المحتوى الرئيسى

حقائق صنعت الثورة

06/04 21:57

بقلم: رمضان الموصل كانت البداية عصر الأحد 30 يناير 2011م عندما ترددت أنباء متواترة وصلتني عن وصول طائرات صهيونية ثلاث إلى مطار القاهرة وعلى متنها أسلحة متطورة، قيل إنها لقنص الثوار في التحرير، ومعها خبر ثانٍ عن تحرك أرتال جديدة إضافية من مركبات الجيش باتجاه ميدان التحرير، ثم الخبر الثالث بتحليق طائرات تابعة للجيش فوق الميدان بارتفاع منخفض جدًّا!! واكتملت لدي الصورة بالخبر الرابع الذي جاء في الخامسة من مساء ذلك اليوم، والذي يفيد باجتماع حبيب العادلي بقيادات أفرع الشرطة في لواء ناصر بمدينة نصر، والإعلان عن إعادة انتشار قوات الداخلية بجميع أنحاء مصر "ما عدا ميدان التحرير"!!.   لم تمر عليَّ الأخبار الأربعة مرور الكرام كأخبار عادية لتطورات الثورة؛ لكنني ربطتها جميعًا ببعضها البعض لترسم لي مشهدًا واحدًا استقر في وجداني: النظام يخطط لإبادة المتظاهرين في التحرير، هذا ما اعتقدته.   أتاحت لي ظروف وجودي خارج مصر وقيامي على تحديث أخبار (دلتا اليوم) من الخارج بعد انقطاع الإنترنت عن ربوع مصر، وتعثر ذلك على المحررين بالداخل، أن أقوم بتحليل الأحداث ومشاهدة الصورة بمنظور مختلف عن الثوار في الميدان في قلب المشهد المرتبك المتسارع الأحداث، مع حلول الليل لم أتمالك نفسي في أن أكتم ما يقلقني؛ فسارعت بالاتصال هاتفيًّا بِمَن كانوا في الميدان من أصدقائي الذين أغبطهم على سبقهم لي في هذا الحدث الفارق في تاريخنا، ليأتيني الرد من ميدان التحرير مطمئنًا بأنهم يقرءون المشهد، لكنني لم أهدأ وظللت على اتصال بهم حتى جاءتني البشارة من وسائل الإعلام: الثوار في ميدان التحرير وميادين محافظات مصر يعلنون بأن غدًا الإثنين مظاهرات حاشدة في كلِّ ربوع مصر والثلاثاء مظاهرات مليونية.. كان هذا القرار هو ردُّ الفعل الثوري الذي اتخذه الثوار للردِّ على ما يحتمل أن يكون تصعيدًا من قِبَل النظام المصري لإبادة مَن في التحرير، عندئذ هدأتُ واطمأن قلبي على الميدان ومَن فيه، وكتبت على صفحتي "ليتني معكم".   مرَّ الإثنين بسلام ليفاجأ العالم بمليونيات رائعة الثلاثاء، في مشهد متلاحم للشعب المصري في ميدان التحرير، والقائد إبراهيم بالإسكندرية، وجميع الميادين الرئيسية بمحافظات مصر المحروسة، كانت هذه المليونيات مربكة لحسابات النظام البائد في مصر، إذ كيف لهم أن يبيدوا كل هذه الملايين؟! وكيف لهم أن يبرروا ذلك؟! لم تنتهِ الليلة إلا ويخرج علينا المخلوع بخطاب استعطافي للشعب كتبه له أحد زبانيته الإعلاميين؛ محاولاً شق الصف المصري، وإحداث الوقيعة بين عناصره وأبنائه؛ لكن سرعان ما انكشفت ألاعيبهم ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30)﴾ (الأنفال: من الآية 30) صدق الله العظيم.   ما هي إلا دقائق معدودة بعد انتهاء خطاب المخلوع ليلة الثلاثاء 1 فبراير حتى انطلق المجرمون في كلِّ الميادين التي تشهد اعتصامات؛ ليهاجموا الثوار بشكلٍّ منظَّم في بداية تنفيذ الخطة الإجرامية لقتل الثوار على مدار الأربع والعشرين ساعة التالية للخطاب، فيما يبدو أن زبانية المخلوع وأعوانه قد عكفوا على وضع خطتهم في اليومين السابقين اللذين شهدا هدوءًا حذرًا من الجميع؛ ليكتمل السيناريو بموقعة الجمال والخيول والبغال الشهيرة صباح الأربعاء 2 فبراير، كان المشهد مأساويًّا فاجعًا وقحًا، تناقلته شاشات وكالات العالم في اندهاش لهذه الطريقة المتخلفة لفضِّ المتظاهرين ومحاولة إخلاء ميدان التحرير، واستمرت حشود البلطجية في كرٍّ وفرٍّ طوال نهار الأربعاء يهاجمون الثوار على محاور مختلفة من ميدان التحرير بمداخله الثمانية، وفي المقابل كان الثوار صامدين يفترشون الأرض تحت مجنزرات مركبات الجيش بلا تراجع.   كانت الفاجعة تلك الليلة الحالكة السواد من بعد المغرب وحتى صباح اليوم التالي الخميس 3 فبراير؛ حيث ازدادت هجمات البلطجية ورجال الأمن بزي مدني على الميدان، وكثفوا هجومهم من اتجاه شارع عبد المنعم رياض عند المتحف المصري، وظهر فوق أسطح البنايات المطلة على الميدان قناصة يستهدفون المتظاهرين، وشهد كوبري 6 أكتوبر ملحمة سقط فيها شهداء وفرَّ فيها مجرمون، وكان المتحف المصري كعادته شاهدًا على دماء ثلاثين من الشهداء سقطوا على أعتابه برصاص القناصة المجرمين، بعد أن حاول النظام البائد تغييب كل الشهود المحتملين؛ بمهاجمتهم لفندق هيلتون رمسيس الذي كان يتخذه الإعلاميون مركزًا لنقل الأحداث وتوثيقها بكاميراتهم التي صودرت حتى لا تسجل ما سيحدث تلك الليلة، وتفاجئنا (الجزيرة) بمهاجمة فريقها؛ ليزداد الخوف والقلق مما سيشهده الليل.   لم تر عيني النوم تلك الليلة كحال كل المصريين، كان أخي الأصغر "مراد" في الميدان، وكنَّا نعده فخرنا ومندوبنا "آل الموصل" الذي يشارك في الثورة، في تلك الليلة لم ينقطع اتصالي به، وفي كلِّ اتصال كان قلقي على الثورة والثوار يزداد وينفطر قلبي مع كل معلومة جديدة يخبرني بها، زاد الطين بلة أن كانت تنقطع اتصالاتي به لسوء الشبكة في الميدان؛ ليزداد قلقي وارتباكي وخوفي عليه أن يكون أصابه سوء لا قدر الله؛ فأتضرع إلى الله أن يحفظه ومَن معه.   كان كلما تمكنت من الاتصال بمراد يخبرني بأنه عائد لتوه من "الجبهة"- هكذا كان الثوار يطلقون على الخطوط الأمامية لمواجهة المهاجمين عند مداخل الميدان- ويبرر لي سوء الشبكة بوجوده هناك في المواجهة، وفي كل مرة يخبرني أنه عائد ليستريح قليلاً ثم ينطلق مرة أخرى لموقعه في الخطوط الأمامية "الجبهة" لصدِّ الهجمات عن الثوار، هكذا كانوا يقسمون أنفسهم ويتبادلون مواقعهم بعد إجبارهم على المواجهة ليومين كاملين دون راحة لتبقى أعينهم مفتوحة 48 ساعةً متواصلةً، وكلما انقطع الاتصال بمراد كنت أبحث عن أي من أصدقائي ليطمئنني على الميدان، فكان أغلبهم كحال مراد إما على الخطوط الأمامية أو أن "الشبكة" سيئة عنده فلا يرد، ومن بين هؤلاء جاءني الفرج عندما استجاب لاتصالي صديقي "عبده دسوقي" ابن كفر الشيخ ومدير تحرير (إخوان ويكي) (ويكيبيديا الإخوان المسلمين)؛ لكن ليت هذا الفرج لم يأتِ.. كان صوته على الناحية الأخرى مرتبكًا "مبحوحًا" متألمًا جاء رده: وعليكم السلام، قلت: طمني عليكم، فقال في جملة مقتضبة: إحنا بنندبح يا رمضان، إحنا بنندبح يا رمضان.. كررها ثلاثًا وأغلق المكالمة.. أُسْقِطَ في يدي وسقط الهاتف مني بلا وعي واغرورقت عيناي بالدموع وأنا مكبل مكتوف الأيدي لا أدري ماذا أفعل وأنا بعيد ورددتها ثانية مختلطة بالدموع "ليتني معكم".   في نفس الأثناء جاء صوت "نوارة نجم" عبر (الجزيرة) ليزيد المشهد سوءًا، كان حديثها هذه المرة منكسرًا ضعيفًا خائفًا ليس كعادتها الثورية، تحدثت باكية قائلة: "إحنا مش عارفين إيه اللي هايحصل وهانكلمكوا تاني والا لا!!" لكنها بين هذه الحالة والمشاعر المؤلمة رسمت الصورة كاملة عندما أكدت للمذيع أن الرجال في الميدان قد جمعوا النساء ووضعوهن عند مبنى مجمع التحرير، وعينوا عليهم حراسة تحميهم، وهي لا تدري ماذا يحدث على الجبهة- كان تصرفًا حكيمًا من رجال الثورة- انتهت مكالمة نوارة لتزيد من توتري وارتباكي وقلقي ولم أجد إلا أن ألجأ إلى الله أدعوه أن لا يخذل هؤلاء الثوار الذين صبروا وصابروا من أجل الحق، أدعوه ألا يخذلنا، ورددت داعيًا :" اللهم إن تهلك هؤلاء الثوار فلن تقوم قائمة في مصر مرة أخرى.. رجوت الله أن لا يخلف ظنهم به وأن يكون معهم.. أليسوا على الحق؟!.. كانت السؤال الأخير الذي رددته مع تضرعي إلى لله عزَّ وجلَّ ثم عدت مستغفرًا مسترجعًا، بذلت جهدي في مساعدة الثوار أتصل بِمَن أعرف من أهاليهم لأطمئنهم على أبنائهم، وكأني أعرف حالهم، وجاءتني فكرة أن أتصل بأصدقائي في مدينة "جدة" وأطلب منهم أن يتوجهوا إلى الحرم المكي ويتضرعوا فيه إلى لله طوال الليل أن يكشف الغمة وسارعت في الاتصال بِمَن يحضرني منهم ليفاجئني بأنهم بالفعل داخل الحرم المكي ويفعلون ذلك.. الله الله إنها حكاية شعب.. شعب وحدته الأزمة على قلب رجل واحد.   لم يمضِ وقت طويل بعد منتصف الليل لتعلن (الجزيرة) عن مدد قادم من شبرا إلى ميدان التحرير، قوامه خمسة آلاف زادت إلى سبعة آلاف، بقيادة الإخواني البارز وعضو مجلس الشعب السابق الدكتور محمد البلتاجي وحشود أخرى تجمع نفسها من أنحاء متفرقة باتجاه ميدان التحرير؛ للدفاع عن الثورة ومعاونة المرابطين في الميدان، ومع نسمات الفجر الأولى تهدأ الأمور قليلاً وتخف حدة هجمات مجرمي النظام البائد لتنتهي تمامًا مع بزوغ شمس الخميس 3 فبراير.. في التاسعة صباحًا اتصلت بمراد لأجد صوتًا آخر غير الذي كان يحدثني طوال الليل، صوت مشرق إشراقة الصباح الذي يعيش فيه مبتهجًا مهللاً لا أثر عليه لإرهاق أو ألم، جاءني صوته ضاحكًا:   انتصرنا.. كانت كلمة بليغة أوجز فيها المشهد، قال بأن معنوياتهم في الميدان "في السما" وأنهم أفضل الآن بعد حبسهم لعدد من "أسرى" النظام السابق من رجال الأمن المتنكرين في زي مدني بمحطة مترو السادات، قال بأنهم حوالي مائة وعشرين، وأنهم يجهزونهم لعرضهم على وسائل الإعلام ببطاقاتهم الشخصية كدليل، كان هذا يعني أن المواجهة مرت على خير والحمد لله، وأن صبر وصمود هذه الفئة من رجال مصر ودعاء من منعتهم ظروفهم عن اللحاق بهم قد أتت ثمارها، وأن ثورة الشعب ستنتصر بإذن الله.. كانت العلامة واضحة.. لتهدأ نفسي وتغفو عيني للحظات محتفلة بتوفيق الله وكشف الغمة.   وبعد.. لم أروِ لكم كل الحكاية بعد.. فلقد كانت ليلة طويلة كل ساعة فيها تحكي قصة.. وتروي بطولة، وربما أتيحت لي الفرصة لاحقًا كي أرويها كاملة، لكنني استحضرت تلك الليلة بعدما تابعت وسائل الإعلام المختلفة ومحاولتها النيل من جماعة الإخوان المسلمين ودورهم في الثورة وخاصة موقعة الجمل التي أكد بلال فضل سابقًا دورهم البارز فيها، وأنهم هم من حموا الثورة، وكذلك ما كتبته "نوارة نجم" على صفحتها على (تويتر) تسبُّ فيها الإخوان وترميهم بأبشع الشتائم التي لا أستطيع أن أكررها هنا بعد جمعة الغضب الثانية 27 مايو!!.   عندما قرأت ما كتبته نوارة استرجعت حديثها في تلك الليلة والرعب الذي كانت تتحدث به ودور الشباب في الدفاع عنها وعن بقية النساء، أليس من تسبينهم من الإخوان يا نوارة هم من كانوا يدافعون عنكِ في الميدان في موقعة الجمل وفي تلك الليلة الحالكة؟!، ألم يكن لهم الفضل بعد الله في حماية الثورة وحمايتك شخصيًّا؟؟! وماذا كان يفعل البلتاجي ورفاقه؟! ولماذا هذا التشويه لدور الإخوان من وسائل الإعلام ومحاولة النيل منهم؟! أيحدث هذا بسبب الخوف من مستقبلهم السياسي والرعب من احتمال تأييد الشعب لهم بأغلبية؟!، هذا إعلام فاسد.. إعلام تحريضي جبان.. مارس نفس التحريض أيام الثورة لحساب المخلوع ونظامه.. وها هو يمارسه الآن.. لكن لحساب مَن؟!.   يحزنني هذا الآن؛ لأنني عندما تمكنت من العودة لبلادي التقيت بصديقي "عبده دسوقي" مصادفة فبادرني بالاعتذار عن إغلاق المكالمة بهذه الطريقة في تلك الليلة، أتعلمون ماذا كان سبب إنهائه للمكالمة بلا مقدمات؟، أخبرني بأنه وهو يكلمني كان على يديه أحد شهداء هذه الليلة وهو يحتضر، كان أحد شهداء الإخوان المسلمين، فهل كان للإخوان دور في الثورة؟!.   لا مجال لأحد أن يدعي البطولة وحده، ولا مجال لفئة أن تنفرد بالمشهد، فهي لم تكن ثورة شباب دون الشيوخ، ولم تكن ثورة ليبراليين دون الإسلاميين، ولم تكن ثورة رجال دون النساء، لقد كانت ببساطة ثورة شعب، بكلِّ أطيافه وألوانه وأعماره، أدى فيها الجميع دوره فاستحق الشعب الحرية، كانت نوارة ومن معها في الميدان، وكان الإخوان في الميدان، وكان أخي مراد في الميدان وكنت أرابط معهم خارج البلاد؛ لكني في الميدان بدعائي لهم وتوحدي قلبيًّا معهم، ومن بات في الحرم باكيًا متضرعًا كان في الميدان والأمهات الثكالى في البيوت كن في الميدان.. الكل كان في الميدان، فأوقفوا هذا التشويه المتعمد والمبالغ فيه ولا تدفعكم خصومتكم السياسية إلى تزوير التاريخ الذي لن يغفر لكم أن تكونوا سببًا في إشعال الفتنة وشق الصف المصري وتشويه الصورة الحضارية الرائعة التي صدرناها للعالم. ------------------ * رئيس تحرير (دلتا اليوم) الإخباري www.deltaelyoum.com abousama@msn.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل