المحتوى الرئيسى

خليل أبو شادي : السفور والكذب وعبادة”العجلة”.. عجلة الإنتاج يعني

06/04 22:17

الضلالي والظلامي على وزن واحد في اللغة، وهما أيضاً منطقتان متجاورتان موحشتان، أبعد ما تكونان عن المناطق الإنسانية، لذلك تراهما يفضلان الأشياء على الإنسان، والقسوة هي سمتهما الأكثر وضوحاً، وهما أيضاً أبعد ما يكونان عن الحقيقة، يأخذك الضلالي بعيداً عن الحقيقة فهو يضلك، والظلامي يلقي على الحقيقة رداءً ربما يكون جميل المنظر لكي يحجبها، أحدهما يأخذك بعيداً عن النور، والثاني يطفيء الأنوار، هما متحدان في نهاية المطاف، وآراؤهما واحدة في المسائل الجوهرية”. هذه السطور من روايتي “شوق”الصادرة عن دار صفصافة، تذكرتها وأنا أشاهد حلقة صبحي صالح مع الإعلامية منى الشاذلي، وتذكرتها من قبل وأنا أتابع محاولات التقليل من شأن جمعة الغضب الثانية 27 مايو، وعدت أتذكرها وأنا أتابع أحداث وفاة مواطن تحت التعذيب في قسم الأزبكية، وأود قول كلمة عن الكذب. نحن نتعلم الكذب منذ الصغر عندما نعتاد أن نقول شيئاً غير ما هو داخل قلوبنا ومشاعرنا، ونفعل ذلك لأسباب عديدة، إما بدافع الخوف من أن نقول الحقيقة، أو أن قول الحقيقة التي بداخلنا يمثل عيباً أو حراماً. وتكبر معنا الإزدواجية والتناقض بين حقيقتنا وبين ما نقوله، خاصة عندما نكتشف ما للكذب من فوائد آنية سريعة، فتتسع الهوة بين حقيقتنا وبين الشكل الذي نظهر به، تبتلعنا الهوة، وتمتد إلى كل ما هو حولنا، وتلون الأرض والسماء بألوانها الوسطية غير الواضحة، وأظافرها بداخلنا تميت الضمير، وتنهش العقل، ونهين كل ما هو صادق. والكذاب بطبيعته ضد الحياة، فيصفها كذباً بأنها عيب وحرام وقبح، ويسعى إلى حجبها عنا، ويتعمق فيزيفها ويشوهها وبربكها ويحتقرها ويلعنها ويمقتها ويلغي إحساسها ويمسخ شخصيتها، ثم يلبسها نقاباً، فلا يراها أحد. وهو يعادي كل سفور، فيهرب من الحقيقة السافرة، ويفضل الحلول الوسط، ويعادي الحب السافر، والعدالة السافرة، والثورة السافرة، والمرأة السافرة لأنها تكشف كذبه دون مواربة اعتاد عليها من كل الأشياء والأجواء غير السافرة. والكذب في السياسة والعمل العام، أداة هامة كالنفاق والمداهنة، وفي مجموعها تمثل مرشداً للباحثين عن السلطة، ومرشداً أيضاً للباقين في السلطة”الفلول” كي يتشبثوا بها، فتجد الباحثين عن السلطة هم الأقدر على اتخاذ المواقف الملتبسة، فإذا نجحت الثورة قالوا”نحن حماتها”، وإذا فشلت أكدوا أنهم لم يشاركوا فيها، وهم ملكيون أكثر من الملك، وعسكريون أكثر من العسكر، ويؤمنون بأن السياسة لعبة قذرة، يدعون كذباً أنهم يريدون إصلاحها، وهم المفسدون. أما “الفلول” فيرون في الباحثين ع السلطة طوق النجاة، فيتفقون معهم في الاستفتاء والشعارات ومعاداة اعتصامات المطالبين بحقوقهم والسخرية من المطالبين باستكمال أهداف الثورة، والاثنان يكنان احتراماً غير محدود لعجلة الإنتاج، لذلك يغضون النظر عن كل مساوئها المتزايدة، ولا يغضبون لأنها تهب البعض مليارات وتقتل البعض الآخر وتلقي الفتات للأغلبية، بل تجدهم يبررون ذلك، فهم يؤمنون أنها هي التي ترزقهم وتطعمهم، وتذل من تشاء وتعز من تشاء، ويدعون كذباً أنهم لا يشركون بالله، وهم بدائيون يعبدون “العجلة”. وكلا الفريقين”الفلول”والباحثين عن السلطة؛ لا يرون مشكلة في عودة الشرطة بنفس أسلوبها القديم، ولا في استمرار التعذيب من قبل الشرطة للمواطنين حتى الموت كما حدث في الأزبكية، وسلاحهم في ذلك الكذب والإنكار، ولا يرون مشكلة في استمرار حالات الانتحار من قبل الفقراء، ويؤيدون ما أعلنته الحكومة من حد أدنى 700 جنيه، بفارق 300 جنيه عما أعلنته حكومة مبارك قبل الثورة، أي أن دماء الشهداء ب300 جنيه! ووسط هذا الكذب المتنامي الذي يعود بنا إلى عصر مبارك، يؤكد الكاذبون أن مهمتنا الأن العمل كالحمير دون أن نسأل عما يجري من كذب ونصب، أما نحن التائهون في الدنيا والثورة، فليس لنا مفر من كل هذا الفساد سوى بالعودة مرة أخرى إلى ميدان التحرير. وأخيراً أسجل أعترضي على ضيق الكثيرين بآراء قطاعات من الشعب حول الطريق الذي يجب أن نسلكه في الفترة الانتقالية، يشبهون في ذلك من يصرخون في كل نقاش”ارحمووووووووونا البلد خربت”، وكأن بلادنا سوف “تخرب” من الحوار والنقاش والأراء، رغم أن تاريخ الإنسانية كله وتاريخ بلدنا أيضاً يقول، إن البلاد “بتخرب”، عندما لا يكون هناك حوار ونقاش، وسوف يذكر التاريخ أن الشعب المصري أضاف للديمقراطية في العالم تقليداً رائعاً بأن يكون “الميدان”، ملتقاً شعبياً أسبوعياً في يوم “العطلة”، للنقاش والحوار وبلورة المطالب، حيث تنتبه كل أجهزة الإعلام وكل الأنظار للميدان في هذا اليوم الجليل من كل أسبوع، وسوف يذكر التاريخ بالسؤ كل من يحاولون هدم هذا التقليد العظيم، والذين يثيرون لدي الخوف من أن تكون الفترة الانتقالية، هي جسر لإعادة إنتاج النظام السابق، بما به من قهر للإنسان باسم الدين، من نظام حاكم من أعلى، وجماعات دينية من أسفل، لتكتمل دائرة الاستبداد الديني، الذي تتناوله رواية “شوق”، في مستوياته المختلفة. وتعرض الرواية تجربة إنسان ولد في أسرة متزمتة، ليعاني من الكبت والاستبداد والاعتداء الجنسي من أفراد عائلته المتدينة، فيحاول التمرد عليهم، لكنه يفشل ويقع فريسة الأمراض النفسية، فيتمرد بطريقة أخرى في شبابه، ويقرر الإلحاد ويذوب سنوات في العمل السياسي بالجامعة هرباً من أمراضه، لكن الأزمة تفترسه مرة أخرى، يبحث عن الحب، فيكتشف أنه وحيد في بئر عميق لزج. نطلع مع شخصية البطل على عالم المثليين الذين يعرفهم في القاهرة مع نهاية فترة الجامعة وطوال سنوات عمله بالصحافة والمحاماة ومنظمات حقوق الإنسان، وتحاول الرواية محاورة المثليين وخاصة المثليين المتدينين، حتى يصادف البطل الحب، لتبدأ مرحلة من الصدام العنيف بينه وبين عائلته، وتنفجر في وجه القاريء مزيد من الأسرار عن عالم مغلق وسري مغلف بتدين كاذب.مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل