة عن أنظمة عربية تميزت بخنوعها لها طيلة عقود منصرمة، وذلك متى ما أحست بأن تلك الأنظمة العربية قد صارت عبئاً ثقيلاً عليها أو أنها قد فقدت دورها المرسوم لها وافتضح أمرها نتيجة فسادها وإفسادها واستبدادها، فتراها تسحب البساط من تحت قدميها لتهوي تلك النظم العربية الاستبدادية سريعا، لتقوم بالإيعاز لأتباعها المتربصين المنتشرين في مجتمعاتنا العربية بالاختلاط بعناصر التغيير والانتفاضة الشعبية لتشويه صورة ربيع التغيير العربي وتحريف وجهتها الوطنية من خلال ممارسة عمليات القتل والنهب والتدمير الممنهج، ليبدأ الإعلام المشبوه والمرتبط بتلك الدوائر الغربية بعدها بممارسة دوره في تشويه صورة تلك الانتفاضات الشعبية ووصفها بأنها نتاج الفوضى الخلاقة المرتبطة بأمريكا وغيرها من دول الاستكبار العالمي، وذلك وصولاً لزعزعة وإضعاف إيمان جماهيرنا العربية الكادحة بجدوى وأهداف ذاك التغيير النبيل!!. إن الخطر الكبير الذي يتربص بربيع التغيير العربي ليكمن بعدم وجود تصور استراتيجي بعيد المدى لتلك الانتفاضات الجماهيرية، وأخطر ما في الأمر أن ينكص ربيع التغيير العربي الجميل فيكتفي بالاكتفاء بإسقاط نظام ما دون أن يتمكن من الإتيان بنظام عربي وطني مستقل الإرادة والتوجه بديلاً للنظام السابق، وذاك هاجس كبير بات يؤرق منام الكثير من مثقفي هذه الأمة وشبابها الثوري ووطنييها وساستها الأحرار، فهاجس انقضاض الثورة المضادة ووصول رجال فاسدين إلى الأنظمة من جديد وبالتالي فشل ذريع لرياح التغيير المنشود أمر وارد وممكن الحدوث في ظل غياب الوعي الوطني!!، وهذا لعمري ما تريده الجهات التي تخطط لنشر الفوضى وإرباك ربيع التغيير العربي لتبقى النظم العربية أسيرة كما كانت للهيمنة الغربية والصهيونية، ولا يفوتنا في هذه العجالة السردية من أن نتذكر بأن هدف نظرية الفوضى الخلاقة لا تتمثل بهدف إزالة تامة للدولة، فهدفها المرسوم لها بشقين اثنين يتمثل الشق الأول بهدم النظام السياسي ليتم بعدها تنفيذ الشق الثاني من الهدف وهو إعادة بنائه وفق منظومة من الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الشاملة وبما يحقق لأمريكا بسط سيطرتها المباشرة وهيمنتها على النظم الجديدة في المنطقة بعد إعادة بنائها!!. وإزاء ما طرحنا آنفاً، ولخطورة قادم الأيام وما تحملها من مفاجئات قد تقلب ربيع التغيير إلى صورة كالحة سوداء، فإن الحاجة الملحة قد برزت للإصرار على ضرورة اتخاذ الحيطة والحذر وإكمال مشوار التغيير المنشود إلى آخر مداه بعيداً عن المخططات الغربية وفوضاها الخلاقة، وذلك لعمري لن يتم إلا من خلال تكاتف والتحام كافة الأحزاب الوطنية والشخصيات السياسية المستقلة ومثقفيها ونبذ فكرة التهميش والإقصاء والنرجسية الحزبية الضيقة، والتحام إرادة ثورة التغيير العربي بكافة القيادات الثورية الوطنية المعارضة ومن كافة الأطياف السياسية، والعمل على استمرار الضغط الجماهيري في الشارع العربي وتفعيل نشاطات الشباب بالاعتصام والعصيان المدني حتى تتحقق كافة مطالب حلم التغيير العربي، على أن يتزامن في ذات الوقت عمل جاد وحثيث لإسقاط آخر هيكلية لتلك النظم الفاسدة من خلال تغيير الدساتير القديمة التي كتبت بالشكل الذي أتاح للحاكم العربي المستبد ممارسة قمعه وبطشه وظلمه والتي أوصلت بلداننا إلى ما هي عليه من تخلف وفساد أنظمة، والإتيان بدساتير وطنية حديثة يعكف على كتابتها خبراء القانون من الوطنيين المشهود لهم بالنزاهة وعفة اليد والضمير لتخدم المواطن العربي البسيط وتحقق له أهدافه في حياة حرة كريمة، ولا يقتصر الأمر عند هذا الحد، وإنما يمتد إلى ضرورة أن يتصف من يأتي لقيادة الشعب مستقبلاً مَن يتحلى ببعد النظر السياسي والاقتصادي والاجتماعي، يعاونه في ذلك مستشارون على درجة عالية من الخبرة والمعرفة والكفاءة، فينأون بأنفسهم من الوقوع بخطأ ما كان قد وقع به من سبقهم في الحكم، من خلال إدارة أزمات بلدانهم بعقلية متخلفة تعود لأزمان غابرة لا نفع منها ولا دفع، فنبقى حيث وقفنا لندور في حلقة مفرغة فيما العالم من حولنا يتقدم!!. مسك الختام وزبدة الحديث، فإن المهمة الملقاة على عاتق أبناء وصناع ربيع التغيير العربي تالله لكبيرة وشاقة وتتمثل بالتحدي المصيري الكبير الذي يجابهونه في قادم الأيام من حراكهم السياسي والشعبي للبرهنة بأن ربيع التغيير العربي النبيل لا يندرج ضمن نظرية الفوضى الخلاقة ولا تقع تحت نيرانها وتأثيراتها، وأنها فعل جماهيري عربي صميمي قدمت من أجل تحقيقه التضحيات الجسام لعل أروعها قوافل الشهداء وأنهار الدماء الزكية التي لن تذهب هدراً ، ومن أجل تحقيق ذلك الهدف وتحجيم دور وتأثير الفوضى الخلاقة وعدم سرقة جهد الأبرار فإنه لابد من البحث عن قيادات وطنية خبيرة و متمرسة في النضال والاستئناس برأيها وخبرتها، لقطع الطريق على أمريكا مستقبلاً من الوصول إلى تحقيق هدفها الجديد المتمثل بمرحلة التحكم في الشعوب بدلا من حقبة التحكم بالحكام، ولنتذكر دوماً بأن هدف الفوضى الخلاقة التي تتبناها أمريكا وتسعى من أجلها، يتمثل بصنع واقع عربي جديد فيه قدر من الحريات والإصلاحات السياسية التي تطبل لها وتزمر وسائل إعلامها الرسمية والدائرة في فلكها، واقع عربي جديد تقوده حكومات عربية لها هوى غربي لصيق بها خاضع لها، فتضمن بذلك أمريكا بقاء هيمنتها على مقدرات شعوبنا العربية، لنردد بعدها عبارة "يا زيد كأنك يا طويل العمر ما غزيت"!!. وذاك تالله لأخطر ما في الأمر كله!!. سماك العبوشي simakali@yahoo.com 4/6/2011

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل